العروبة وفلسطين

 حوار شامل مع قسطنطين زريق

عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية

مراجعة د. ديمة أمين

 “الثورة على الذات طريقا حتميا للتطور والتقدم”

قسطنطين زريق

من أفضل الكتابات، للقراء بالطبع، هي المذكرات أو سيرة الحياة. ولكن أكثر الكتابات موضوعية وإنصافا وإفادة وإثارة للجدل والحوار، هي معالجة كتابات وأفكار من رحلوا. حينها يكون الكاتب في حيادية تامة او على الأقل لا تاثير للمؤلف نفسه. نعم، هناك من رحلوا ولكنهم لم يرحلوا، وهناك موتى أحياء. هناك من ماتوا ليحيا غيرهم، وهناك من يحيون ليُميتوا امتهم باكملها.

“الثورة على الذات طريق حتمي للتطور”،   مقولة هذا العروبي المفضلة والذي عاش ما يقارب التسعين عاما. هو مؤرخ سوري وأحد ابرز دعاة القومية العربية. اطلق عليه لقب شيخ المؤرخين العرب والمربي النموذجي و مرشد الوحدويين وداعية العقلانية في الفكر العربي الحديث.

  الثورة بالنسبة له اقترنت بسيادة العقل والأخذ بالتطور العلمي والسلوك الديمقراطي كأسلوب حياة ونمط اجتماعي  ، واكب تجربة القومية العربية منذ البدايات مشكلا مرجعية لا غنى عنها في قراءتها.

في هذا الحوار الذي امتد لأشهر بسبب وعكات صحية اصابته يتناول زريق نشأة الفكر القومي العربي ومسيرته ، المحطات الهامة في مسيرته والتي لعبت دورا في تطوره الأكاديمي والفكري والايدولوجي كما يتناول النهوض الجامعي ومسائل الأقليات التي هي أصلانية في الوطن العربي كالعرب، والعلاقة بين العروبة والإسلام والعلمانية والقضية الفلسطينية.

يبدأ زريق الحوار بالتعبير عن المه بسبب عجز الامة العربية عن تحقيق التقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي الضروري في ظل هذا الكم من تطور المعرفة في العالم وسعة انتشارها والتي كان له الأثر الكبير في التطور الحضاري وتقدم الشعوب في وعيها لحقوقها المختلفة والعمل على تحصيلها.

يطرح زريق رؤيته للبرنامج النهضوي رابطا إياه بالتحرر الذاتي اولا والخارجي من المغتصبين ثانيا معتبرا التحرر الذاتي نقطة انطلاق في مواجهة الهزيمة والخضوع والتصدي للتخلف الاجتماعي والعقلي ولا يرى زريق التحرر بمعزل عن التحضر وجوهرهما  الرقي العقلي والأخلاقي.

تمثلت الظروف البيئية التي واكبت انطلاق الفكر القومي العربي تمثلت في ضعف الدولة العثمانية حينذاك وبداية أطماع الغرب الذي كان يمر بحركة نهضوية وجدت لها أثرا في وعي شعوب المنطقة من خلال التماس الديني التجاري السياسي مثال ذلك علاقة المارونيين في لبنان بالبعثات البابوية والتبادل التجاري وحملة بونابرت لمصر والحملات العسكرية الفرنسية والإيطالية على دول المغرب العربي

تولد بذلك وعي بشؤون الحكم وإصلاحها ونشوء حركات وأحزاب تطالب بالإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي قادها في البداية عثمانيون ضد السلاطين، إلا ان العرب أدركوا فيما بعد ان هؤلاء يسعون لإنشاء كيان تابع لتركيا سياديا وحضاريا. هنا بدأ تطور الوعي بالعوامل المشتركة العربية لغة وثقافة وتاريخا ومصيرا مشتركا أخذت بالمطالبة بالاستقلال وكانت نواة الفكر القومي العربي.

رافق نشوء الحركة القومية العربية ازدياد مطامع الغرب في المنطقة ماديا وتجاريا واستراتيجيا مما خلق توجها لمحاربة الفكر القومي العربي بالاضافة الى الضعف الذاتي الذي عانت منه مما أدى الى تباطؤ تطورها وتشتتها وعجز ها عن صد المطامع الغربية وامتدادها الصهيوني.

