سرقة انتصار المقاومة… خطاب خالد مشعل

أشجان عجور

الحكمة التي لخصها ماوتسي تونغ من تجربة الثورة الصينية تقول “في أيام الهزائم تمسكوا ببرنامجكم الاستراتيجي، وعند الانتصارات تستطيعون تقديم تنازلات تكتيكية”. لسوء حظ الثورة الفلسطينية “المغدورة”، تاريخيا أدي العجز في الانجاز العسكري إلي سعي قيادة منظمة التحرير الفلسطيني إلي نهج التسوية والتفاوض مع العدو كنهج بديل للكفاح المسلح، وحاليا في وقت الانتصار العسكري من الأجنحة العسكرية للمقاومة يبقي السؤال هل النتيجة العسكرية سيتم خصيها إلى هزيمة سياسية من قبل قيادات سياسية من حماس من أمثال خالد مشعل؟

خطاب خالد مشعل الأخير كما يبدو يوحي بالرغبة في استثمار الصمود المقاوم في بازار سياسي يدور في فلك الإخوان المسلمين وليس في نطاق مقاومة فلسطينية ضمن المشروع العروبي المقاوم.

طوال فترة الحرب كان الوقت حرجاً لإطلاق أية انتقادات لحماس، وكان من الحكمة الالتفاف حول الفعل المقاوم، والتصدي للأبواق التي تشكك بالمقاومة، وتلقي اللوم على مشاريع حماس التي لا تأتي إلا بالويلات على الناس. كان من الضرورة تحدي إعادة انتاج الرواية الصهيونية في لوم حماس بأنها سبب موت الأبرياء ودمار غزة، وتعرية إستراتيجية إسرائيل الوحشية في تبرير أهداف الإبادة الجماعية بالقضاء على حماس. فالهدف من العدوان ليس تصفية حماس ونزع سلاح المقاومة بل كسر إرادة القتال وإخضاع غزة وإبادة أي روح مقاومة.

ورغم دعمنا للمقاومة وقدسيتها إلا أن الخوف طوال الحرب كان من الاستثمار السياسي لحركة حماس لأننا عارفين بتاريخ مواقفها السياسية المشينة خاصة فيما يتعلق بالموقف من سوريا والاحتضان من قطر بعد الرهان على سقوط النظام السوري وفوز الإخوان المسلمين. أن نكون مع المقاومة لا يمنع من انتقاد النخبة والقيادة السياسية في حماس التي تحاول الاستفادة من المقاومة الميدانية لصالح مشاريعها السياسية. مع ذلك، أثبتت معركة غزة الفجوة بين القيادة السياسية وبين الأذرع العسكرية، فلم تكن المقاومة على خط موازي مع المنظومة السياسية التي تنضوي تحت مظلة الإخوان المسلمون ومحور قطر تركيا، ولكن عززت القيادة العسكرية العمل العسكري المقاوم الذي يدعمه محور المقاومة الذي تقوده إيران، فلم تقطع الأجنحة العسكرية في حماس وحركة الجهاد الإسلامي العلاقة مع إيران وحزب الله كما فعلت النخب السياسية في حماس. لاحظنا خلال العدوان أن القيادة الميدانية كانت هي التي تقرر مصير المعركة ومسارها، وهي التي تعطي الكلمة الأخيرة للنخب السياسية وليس العكس. بالطبع هناك فرق كبير بين حماس السياسية وحماس العسكرية، ألا يوجد فرق بين خالد مشعل وبين محمد الضيف؟  الأول تلاعب بمستقبل المقاومة وباع علاقته مع سوريا مقابل الاحتضان من قطر، والثاني ضحي بحياته وبعائلته وأطفاله ودفع ثمن باهظ من أجل المقاومة.

الان بعد الحرب، وبعد الاستماع الي خطابات القيادة السياسية في حماس حول انتصار المقاومة خاصة خطاب رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل يمكن القول أن هذا المستوى من القيادة يظهر الفرق بين الشعب ومقاومته، وبين قيادته السياسية. ويثبت لنا أن مشعل وخياره وموقفه من سورية لم يكن سوي خيار بالخروج من فلسطين ومقاومتها، فمن تخلي عن سوريا من أجل مصالحه، ألن يتخلي عن المقاومة وهل ستكون فلسطين في أولوياته؟

