التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية

رئيس التحرير: د. منذر سليمان

نائب رئيس التحرير: جعفر الجعفري

 

مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

واشنطن،

 

المقدمة

 

          الازمة الاوكرانية ومواجهة الدولة الاسلامية تناصفتا اهتمامات المشهد الاعلامي والسياسي، اذ وجدت الوسائل الاميركية ضالتها في تسليط الضوء على ذبح الصحفي الاميركي الثاني، سوتلوف، لتهيأ الوعي الشعبي بضرورة التصدي عسكريا للمجموعات التكفيرية في بلد بعيد عن وطنهم.

          سيستعرض قسم التحليل المتضمن التئام قمة دول حلف الناتو، في مقاطعة ويلز البريطانية، وخروجه بتوصية من الجانب الاميركي لانشاء “قوة تدخل سريع” تتبع لإمرة الحلف. سيجري بحث التوصية والقرار ببعض التفصيل والمهام المعقودة عليها لانجازها، والاستدلال بالتجارب التاريخية في اوروبا ذاتها لتصويب الجدل حولها؛ سيما على ضوء “عملية ماركت غاردن” في الحرب العالمية الثانية، ايلول 1944، والدروس التي لا زالت ماثلة امام المخططين العسكريين.

 

 

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

مؤتمر حلف الناتو

          استهلت مؤسسة هاريتاج فرصة انعقاد قمة دول حلف الاطلسي  لتذكر الرؤساء بضرورة “العودة الى الأسس” والتمسك برسالة الحلف. وقالت ان “مهمة الحلف عند انشاؤه عام 1949 .. انصبت على ردع وهزيمة (ان تطلب الأمر) الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو .. والحيلولة دون انتشار الشيوعية في اوروبا.” واكد المعهد ان “مبدأ التهديد لم يتلاشى .. وينبغي على دول الحلف الارتقاء الى مستوى الدفاع عن السيادة الاقليمية للاعضاء .. كما ينبغي على الولايات المتحدة استغلال مؤتمر القمة كفرصة مواتية للتركيز على (مبدأ) الدفاع لمشترك، وحث الاوروبيين على تخصيص موارد اضافية  للانفاق على القوات العسكرية، والابقاء على سياسة الباب المفتوح” لضم اعضاء جدد.

 

الدولة الاسلامية      

          نبه مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية صناع القرار الى حصرية الخيارات المتاحة لمحاربة الدولة الاسلامية، مطالبا الولايات المتحدة استخدام اقصى ما يتوفر لديها من امكانيات مثل “القدرات النارية الجوية، والتزود بالاسلحة، ونشر مستشارين عسكريين في الخطوط الامامية، وتسخير كافة طاقاتها الاستخبارية واستهداف مواقع الخصم، والانتقاء الدقيق لعناصر القوات الخاصة لتنفيذ مهام سرية ضد المنشآت الحساسة ومراكز التجمع والمتطوعين الاجانب والاصول المادية للدولة الاسلامية وتوظيفها بدقة لتتفادى ايقاع الخسائر بين سنة العراق الذين ينبغي كسبهم في العودة والمشاركة في الحكومة العراقية والتصدي للدولة الاسلامية.”

          اعتبر معهد كارنيغي ان الجهود الدولية “لهزيمة الدولة الاسلامية تتطلب تسوية سعودية – ايرانية” سيما في ظل غياب “اي مؤشرات واضحة على وجود استراتيجية (اميركية) من شأنها ان تحل مشكلة تنامي الدولة الاسلامية.” وحذر من عناصر استراتيجية اوباما التي تقصي “اللاعبين من غير السنة .. الذين من دونهم لا يمكن (تحقيق) نجاح اي استراتيجية ..” واستدرك بالقول انه رغم تشاطر السعودية وايران في عداء داعش، الا ان “السعودية لا تزال قلقة مما قد يحدث اذا تم القضاء على التنظيم ..” واعرب المعهد عن اعتقاده ان “السعودية لن تدعم عملية متعددة الجنسيات ضد الدولة الاسلامية،” كما ينادي بها اوباما ووزير خارجيته جون كيري نظرا  لقلقها من المشروع “الا اذ استطاعت ان تضمن دورا لنفسها في سورية والعراق بعد هزيمة التنظيم.”