بصدد التكوين الفكري والايدولوجي يروي زريق نشأته في دمشق و من ثم بيروت فالولايات المتحدة ولا ينهي هنا الا بعد ان يذكر تأثير عراقة دمشق على تطوره حيث كانت تنهض بعد الحرب العالمية الاولى  وتستقبل اعلام الفكر العربي الذين شاركوا في الثورة وجاؤوا مع الامير فيصل لتأسيس حكم عربي

اما في حديثه حول التعليم الجامعي وتطور المجتمع فيرى تدهور مستوى  التعليم الجامعي . فانتشار الجامعات في الوطن العربي المنطقة العربية كان مكسبا كميا وليس نوعيا لأسباب عدة اهمها الإقبال الكبير للشباب على التعليم العالي بما لا يتناسب مع التطور في انتاج الموارد المادية والمعنوية والإنسانية ً إذ لم يتم الربط بين نمو الجامعات الكمي وبين تطور دوائر الانتاج العربية الاقتصادية والتنموية مما اخرج اعداد كبيرة من الخريجين بدون فرص عمل وما تبع ذلك من إحباط.

وأعتقد بدوري أن اوضح مثال على هذا ما حصل في مصر، حيث أنجزت الناصرية توفير فرص تعليم جامعي مجاني لأبناء الفقراء، ولكن سياسة الانفتاح الاقتصادي التي طبقها السادات ومن ثم مبارك قيدت تطور الاقتصاد المصري مما أخرج هؤلاء الخريجين من سوق العمل فكان ان ذهب كثيرون منهم إلى الخليج ليعودوا سلفيين واثرياء فيشكلون شريحة واسعة من طبقة راسمالية كمبرادورية وطفيلية ومحاسيبية مضادة للقومية العربية. أما الخريجين بعد الناصرية فوجدوا طريقهم إلى القوى الإسلامية مباشرة.

من جهة اخرى فان التعليم الجامعي سلك أسلوبا متخلفا في التعليم يعتمد على التلقين وليس على اساس تعليم الطالب البحث والتعلم الذاتي وإغفال دور الجامعات في التربية الأخلاقية و الانسانية مما يبين اهمية العمل على هذا الجانب في التنمية القومية كون الجامعات هي مركز اعداد الكوادر البشرية المؤهلة لتحقيق التنمية

وحول هجرة الأدمغة يحلل زريق بان هذه الظاهرة السلبية المنتشرة  في كل الدول المتخلفة فبالرغم من حاجة المجتمع الأخذ بالنمو والإصلاح للكفاءات العلمية  الا انها لا تلبث ان تهاجر الى الدول المتقدمة التي بدورها تقدم الإغراءات المادية والمعنوية والعلمية لهم ويعود ذلك الى عوامل اجتماعية وتربوية.

يتحمل مسؤولية العوامل الاجتماعية الحكام والمسؤولين الذين لا يقدرون هذه الكفاءات ولا يؤمنون لها حرية الفكر والبحث والتعبير والتي هي اساس التطور والتحضر كما انهم لا يؤمنون الإمكانات المادية والعلمية الملائمة.

اما العوامل التربوية فيتحمل مسؤوليتها هؤلاء انفسهم الذين يقع على عاتقهم او عاتق جزء منهم على الاقل مسؤولية وطنية بالبقاء وتحمل الظروف الصعبة في سبيل تطور ونهضة بلادهم.

ينتقل زريق للحديث عن مفهوم النهضة القومية بما هو مرادف لمفهوم التحرر بصفته الشاملة  وارتباطها بالعلم والديمقراطية وبنفس الوقت هناك على النقيض عوامل سلبية كالفقر والجهل والتبعية تؤثر فيما بينها وتعيق النهضة المرجوة والتي تعثرت أيضاً بفعل الاستعمار و عجز القيادات العربية عن تفهم متطلبات العصر و التخلص من أطماعها وأهوائها الخاصة  والعجز عن خدمة شعوبها وتحقيق أمانيها كذلك عجز الشعوب نفسها عن التخلص من قيود الماضي و الانطلاق في السبيل الصحيح.

فيما يخص مراحل تطور الفكر القومي العربي يناقشها زريق من المنظور التاريخي ففي البدء كان منصبا على التحرر من الحكم العثماني ثم الفرنسي او البريطاني ونهاية المشروع الصهيوني وقد رافق ذلك فيما بعد توجه لتحديد الفكر القومي في مضمون متكامل سياسي اقتصادي اجتماعي وتربوي وتحديد هويته ونابعا من الارض والتراث العربي.

