براميل التفكير واستدعاء استعمار العقل والخطاب

عادل سمارة

كثيرا ما تبث الفضائيات العربية أو تجري لقاءات مع عرب وغير عرب يعملون في مراكز ابحاث غربية وخاصة في  Think tank والتي افضل ترجمتها ب (براميل التفكير) اسوة بالدعاية الغربية ضد سوريا (براميل المتفجرات)، وكأن هذه البراميل ، إن صح أمرها، تُلقى على قِدِّيسين!

طبعاً، يُعطى هؤلاء فسحة واسعة للحديث، ليس بدافع توْق المحطة للمعرفة، ولكن غالباً لأنه في المحطة هيبة من الغرب وتقديرا لخطابه وميلا لاحترامه حتى رغم عدائيته وكل هذا من تمفصلات استدخال الهزيمة وتعميمها من الأرض إلى الفضاء.

ليس العيب في اجتلاب هؤلاء، ولكن العيب في عدم صدِّهم فكرياًـ بما هم اساساً معتدين من خلال ما يطرحون من تشويهات. بكلام آخر، فإن الرد عليهم مباشرة هو دفاع ومقاومة ولا معنى للتأدُّب البرجوازي الصغير في ملاطفتهم/ن.

من اللافت في هذه اللقاءات أن موظفي البراميل الفكرية الغربية يناقشون ما يجري في الوطن العربي على أرضية انظمة وقوى الدين السياسي مبتعدين عن القومية والطبقات والاستعمار والإمبريالية والنهب…الخ.

يتركز حديث هؤلاء على مقولة إمبريالية وصهيونية مزيفة وخبيثة وكاذبة بأن أهل السنة وقع عليهم اضطهاد! وبأن هذا اساس ما يجري في العراق وسوريا، وبأن داعش والنصرة هي منظمات تدافع عن أهل السنة؟ وبالطبع يتغاضى هؤلاء عن أن من يحكم كل الوطن العربي هم حكام محسوبون على السنة طالما انهم يرون أهل السنة كتلة واحدة، ولا يرون كيف تذبح داعش كل من لا يركع لوحشيتها الفكرية؟ لكن هؤلاء المحللين يغمزون بقصد أن داعش والقاعدة والنصرة يدافعون ضد إيران وحزب الله؟ وكأن سيد المقاومة يحكم من دمشق إلى الرباط ونواكشوط! وهذا الغمز هو تماما ما يلقنهم إياه خطاب مخابرات البرجوازيات الغربية الحاكمة، وهم حتى بالتلقين يفهمون ماذا وراء ذلك.وكأن أهل السنة جميعهم كتلة واحدة متشابهة كاسنان المشط!

لا شك ان هذه المراكز الاستعمارية تعلم بأن في السنة برجوازية تملك الترليونات  ومليار وأكثر من الناس يعيشون تحت خط الجوع. فما المشترك بين هذا وذاك؟ بين السلطة السعودية أو آل الحريري وبين فقراء نجد او فقراء طرابلس؟ كيف يمكن دمج هذا وذاك معاً إلا بقصد تعميق المذهبية كي يبقى الفقراء عبيداً سُذَّجا لدى الإغنياء وكليهما في خدمة الإمبريالية؟

هذه المراكز، لا تعالج المجتمعات الغربية كما تعالج مجتمعاتنا، فمثلا لا نجد في أدبياتهم عن امريكا او فرنسا تصنيفات (كاثوليك، برتستنانت، انجليكان ارثوذكس…الخ،  اللهم ربما في الحديث عن الصلوات يوم الأحد. بينما يقرأون مجتمعاتنا على اسس مذهبية وطائفية وذلك ليس فقط بدافع العنصرية بل اساسا بدافع إبعاد العربي عن اي تفكير في الأسباب الحقيقية للمذبحة التي تُدار في هذا الوطن، اي القضايا الوطنية والقومية والمجتمعية: تبعية الحكام وتبعية راس المال الطفيلي والكمبرادوري، ونهب الثروات…الخ.

ليس هنا موضع تفصيل نشوء منظمات الإرهاب هذه التي هي نتاج زواج سعودي (وهابي/سني) وأمريكي (انجليكاني)! وليس هذا موضع وضع صورة معبر القنيطرة والنصرة تضع علم الكيان الصهيوني إلى جانب علم الاستعمار الفرنسي في سوريا. ولعل هذا يثير التساؤل: هل هناك أخطر من فضائيات تبث سموم هؤلاء دون رش سمومهم بالمبيدات؟