          فند معهد الدراسات الحربية فعالية “الغارات الجوية الاميركية التي لم تفلح في وقف اندفاعة داعش.” وذكر صناع القرار باهداف داعش التي تسعى للسيطرة على الموارد الطبيعية في حوض نهر الفرات “فضلا عن نيته بتوطيد خطوط اتصالاته على الجانبين العراقي والسوري .. بصرف النظر عن تعرضه للغارات الجوية الاميركية ..”

          دق مركز السياسة الأمنية ناقوس الخطر محذرا من امكانية لجوء داعش شن هجوم داخل الاراضي الاميركية، مستشهدا بالنتائج التي توصلت اليها دائرة السلامة العامة في ولاية تكساس التي “اعربت عن اعتقادها بتوفر دلائل تشير الى ان داعش بصدد شن هجوم وشيك” في اميركا تستهدف “تضعضع سلامة شبكة توزيع الكهرباء.” واوضح المركز ان الشبكة تعرضت لسلسة هجمات في الآونة الاخيرة والتي “ربما شكلت تدريبات ميدانية” لعمليات مقبلة.

          استعرض معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى تهديد داعش على لبنان معربا عن خشيته من “استسلام قادة سنة لبنان امام داعش لدواعي يفرضها الواقع وتجاهل عامل الوفاق الايديولوجي معه .. سيما وان عدد من المسلحين السوريين اعربوا عن رغبتهم بالانضمام الى التنظيم نظرا لحالات الاحباط التي تعرضوا لها في الميدان.” وزعم المعهد ان النظام اللبناني “يحرم السنة” من المشاركة وان استمر في ذلك فمن شأنه ان يدفع “بالدولة الاسلامية الى تكرار تجربة حزب الله مع شيعة لبنان .. والتي ستستغل غياب السلطة المركزية اللبنانية لتوفر الحماية المسلحة وعدد من الخدمات الاجتماعية لبعض اركان السنة طمعا في ولائهم.” واستخلص بالقول ان “لبنان مهدد حقا بتحوله الى ضحية اخرى للدولة الاسلامية، وما الاشتباكات في عرسال الا بداية ما ينتظره من تطورات قادمة.”

مصر

 

          وجه معهد كاتو نقدا لاذعا للادارة الاميركية على خلفية “اشادتها بالحكومة التي يديرها العسكر .. اذ ان الممارسات القمعية من غير المحتمل ان تؤدي الى الاستقرار.” واعرب عن تفهمه لتصرفات المجموعات الجهادية التي “ترى في ممارسة الارهاب كأحد الانوية لتحدي نظام يحرم مظاهر المعارضة السلمية.” وحث ادارة الرئيس اوباما على “وقف تدخلها الدائم والخالي من الحذق والبراعة (وتدرك) ان نفوذها محدود بشدة” لدى النظام المصري. وشدد المعهد على ضرورة “وقف الادارة استغلال برامج المساعدات المقدمة كوسيلة رشوة للضباط المصريين .. وسينتهي المطاف بمصر الى ان تجد نفسها عديمة الحرية والاستقرار ..”

 

ليبيا

 

          اعتبر معهد كارنيغي الغارات الجوية التي شنتها “المقاتلات الحربية المصرية بالاشتراك مع الامارات انما تنم عن استرايجية قصيرة النظر، سيما وانها لم تشكل حاجزا مانعا امام قوى مصراتة الاسلامية الطابع  وبسط سيطرتها على مطار طرابلس” الدولي. وحذر بالقول انه بصرف النظر عن “طبيعة وحجم الدعم المصري، سواء عسكري او بوسائل اخرى، فمن غير المرجح ان يسفر عن التلاشي التام لتهديد الاسلاميين لمديات تريح (الرئيس عبد الفتاح) السيسي.”