وهكذا بدأت حركات وأحزاب تحمل هذا الفكر منها عصبة العمل القومي والحزب القومي السوري الاجتماعي في سوريا ولبنان ونادي المثنى في العراق مع العلم ان الذين نادوا بالفكر القومي العربي استلهموا أفكارهم من واقع مجتمعهم ولكن بتأثير التجارب الغربية التي أنجزت مشاريعها القومية كأهم مظاهر التحديث المجتمعي حيث كان عدد كبير ممن نادى بالقومية قد تلقوا تعليمهم في الغرب وعاشوا تجاربه .

ويجدر هنا التطرق لتجربة تقارب بعض الاحزاب القومية من عناصر عسكرية وضمها للحصول على السلطة كما الحزب التقدمي السوري الاجتماعي وحزب البعث العربي الاشتراكي ما كان له تأثيرات سلبية مثال ذلك أيضاً عبد الناصر الذي تبنى الفكر القومي وحاول نشر الفكرة الا ان محاولاته باءت بالفشل ونتج عنها الكثير من التشرذم فيما بعد وذلك بسبب غياب الأسس الواضحة لبناء كيان قومي  ومثّل هذا الإخفاق فشل جامعة الدول العربية والهزيمة امام العدو الصهيوني.

وأعتقد في هذا الصدد أن نقد زريق صحيح فيما يخص عسكرة الأحزاب والأنظمة. ولكن ضم العسكريين إلى الحزب شريطة ان لا يسيطروا عليه هو أمر طبيعي. فتلك السيطرة هي التي انتجت الانقلابيين وأنظمة الانقلابيين. وكل هذا في المشرق العربي. أما في الخليج، فكانت ولا تزال أنظمة لا علاقة لها بالحداثة ولا بالعروبة ولا حتى بحماية الوطن. ربما من المفيد تجليس مسألة العسكر في مكانها الطبيعي، بمعنى أن سبب سيطرتهم على أحزابهم تعود إلى وهن المبنى الفكري للأحزاب نفسها.

مسألة الأقليات 

 

التطور الحضاري للمجتمع شرط لتحقيق القوميه التي هي بدورها ظاهرة من ظواهر الحداثة غير ممكنة الوجود في المجتمعات البدائية او الدينية او الاستبدادية فقاعدة المجتمع الوطني هي المساواة بين المواطنين على كل الأصعدة مهما اختلفت أصولهم وأعراقهم ودياناتهم وانتماءاتهم.

نلاحظ هنا تماما تفكير المفكر زريق بقوله “قاعدة المجتمع الوطني”. طبعاً المفترض أن يكون كل مجتمع وطني، وعليه يكون الخلاف والاختلاف على مسألة مصالح الطبقات الاجتماعية وعلى سيطرة الطبقات الحاكمة كذكورية وراسمالية وتابعة. فالمساواة أمر جميل، ولكن السؤال هو من هي الطبقة أو نظام الحكم الذي يحمل او مرشح بأن يحمل هذه المهمة؟ وهل المساواة واردة في غير المجتمع الاشتراكي؟ هذه أسئلة ربما علينا اليوم إجابتها نظريا وتطبيقيا.

ينتقل زريق إلى الحديث عن التخلف بقوله، ان اتجاهات النزاع تصبح اكثر حدة وأوسع انتشارا كلما زاد التخلف.

 لا بد لأي مجتمع ان يعمل على ازالة المنازعات على اختلافها بحيث تصبح الرابطة الوطنية هي المسيطرة. وهذا الواجب ليس مقصورا على اصحاب الحكم بل يشمل الجميع وفي كل مكان في البيت والمدرسة والمصنع  والحزب والنادي. في هذا الموضوع هناك الأقلية والأكثرية وواجب الاخيرة احتضان الأقلية ونشر الطمأنينة في صفوفها واحترام حقوقها.

مظاهر النزعة الوطنية او القومية خلال مراحل تطورها تلجأ الى تقوية المركزية في الحكم خاصة بوجود تهديد خارجي مما يضطر الأقليات الى وضع مصالحها الخاصة جانبا الى حين الانتهاء من الخطر الخارجي لذلك يكون تخفيف المركزية واجبا في بعض الحالات لإعطاء الفرصة لهذه الأقليات للحفاظ على تقاليدها وخصائصها ومصالحها

ليس شرطا ان تظلم المركزية “المكونات”. فاذا كانت المركزية ذات توجهات استقلالية وتنموية وحداثية، فهي لا بد أن تخدم الجميع. المشكلة هي في طبيعة ومصالح وارتباطات وحتى مستوى فكر وثقافة ووعي الطبقات الحاكمة.