الاستنتاج الرئيسي من خطاب مشعل هو أن حماس مصرة على الارتباط بسياسيات الإخوان المسلمين ومصالحهم الإقليمية المتواطئة مع المنظومة الامبريالية. فان وجود حماس في محور قطر وتركيا الداعم للإخوان المسلمين سيبقي معيقا من الاستفادة من إنجاز المقاومةـ وسيظل الشعب الفلسطيني  وتضحيات غزة رهينة هذه المواقف السياسية والصراع بين المحاور المتصارعة. رغم أن مشعل أعلن الانتصار، ولكن خطابه وسلوكه خطاب يستثمر في تضحيات وبطولات مقاوميه. لقد بدت العنجهية واضحة في لغته الجسدية وصوته وهو يتباهي بالنصر لحماس متجاهلا قوى فلسطينية أخري أهمها حركة الجهاد الإسلامي التي كان لها دور كبير في المعركة على غزة، وعلى سبيل المقارنة بخطاب رمضان شلح  أمين عام حركة “الجهاد الإسلامي” فقد اعتبر النصر لجميع الفصائل وذكرها جمعيا.

عندما شكر مشعل عدة أطراف سياسية، بدأ بأمير قطر الذي وصفه بالشجاع، ومن المؤسف ان هذا التغزل هو لدور قطر التي قادت تدمير الوطن العربي بالتعاون مع الناتو تحت اسم ثورات الربيع العربي، وبإغداق الأموال على جماعات المعارضة المسلحة للنظام السوري ليستفيد منها الأعداء في تفتيت الأمة وضرب سوريا. ومن المؤكد أن قطر قدمت لخالد مشعل مكتسبات مقابل ضرب سوريا على يد عناصر حماس التي تم تدريبها من قبل إيران وحزب الله. أليس هذا على الأقل نكران للجميل ان لم يكن خيانة؟

في نهاية خطابة رفعا للعتب قال “تلقينا اتصالات تضامنية من إيران”، ولم يذكر حزب الله وسوريا. هذا الجحود لموقف إيران وحزب الله الداعم للمقاومة بالتسليح والتدريب دلالاته أن مشعل ظل متمسكا بسياسة الإخوان المسلمين التي تعزز السيطرة الأمريكية على الوطن العربي. فها هو يسرق انتصار المقاومة ويبيع دماء الشهداء كبضاعة في سوق مساومات المحاور الإقليمية المتصارعة لصالح محور تركيا وقطر الخاضع للهيمنة الأميركية والغربية.

ربما يحتاج العدو الصهيوني إلى هذا النوع من القياديين في حماس، أما القيادة المخلصة للوطن والقضية تم تصفيتها اغتيالا من قبل الآلة الاستعمارية وهنا نذكر القادة أحمد ياسين، والرنتيسي، والعقول العسكرية المبدعة مثل صلاح شحادة وأحمد الجعبري ، وقبلهما يحيى عياش، وفي الحرب الأخيرة  كانت الضربة القاسية في اغتيال ثلاثة من قادة المقاومة من هذه المدرسة العسكرية الرافضة للاستسلام. كما باءت محاولة اغتيال محمد الضيف بالفشل في الحرب. أليس من المؤسف أن يشكر خالد مشعل أمير قطر وينعته بالشجاع، وأن لا يذكر الضيف الذي فقد ابنه وزوجته في الحرب؟

يظل التحدي للمقاومة هذه المواقف السياسية لقيادات حماس التي تتنكر لمحور المقاومة الذي تقوده إيران، وتقف فيه سوريا وحزب الله والذي يشكل الحاضنة الخارجية للمقاومة. فالعلاقة مع محور المقاومة هي الساند الأساس للأجنحة العسكرية. لذا على المقاومة الفلسطينية أن تحافظ على هذه العلاقة من أجل الاستمرار في التركيم على بنية المقاومة وتطوير قدراتها العسكرية والتصدي لأية تسويات لخيار المقاومة. فكما قال ماو في مناخ الهزيمة لا بد من التمسك بالثوابت ورفض التسوية حتى لا ينهار البناء النضالي، أما في وقت الانتصار يكون لدينا رصيد كبير حتى لو قدمنا مرونات تكتيكية. مع هذا الصمود الهائل للناس رغم معاناتهم وويلاتهم على المقاومة السير علي غرار ما فعله حزب الله في جنوب لبنان في إعادة بناء الضاحية الجنوبية فلا يمكن استمرار المقاومة دون تعزيز مقومات الصمود للحاضنة الشعبية في المستقبل. وأخيرا على المقاومة العسكرية في الميدان أن تحافظ على استقلاليتها عن القادة السياسيين وتضمن سرية معلوماتها العسكرية وأمنها حتي عن القيادات السياسية في حماس.

إن كانت حماس بالفعل حركة مقاومة عليها التخلي عن مصالحها الإقليمية المتواطئة مع السيطرة الأمريكية، والتخلي عن السلطة ومشروع الحكم، وهذا لا يعني عدم حضورها سياسيا. وكما قلدت حماس نموذج حزب الله عسكريا حبذا لو تقلده سياسيا.