آسيا الوسطى

          حذر مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية من غياب “النظرة الاستراتيجية” لدى صناع القرار فيما يخص التطورات الجارية في “افغانستان والباكستان وآسيا الوسطى .. سيما وان حاجة الولايات المتحدة للابقاء على حضور اساسي في المنطقة لا يحظى بالاجماع، واستطرادا، لتبرير نشر موارد ونفقات اضافية.” واوضح ان أس الاستراتيجية الاميركية “لاعادة التوازن في آسيا تضع نصب اعينها دول شرقي آسيا وتراجع اهمية منطقة المحيط الهندي،” سيما وان اميركا لا زالت “ترى اهمية الهند ودورها لمراقبة وموازاة الصين، بيد انها لم تحصد نتائج كبيرة او فوائد مرجوة.”

التحليل:

 

نفخ اوباما في عضلات الناتو لا يخيف بوتين تكرار ماثل لاخطاء معسكر الحلفاء قبل 7 عقود يخيف اوكرانيا في عين العاصفة الاميركية

بعيدا عن اي ضجيج اعلامي، اقر بعض الاستراتيجيين الاميركيين ان الهدف الابعد للاستراتيجية الاميركية لا يتمثل في “محاصرة روسيا على حدودها ونشر بضع صواريخ هناك،” رغم أهميته المعنوية والسياسية، بل يتجاوزه لانهاكها “للحيلولة دون بروز عالم متعدد الاقطاب.” في هذا السياق، حذر وزير الخارجية الاسبق هنري كيسنجر بلاده، في شهر تموز الماضي، من مفاقمة الازمة الاوكرانية والمضي في تحريضها الاعلامي “لشيطنة (الرئيس) فلاديمير بوتين،” مطالبا صناع القرار بالجلوس مع روسيا لطاولة المفاوضات (مقالة مطولة في صحيفة واشنطن بوست). ايضا السفير الاميركي الاسبق لدى موسكو، جاك ماتلوك، حث الشعب الاميركي محذرا من عدم “تفهم المصالح الروسية .. وعدم السماح بتوسيع حلف الناتو” ليضم اوكرانيا.

          امعانا في توضيح مسؤولية الغرب والولايات المتحدة بشكل خاص وحالة الاحباط من الفشل، أنّب نائب وزير الخارجية الاسبق والسفير الاميركي لدى حلف الناتو، نيكولاس بيرنز، حلفاءه الاوروبيين “لاضاعتهم فرصة تعزيز اجراءات المقاطعة ضد روسيا.” ووبخهم قائلا “يؤسفني القول ان (الرئيس) بوتين تفوق ببراعة على (حلف) الناتو” لابقائه باب الحوار مفتوح خاصة مع المستشارة الالمانية، انغيلا ميركل، والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الذي تعرض لضغوط اميركية مكثفة لتعديل موقفه من موسكو يدعو التوصل لوقف اطلاق النار كأحد الشروط للمضي بتسليم حاملة طائرات مروحية “ميسترال” لروسيا قبل نهاية العام الجاري.

العدد الاخير من فصلية “فورين افيرز،” الرصينة تصدره دراسة للاكاديمي المخضرم جون ميرشايمر يؤكد فيها ان “الازمة الاوكرانية هي من صنع الغرب .. الولايات المتحدة ومعظم حلفائها الاوروبيين يتحملون القسط الاوفر من مسؤولية الأزمة.” بعبارة اخرى، شهد شاهد من اهلها ان “حلف الناتو هو الطرف المعتدي” في الحالة الاوكرانية.

توصيف الاوضاع الدولية الملتهبة بدقة وتحديد الاطراف المسؤولة عن اندلاع النيران هي وصفة ليست جديدة. لعل الجديد في الأمر ان التدهور يجري تحت سمع وبصر هيئة الأمم المتحدة “المنوطة بحفظ السلام العالمي،” ويؤشر على عجزها المرة تلو المرة في التخلص من تبعية قرارها للدول الغربية. كما يعزز سعي بعض الدول المتضررة، لا سيما في اميركا اللاتينية، الى انشاء منظمة دولية موازية او بديلة تمارس حقها في استقلالية القرار واداء رسالتها الرفيعة مدعومة بتوازنات جديدة تبشر بتعدد القطبية وكسر الاحتكار الجاري، في مستوياته المتعددة: سياسيا وعسكريا واقتصاديا وثقافيا .. الخ. كما لا ننسى المساعي الجارية لتفعيل وزن ودور دول البريكس.