العقيدة الوطنية القومية المتطورة والمستندة الى قيم تستهدف المواطن بجوهره الانساني لا باغراض انتماءاته الموروثة هي اساس نجاح اي تنظيم سياسي او حكومي

من هنا يعتقد زريق ان العرب لم يناضلوا كما يجب في سبيل تحقيق ذلك ولهذا لا يزالون يمتحنون يوما بعد يوم بالعصبيات العرقية الدينية والمذهبية والعشائرية المتجددة في نفوسنا مانعة وحدتنا وممزقة كياننا مرسخة تأخرنا

 

اسباب فشل الحركات القومية العربية :

غياب القناعة بضرورة تقديم التضحيات الكبيرة لبناء مجتمع قومي متحرر ومتحضر

تغليب المصالح الخاصة على المصالح العامة من قبل الطبقات والأنظمة الحاكمة التي أدت الى ترسيخ التوجه القطري حيث كانت دعواتها غير صادقة وبهدف السيطرة على الحكم حيث صارت شعارا يستخدم في الانتخابات لا اكثر.

غياب التقدم العقلاني والاجتماعي والاقتصادي

عوامل خارجية بتدخل قوى خارجية لإبقاء شعوب المنطقة بحالة تخلف للإبقاء على استغلال مواردها المختلفة مستخدمة أساليب التفريق و خلق النزاعات لمنع اي بوادر وحدوية

تقصير المثقفين ورجال الفكر في أخذ الدور المنوط بهم

هذا كله أدى الى إنكار الهوية والانفصال عن الذات

انفصام بين المثقف والممارسة العامة في المجتمع وأسباب ذلك غياب المثقفين عن قضايا المجتمع وهذا يعود الى خلل في التربية المجتمعية

من هنا فان الواجب القومي الانساني يقع على عاتق الجميع متطلبا مجتمعا ديموقراطيا وليس استبداديا.

ربما رحيل زريق لم يسمح له برؤية الوضع العجيب للكثير من المثقفين العرب الذين ايدوا احتلال العراق واحتلال ليبيا ويستلحمون لاحتلال سوريا ويمارسون التطبيع. فمشكلة مثقفين ليست في التقصير بل في الخيانة.

العلاقات الفوق قومية او عبر قومية واكبت التطورات المعاصرة وذلك من خلال عوامل قوية معرفية او اتصالية او اقتصادية او غيرها تقرب العالم بعضه ببعض

بالرغم من ذلك لازالت بعض الشعوب تتمسك بما هو اقدم من الفوقية وأضيق نطاقا كالعرقية او الطائفية او الحزبية.

العروبة والإسلام 

تجمع العروبة والإسلام علاقة عميقة وهنا تبرز ضرورة تفهم طبيعة هذه العلاقة خاصة في الزمن الحاضر حيث اشتد وانتشر الوعي الاسلامي وارتبك الوعي القومي العربي.

ربما كان حديث زريق هذا في فترة كانت الامور فيها ضبابية ورمادية. صحيح ان هناك ارتباكا في الوعي القومي، وهذا بدا مع هزيمة 1967 وكذلك ارتباكا في الوعي الاشتراكي. ولكن، هل نشهد اليوم وعيا أو صحوة إسلامية؟ هل القاعدة صحوة، هل الوهابية التي يقودها آل سعود بتبعينهم لأمريكا صحوة، هل العدوان الإسلامي التركي على سوريا صحوة، هل إلاسم الدوحة الذي يمول حريق دمشق وليبيا صحوة؟

بدءا بالعوامل المشتركة بينهما فكليهما في جوهرهما حركتا تحرر فأساس القومية التحرر من الاستعمار بأشكاله و اساس الدين التحرر من الرذائل الداخلية ، هذا في حال اعتبارهما ملتزمتان باهدافهما الاساسية

من هنا بدأ التناقض والخلاف بينهما حيث أخذ كل منهما منحى بعيدا عن أهدافه الاساسية

ومن اسباب الخلاف الاخرى ان كل منهما يأخذ مسلكا مناقضا للآخر لتحقيق هذا الهدف المشترك. فالقومية تستمد قوانينها من المعايير الانسانية والاجتماعية وخاضعة للتطور بالحوار والمناقشة ، اما الدين فيعتمد شرائع ثابتة غير قابلة للتطور والتجديد وجدت منذ العصور القديمة.

