فاجعة عرسال (2)

ثريا عاصي

أتابع مقاربة ما جرى في بلدة عرسال الذي أعتبره قياسا بمعايير الوطنية والأخلاق، فاجعة حقيقية كتب جنديان بدمائهما أحد فصولها وهي عديدة . اللبناني علي أحمد السيد أُختطف في بلدة عرسال. السوري، يحيى الشغري، وقع بين أيدي الإسلاميين الـ «داعشيين» في الرقة على الأرجح . الإثنان أعدما ذبحا أو رميا بالرصاص لا أدري. لا أدري أيضا لماذا أعدما وباسم أي قضية وفي ظل أي راية؟ قوانين الحرب لا تجيز قتل الأسير بعكس قوانين القبيلة، وقوانين التمييز العنصري. أنبتَ الدولار النفطيُ في بلاد العرب، إسلاميين فيهم من خصال النفاق والغدر والرذيلة والجريمة ما يجعلهم أكبر خطرا من الجاهليين وأكثر توحشا من المستعمرين العنصرين. إعدام الجنديين المذكورين مسيء للكينونة الوطنية وللثقافة الجمعية، أي للمعتقد وللدين وللعقل وللتربية والتهذيب! ولكن ما يعنيني ويهمني في هذا الجزء هو الغوص في موضوع أثرته في المقالة السابقة عن إرتجاع الخلاف على السلطة بين المسلمين الأوائل، وإشهاره خلافا دينيا جوهريا ثم استخدامه لتغشية المنازعة بين الذين اقتحموا ميدان السياسة في لبنان، باسم السنة وباسم الشيعة.
يجدر التذكير أولا، توخيا للدقة والوضوح، أن الكثيرين في لبنان مصنفون من السنة ولكنهم ليسوا «سنة» ومثلهم من جميع الطوائف والمذاهب، أناس يرفضون الهوية الطائفية والمذهبية، يستتبع ذلك أنه يوجد أيضا شيعة ليسوا شيعة.
مجمل القول أني بصدد مداورة العلاقة بين حزب الله، بما هو تيار شيعي تولـّد من المعاناة تحت احتلال المستعمرين الإسرائيليين، من جهة وبين الأكثرية السنية السياسية في لبنان من جهة ثانية، التي تلتزم الصمت حيال الجرائم التي ترتكبها الجماعات الإسلامية المتطرفة من طينة «داعش» وجبهة النصرة ومن هم على شاكلتهما، ظناً من هذه الأكثرية السنية أن «داعش» تحسن عملا في قتالها حزب الله. إذ يبدو أن هذا الأخير صار في نظرهم خصماً ومنافساً هذا لا يعني بالضرورة، إنها أي الأكثرية السياسية السنية راضية عن النهج الذي تسلكه هذه الجماعات.
لم يـُخف جفري فيلتمان أن إدارته رصدت مبالغ مالية كبيرة بقصد تشويه صورة حزب الله والتحريض ضده، وأن هذه الإدارة مواظبة على هذا العمل . لم يترتب عن اعتراف فيلتمان ـ الفضيحة أي رد فعل وطني لا من حزب الله ولا من خصومه. في الحقيقة، لم يتفرد فيلتمان في إنفاق الأموال في بيروت. من نافل القول أن جهات أجنبية عديدة تغدق على لبنان بلا حساب منذ سبعينيات القرن الماضي . هكذا استهوى أمراءُ النفط وعملاء المستعمرين فصائل المقاومة الفلسطينية حتى أمكن طرد هذه الأخيرة من لبنان سنة 1982 واقتيادها إلى حديقة البيت الأبيض لتوقع على اتفاقية أوسلو . هكذا أيضا تلاشت الحركة الوطنية اللبنانية وانفرط العقد الوطني. من البديهي أنه كان للنظام السوري دور في استجلاب خيرات وهبات شيوخ النفط، التي كان له حصة فيها. أما ما نحن بصدده هو البحث في أبعاد الخلاف السياسي السني ـ الشيعي في لبنان الذي أفضى اعتمادا على معطيات المشهد المرئي على الساحة اللبنانية إلى مفارقات تثير العجب إلى حد الذهول.