بعض اوروبا يتباعد عن اميركا

          حرص الرئيس اوباما على مشاركته الشخصية في قمة دول حلف الناتو، ويلز ببريطانيا، اتبعه بالاعلان عن زيارة يخصصها لدولة استونيا في بحر البلطيق والتزامه بارسال طائرات عسكرية للتحليق في اجواء دول البلطيق الثلاثة: ليتوانيا ولاتفيا واستونيا؛ امعانا منه في ممارسة سياسة استعراض القوة مع الرئيس الروسي بوتين، وارساء سقف سياسي للحوار المرتقب بتوسيع نطاق الحلف ليتمدد بالقرب من الاراضي الروسية، وفي محاولة مدروسة من مساعديه للرد على سيل الانتقادات لضعف قيادته في ادارة الشؤون الخارجية.

          انفض لقاء قمة الناتو دون توصلها لبيان صريح وواضح بتوفير الدعم العسكري لاوكرانيا، كما روجت له حكومة كييف الموالية لواشنطن، واكتفى الحلف بالتأكيد على حق اوكرانيا استرداد كامل سيادتها على اراضيها. وسرعان ما أُعلن عن توصل الحكومة الاوكرانية والقوى المعارضة شرقي البلاد الى وقف لاطلاق النار. في هذا الصدد اجمع المراقبون للتطورات الاوكرانية ان حكومة كييف تلقت هزيمة كبيرة وستضطر لقبول شروط خصومها، او معظمها، المطالبين بصيغة سياسية كونفدرالية توفر لمناطقهم مساحة اوسع من الحكم الذاتي.

          لخص معهد “ستراتفور” الاستخباري الموقف بالقول ان “حلف الناتو اخفق في توفير الدعم المطلوب لكييف .. وسيضطر (الرئيس الاوكراني) بوروشينكو الى التفاوض على حل للأزمة مع سيد الكرملين.” روسيا اوضحت موقفها مرارا بأنها تعارض بشدة تمدد حلف الناتو في حديقتها الخلفية، والتوصل الى صيغة سياسية تبقي على حياد اوكرانيا وعدم انضمامها للحلف، واعتمادها الصيغة الفيدرالية للحكم. جون ميرشايمر اوضح ايضا بقوله “ارتكبت الولايات المتحدة والقادة الاوروبيين خطأً فادحاً في توجههم لتحويل اوكرانيا الى معقل للغرب على حدود روسيا.”

          يذكر ان المفكر الاستراتيجي الراحل، جورج كينان، وآخرين حذروا صناع القرار مبكرا من مغبة توسيع حلف الناتو طمعا في محاصرة روسيا، بيد ان التحذيرات ذهبت ادراج رياح الليبراليين والمحافظين الجدد، على السواء، الذين ليس بوسعهم التغافل عن ان استراتيجيتهم “اسفرت عن اطلاق صيحات بضمان الأمن لدول معظمها لا يقوى على حماية نفسه وستشكل عائقا أكبر للحلف في سعيه لنجدتها” من تهديد روسي محقق.

          وصوبت يومية “فورين بوليسي” سهام انتقاداتها على تلك الفصيلة المتجانسة من “الليبراليين الجدد،” المحيطة بالرئيس اوباما وتدفعه لاتخاذ قرارات مغامرة “على شاكلة الامبراطورية البريطانية” التي اتخذت “قراراتها الحمقاء في غفلة من الزمن” باستنادهم الى “فرضية أن الضمانات المتعددة التي يعد بها الحلف لن ترى النور ابدا.”