لذا فان اعتماد الحوار وليس القوة هو السبيل الرئيسي لحل التناقضات والنزاعات وهذا يتطلب جو من الديمقراطية والحرية وهو السبيل الوحيد ليكمل كل منهما في طريقه الصحيح في سبيل مصلحة المجتمع والإنسان.

وحول تسلم الحركات الاسلامية أنظمة الحكم عن طريق الانتخابات يقول زريق اننا ما دمنا نؤمن بالديمقراطية ونعمل على إرسائها فيجب علينا القبول بنتائجها ، في هذه الحالة على القوى التقدمية ان تستفيد من تجربة صعود الإسلاميين الى الحكم لكي تقيّم وتنقد سلوكها وتستنتج اسباب فشلها لإصلاح أخطائها لتغيير النظام بالوسائل الديمقراطية التي لا تنمو الا تدريجيا والكفاح المتواصل والوعي والخبرة لتصبح طبيعة دائمة للمجتمع .

ان اعتماد الوسائل القمعية يهدد بشكل دائم اي تنمية تم بنائها في المجتمع.

وحول العلمانية والتي تهمها الإسلاميون بانها مفهوم لا يلائم مجتمعاتنا العربية يعبر زريق عن ضرورة الابتعاد عن الألفاظ والتسميات والتركيز على الأفكار والمعاني،،  فمهما كانت تسميتنا علمانية او غيرها فالهدف هو فصل الدولة عن الدين وليس انشاء مجتمع بدون الدين ، الهدف أن لا يأخذ الدين دور الدولة وأن لا تأخذ الدولة دور الدين فالأخير له أهدافه منبعا للفضيلة والأخلاق لإصلاح لإنسان في سبيل بناء مجتمع سليم ،، الا انه وللأسف ينشغل علماء الدين بالسياسة وأمور الدولة ومحاولات السيطرة على نظام الحكم بالعنف او الديمقراطية مبتعدين عن الاهداف الاساسية للدين.

لذلك فان تحديات الحاضر والمستقبل تضعنا امام مسؤولية التركيز على الجوهر وليس الشكل.

الراهن

وفي تطرقه الى المرحلة الراهنة يتجه زريق للحديث عن مفاهيم وهي النظام العالمي الجديد والرابطة القومية والرابطة الاسلامية.

التفاعل مع مفهوم النظام العالمي الجديد يتطلب من العرب وعيا فكريا وعمليا لنتائج الانفتاح على الغرب بسبب الأطماع الغربية في المنطقة وما اذا كان الانفتاح يصب إيجابيا في تنمية شعوب المنطقة.

يعني الانفتاح هنا التعاطي مع ما تطرحه الدول الكبرى كأمريكا وبما في ذلك من اهداف لفرض السيادة واستغلالها.

ان ما يشجع على العمل على تقوية الكيان القومي هو ما يتوفر في طبيعة الارض والتراث العربيين بما هو مشترك من لغة وثقافة وجغرافيا وموارد مادية وتفاعل تاريخي ومصالح حاضرة ومستقبلية.

ويؤكد زريق ان فكرة النظام العالمي الجديد و بشكلها الحالي هي مخطط غير بريء وأهدافه لا تصب في مصلحة شعوبنا وامتنا وانما لأهداف سيادية للغرب

ولاعتقاده فان الرابطة القومية في المنطقة العربية هي الاساسية وهي العامل الاكثر أمانا للمنطقة في ظل الوضع  العالمي الحالي وحين تترسخ هذه الرابطة لا مانع من تشكيل روابط أوسع كالتعاون مع الدول الاسلامية دون ان يمس ذلك الروابط القومية.

وعن رؤية زريق للواقع العربي على مستوى القيادات فيبدي تشاؤمه من هذه القيادات من دور كبير في إبقاء الشعوب العربية جاهلة وتابعة وخاضعة مستسلمة وغير مدركة لمصالحها الحقيقية وذلك له هدف وحيد وهو الإبقاء على مصالحهم الذاتية ومكتسباتهم الخاصة المتناقضة مع المصلحة العامة.