لم نسمع عن تظاهرة أو إضراب أو استقالة احتجاجا على إعدام الجندي اللبناني، الذي أخذ رهينة في عرسال. لم تمنع هذه الجريمة الحكومة أو مجلسها الأمني، بحسب بعض الصحف، من البحث في مسألة إخلاء سبيل بعض المساجين في حبس رومية، نزولا عند طلب المجرمين!
يحسن التذكير في إطار هذه المقاربة بأن حزب الله نشأ عندما كان جزء كبير من لبنان محتلا، وأن اعتماده على الشيعة كان طبيعيا ومفروضا، بل أكاد أن أقول أنه لم يكن هناك وسيلة بديلة لنهوض مقاومة قادرة على مواجهة مستعمر متوحش مفترس كمثل المستعمر الإسرائيلي. لا ننسى أن جنوب لبنان تقطنه أكثرية شيعية تـُركوا لقمة سائغة للغول الإسرائيلي. ليس مستبعدا بتاتاً أن يكون غزو الإسرائيليين للبنان سنة 1982، قد وقع ضمن خطة رسمت، ليس في دولة المستعمرين الإسرائيليين فقط، وإنما شاركت في إعدادها أيضا جهات عربية بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية وأذنابها في أوروبا . كمثل الخطة التي كان متفقا عليها في سيناء في سياق «الثورة «التي أوصلت الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر.
مجمل القول ان حزب الله هو خـُلاصة أناس احتل المستعمرون الإسرائيليون أرضهم . أدار لهم شركاؤهم في الوطن وفي الدولة وفي جامعة دول العرب، وفي الدين ظهورهم. فلم يجدوا سبيلا إلى الخروج من محنتهم إلا التصدي لمقاومة المستعمرين. المفارقة أن في لبنان وفي بلاد العرب اناسا يعترفون لحزب الله بالجميل، لأنه قاوم المستعمرين الإسرائيليين. فلم ينفروا من «الشيعة»، في حين أن أناسا غيرهم أغمضوا أعينهم عن المقاومة وعن التضحيات، وأعلنوا الحرب على حزب الله لأن مقاتلي هذا الأخير هم في غالبيتهم من المذهب الإسلامي الشيعي.
إذاً استوحى حزب الله عقيدة قتالية من تراث المذهب الإسلامي الشيعي، استنهض وجيـّش بواسطتها الجماهير الشعبية من أجل مقاومة مُستعمِر احتل الأرض، لم يكن حزب الله موجودا، قبل الاحتلال. ولكن من المعروف أن الشيعة يسكنون، جبل عامل جنوب لبنان. ينبني عليه ان السؤال المحيّر هو لماذا ينكر البعض حق هؤلاء الشيعة في الدفاع عن أنفسهم وأرضهم؟ لا يؤاخذ شعب يقاوم المستعمر ! لماذا استوحوا من الفكر الإسلامي الأصولي المتحجر، عقيدة جيشوا بواسطتها الأنصار من السكان الأصليين ومن المرتزقة، لمقاتلة حزب الله؟ لماذا تناصب حركة حماس الفلسطينية، والأخوان المسلمون، حزب الله العداء؟ من المحتمل أن حزب الله لم ينجح في خطابه في التوفيق بين مفهوم الوطن ومفهوم المقاومة ضد المستعمر أو بالأحرى في الربط بين الاثنين. ولكن من البديهي أيضا أن للحملات الدعائية التي تشنها الولايات المتحدة الأميركية وأتباعها في المنطقة تاثيرها الكبير في تأجيج نار الفتنة المذهبية . اللافت للنظر في هذا السياق أنك تقع أحيانا على مقالات لكتبة من أصول شيعية يضاهون حماسة وتطرفا شيوخ الوهابية في قذف سيل الانتقادات المغرضة ضد حزب الله والافتراءات المهينة عليه !

:::::

“الديار”