          الرئيس اوباما واعوانه، وبعض مؤيديه في الحلف “بريطانيا التابعة،” اسرفوا في التأكيد “لدول البلطيق والحلفاء في اواسط اوروبا” عن عزم حلف الناتو الهبة لنجدتهم والتسلح بنص المادة الخامسة من ميثاق الحلف التي تخول نشر قوات برية على اراضي دولة معرضة للاعتداء. وذهب اوباما للطلب من الكونغرس تخصيص مبلغ مليار دولار اضافي “لدعم مبادرة تطمين اوروبا” للانفاق على القوات الاميركية المتوجدة في الاراضي الاوروبية، والصرف على المناورات العسكرية المشتركة التي تجري دوريا مع عدد من الدول.

          اميركا طالبت دول الحلف مجددا بزيادة معدلات ميزانياتها العسكرية والبدء في شراء المقاتلات الاميركية الحديثة، من طراز اف-35-ايه، ونموذجها القادر على حمل السلاح النووي تحديدا. كما تسعى الولايات المتحدة الى اعادة تثبيت قيمة اسلحتها النووية “التكتيكية،” التي تقدر بنحو 180 رأس نووي، مخزنة في خمس دول اوروبية: بلجيكا والمانيا وايطاليا وهولندا وتركيا.

وفي التفاصيل، اعربت المانيا عن نيتها شراء المقاتلة بنسختها التقليدية خالية من التجهيزات والاسلحة النووية، لانها “لا ترى حاجة ماسة لتلك الاسلحة فضلا عن غياب الحماس لتحمل كلفتها الباهظة.” وثائق حلف الناتو تشير بوضوح الى اسراف الدول الاوروبية في الانفاق على التسلح بمعدل “يفوق اربعة اضعاف ما تنفقه روسيا سنويا،” وتتعرض لضغوطات شعبية واقتصادية لتخفيض الميزانيات العسكرية؛ وعلى الطرف الآخر تتعرض لضغوط اميركية مغايرة لزيادة معدلات الانفاق وهي حائرة بين الخيارين، يفاقمها الاوضاع الاقتصادية المتردية في معظم الدول وبعضها شارف على الافلاس.

اغراءات اميركية في الزمن الضائع

 

سارعت الولايات المتحدة للاعلان عن اجراء مناورات عسكرية، الرمح الثلاثي السريع – رابيد ترايدنت- تعبيرا عن التزامها بدعم “البوابة الشرقية لحلف الناتو.” المناورات السنوية الاعتيادية تجري على اراضي بولندا، وبالقرب من الحدود المشتركة مع اوكرانيا. واضافت قيادة القوات الاميركية لاوروبا ان اميركا ستشارك بنحو 200 عنصر يعززهم نحو 1،100 من قوات الدول المشاركة: اوكرانيا، اذربيجان، بريطانيا، كندا، جورجيا، المانيا، لاتفيا، ليتوانيا، مولدوفا، النرويج، بولندا، رومانيا، واسبانيا.

يضاف الى ذلك، تجهيز عربات مدرعة ونحو 600 عسكري لاتخاذ مواقعهم في بولندا ودول البلطيق للمشاركة في مناورات عسكرية مشتركة تجري في شهر تشرين الاول المقبل، في اعقاب انتهاء مناورات شاركت فيها قوات مسلحة من المظليين.

روجت اميركا لتبني قمة الناتو اعلانها المسبق بتشكيل قوة عسكرية للتدخل السريع، قوامها لواء مسلح،  باستطاعته الانتشار والتمركز خلال 48 ساعة. اما ترسانة تسليحه فسيتم تخزين الاسلحة الثقيلة في دول “اوروبا الشرقية” ووضعها تحت تصرفه التام.

واوضح الامين العام لحلف الناتو، اندرز فوغ راسموسن، نوايا المؤسسة بزيادة معدل البعد العسكري في مهامه بالقول ان الحلف يواجه تحديات متعددة “.. روسيا تتدخل بشكل سافر في اوكرانيا .. ازمات متعددة قد تنشب دون سابق انذار، والتحرك بسرعة فائقة تترك تداعياتها على أمننا الجماعي بطرق شتى. سنبلور قوة رأس حربة من ضمن قوة التدخل، مما يستدعي اقامة منشآت معينة في اراضي الحلف، وتخزين معدات ولوازم مسبقا، ووضع خبراء في شؤون القيادة والتحكم والاعمال اللوجستية تحت تصرفها ..”

قوة التدخل الحالية التابعة للحلف يستغرق تحركها نحو 5 أيام للوصول الى الميدان وباستطاعتها البقاء نحو 30 يوما دون الاضطرار للتزود بالامدادات. وقد اوكلت لها مهام التدخل 6 مرات في المدى القريب: توفير الحماية لدورة الالعاب الاولمبية  في اثينا عام 2004؛ وكذلك للانتخابات العراقية؛ المشاركة في العدوان على ليبيا عام 2011؛ الاشراف على اعمال الاغاثة الانسانية في افغانستان؛ والمشاركة ايضا في اعمال الاغاثة في اعقاب اعصار كاترينا في الولايات المتحدة؛ وتوفير الاغاثة الانسانية في اعقاب كارثة الزلزال الذي عصف بالباكستان.

وعانت تلك القوة من تعدد الولاءات الوطنية لقواتها مما اضعف جهود التنسيق فيما بينها، كما شهدت عليه دورة الالعاب الاولومبية. اذ شارك فيها نحو 9،500 عنصر من كتيبة مظليين فرنسية وسرية من القوات الجوية المحمولة لليونان وسرية قوات خاصة من بلجيكا؛ توزعت غالبيتهم العظمى، 8،500، على القوات الجوية والبحرية، والمتبقي نحو 1،000 عنصر من القوات البرية.

درس من التاريخ

بناء على ما تقدم، يبرز السؤال ان كان باستطاعة القوات الحديثة للحلف تشكيل قوة ردع يحسب لها حساب من قبل روسيا.

الاجابة قد تقود المرء وقادة الحلف الى النظر باحداث التاريخ القريب التي جرت على اراضي بلجيكا وهولندا قبل نحو 70 عاما في مثل هذه الايام. آنذاك، شاركت قوة التدخل السريع للحلفاء اعتبرت الاكبر في حجم عمليات القوات المحمولة جوا في “عملية ماركت غاردن،” في الفترة الممتدة من 17 الى 25 أيلول 1944. كانت نتيجتها مأساوية اذ تعرضت الفرقة الجوية البريطانية الاولى المتمركزة في مدينة ارنام الهولندية الى ابادة شبه تامة.

يدرك القادة العسكريون، القدامى والحاليون، القدرة المحدودة لقوات التدخل السريع لتنفيذ مهامها انطلاقا من طبيعة تشكيلها وتسليحها كقوة مشاة خفيفة الحركة، عادة ما يتم انزالها في مواقعها جواً. الميزة الاولى التي تتحلى بها تلك القوات هو برامج التدريب والتأهيل المكثفة التي تتفوق على ما يماثلها لتأهيل القوات البرية العادية.

القوات الاميركية، بدورها، لديها الفرقة 82 المحمولة جوا وفوج الحرس الخامس والسبعين، واللتين من المرجح ان تنضمان لتعزيز قوة الناتو المعلن عنها، وباستطاعتهما اتخاذ مواقعهما خلال 18 ساعة من تلقي اوامر التحرك. القوتين مدربتين على مهام الاقتحام، الدخول عنوة الى اراضي الغير، والسيطرة على المرافق الحيوية. وشارك فوج الحرس المشار اليه في تأمين منصة انطلاق للجيش الاميركي في جزيرة باربادوس بالبحر الكاريبي ونجحت في مهمتها بأقل من 18 ساعة ممهدة الميدان لتعزيزات الفرقة 82 المحمولة.

مخازن الاسلحة الثابتة المعدة في اراضي دول اوروبا الشرقية ستكون هدفا للغارات الروسية لحرمان القوات الغازية من امكانياتها. وعليه، ستضطر قوة حلف الناتو الاعتماد شبه التام على ما تحمله معها من اسلحة ومعدات لتنفيذ مهامها، والتي ستتواضع انجازاتها بناء على ما لديها من امكانيات.

مراهنة الحلف على الفرقة 82 المحمولة لاختراق اراضي الخصم محفوفة بمخاطر عدة. باستطاعة الفرقة انزال نحو 2،000 مظلي وعربات مدرعة ومدافع هاون من طراز 155 ملم على شريط يمتد نحو 5 كلم واستخدامه كنقطة تجمع للتعزيزات والامدادات، ومن ضمنها وحدات العربات المدرعة “سترايكر.” وينبغي على قادة حلف الناتو الاجابة الصريحة على المدى الجغرافي المنوط بقواته تأمينها بالنظر الى تواضع الاسلحة والمعدات المستخدمة.

في ذلك الزمن القريب، اوكلت الفرقة 82 المحمولة مهمة السيطرة على جسر نيميغن في مدينة هولندية بذات الاسم، تقع على ضفاف نهر فال المتفرع من نهر الراين، عام 1944. وفشلت الفرقة في مهمتها على يد وحدة من المدرعات الالمانية، ولم تستطع التقدم الى ابعد من 400 متر من الجسر انجاز مهمتها الا بعد مضي بضعة ايام بدعم من القوات البرية التابعة للفيلق 30، بعدما تكبدت خسائر كبيرة.

اما الشعبة الاولى البريطانية المحمولة فكانت خسائرها اعلى من نظيرتها الاميركية اذ فقدت منطقة الانزال التي سيطرت عليها سابقا، ونفذت ذخيرتها وامداداتها، ومن لم يقع في قبضة الالمان من رجالاتها فر هاربا. يذكر ان المعركة وثقتها هوليوود بفيلم  يحمل عنوان “جسر صعب المنال.”

اشّرت “عملية ماركت غاردن” على عدد من الثغرات، آنذاك، والتي تجد صدى لها في الآونة الراهنة. اهمها عدم تناسق التوجيهات والاتصالات بين مجموعة غير متجانسة في اللغة والعادات، مع العلم ان القوات الاميركية والبريطانية على جسر نيميغن كانت تتكلم اللغة الانكليزية المشتركة، فما بالك ان تعددت اللغات المتداولة كما هي حال حلف الناتو لا سيما مع دول اوروبا الشرقية، ومآل مهام السيطرة المنوطة بالوحدات المختلفة في ظرف زمني قصير لا يحتمل اي فجوات او نواقص. باستطاعة قوات التدخل السريع للحلف القتال وصد هجوم روسي محتمل، لبضعة ايام، بيد انها ستواجه مخاطر نفاذ ذخيرتها وامداداتها. لعل الاهم، ما ينتظر القوات الرديفة والتعزيزات المتعددة من مهام اشد تعقيدا من القوات الخاصة في المسرح الميداني.

ربما تطورت العلوم العسكرية في النظريات والتطبيقات والتكتيكات المتبعة، منذ ذلك الزمن. بيد ان الطبيعة البشرية وما تتطلبه من زمن لاستيعاب كل ما هو جديد ومتطور لا تستطيع تجاوز آفاق العقل البشري ليواكب سرعة الابتكار والتقنية.

عند اقدام حلف الناتو على دخول معركة مع روسيا للسيطرة على بعض اراضيها في ظل غياب شبه تام للدعم الجوي فانه يجازف بارواح نحو 4،000 من جنوده فضلا عن الضحايا الآخرين.

اذن، قوة حلف الناتو الموعودة ربما تجد مآلها في البعد السياسي كرسالة تطمين لاعضاء الحلف اكثر مما هي هي قوة حقيقية باستطاعتها تنفيذ مهام ذات طبيعة عسكرية ضمن سياق خسائر محسوبة تستطيع تعويضها. بعض التوجهات في حلف الناتو تنظر الى نشر قوات برية صغيرة الحجم بصورة دائمة في اراضي دول اوروبا الشرقية، استنادا الى توفر المعدات والامدادات المطلوبة في متناول اليد.

سيد الكرملين وقادته العسكريون يدركون ذلك دون ريب. وقد يتريث قليلا لاعادة النظر بقوات حلف الناتو، لكن من المرجح ان يمضي قدما في مواجهاته دون حسابات تلجمه لتحقيق استراتيجية بلاده.

:::::

المصدر: مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

الموقع: THINKTANKMONITOR.ORG

العنوان الالكتروني: thinktankmonitor@gmail.com