العرب جديرون بتشكيل أمة واحدة ولكن لهذا شروط يجب إيفائها فبالرغم من وجود عناصر  مشتركة إيجابية من لغة وثقافة وتاريخ ومصالح حاضرة ومستقبلية لكنها لم تصل لمرحلة التحقيق لان ذلك يحتاج الى نضالا واعيا ومستمرا لخلق مجتمع جديد يملك عوامل البقاء والتقدم.

وعند سؤاله عن رؤيته للأجيال الصاعدة ورؤيتها للرابطة القومية يؤكد زريق ان العامل السائد في العلاقات بين الشعوب هو  القدرة التي ترمي الى التقدم والرقي الحضاري والتي تحدد سيادة المجتمعات وغيابها في مجتمعاتنا العربية تبقيها متخلفة ورازحة تحت غيرها وتحت اثقال عجزها الذاتي .

هنا سيصبح المجتمع عاجزا عن حماية مصالح أفراده او توفير العيش الكريم لهم مما سيدفع العديد منهم للبحث عن مصالحه في مكان اخر اما من بقي فيرضخ للوضع القائم حيث تصبح آماله غير واقعية هذا كله يبعد الفكر الواعي بأهمية الروابط القومية لدى الجيل الصاعد .

القضية القومية والقضية الفلسطينية

فلسطين في صميم التفكير القومي العربي كون التحرر من اهم الأسس القائم عليه كما هي في إحساس الشعوب العربية ونضالها بسبب ضخامة التحدي الذي تمثله قوميا ودينيا وجسارة أخطارها الراهنة والمستقبلية على الحياة العربية العامة.

اما فيما يخص علاقة العرب بالقضية الفلسطينية فان كلاهما أثرا بشكل سلبي على بعضهما بعكس ما هو مطلوب و مفترض لوحدة الهدف والمصير.

وبالتعرض لأسباب ذلك فان كلتاهما فقدتا اسباب النهوض مما أدى الى أضعافهما وافسادهما.

وقد تم استغلال الشعوب العربية و سلبها حرياتها بحجة الدفاع عن القضية الفلسطينية والعمل لأجلها وذلك تحت شعار مركزية الحكم وحشد القوى لمجابهة الخطر الصهيوني وإذكاء النضال العربي الا ان ذلك كان غير حقيقي وظاهري فقط وتم من خلاله إخضاع الشعوب وسلبها حقوقها الديمقراطية من اجل الاحتفاظ بالحكم والموارد في ايديهم.

يقصد زريق هنا الأنظمة قومية الاتجاه وما ارتكبته من أخطاء. ولكنه لايذكر الأنظمة التي لم تحاول قط لا الحداثة ولا الاستقلال ولا التنمية ولا العروبة ولا الدمقرطة. فاذا كانت الفئة الاولى من الأنظمة ذات أخطاء، فإن الفئة الثانية هي ضد الإنسان والتاريخ. بل هي عيب قائم بذاته.

من جهة اخرى وان غاب الخداع فانه في بعض الحالات تمت المواجهة مع العدو الصهيوني بإمكانات ضعيفة على كل الأصعدة ماديا وأدبيا وعقلانيا و حضاريا بعكس العدو الذي كان جاهزا وقادرا حتى على التأثير واختراق الدوائر المؤثرة في الدول المتقدمة بما يخدم مصالحه

اما الجماهير العربية فكانت ضعيفة تنطلق من السلبية العفوية والشعور بالظلم لخدمة القضية الفلسطينية وب أساليب بدائية ففشلت في تحقيق اي إنجاز على هذا الصعيد

الثورة والكفاح المسلح

شرعية الكفاح المسلح في مواجهة المشروع الصهيوني ليست موضع نقاش وهو حق طبيعي للأفراد والشعوب في سبيل الحفاظ على حقوقها و اقر في الامم المتحدة وكرس على مر التاريخ.

وقد عملت الحركة الصهيونية على تحريف طبيعة الصراع وتزييف الحقائق وهذا لا يغير شيئا وقد استغلت الاعتقادات الموروثة لتحقيق ذلك بالتعارض مع المفهوم العلمي الحديث لطبيعة هذه الموروثات وكان لتطور المجتمعات الغربية اقتصاديا وعلميا واجتماعيا دورا كبيرا في الانتشار استعماريا في المنطقة العربية وبالتالي حدوث هوة بينها وبين المجتمعات العربية مما أعطى فرصة للحركة الصهيونية التغلغل في الغرب اكثر ومشاركته تطورها والحصول على السند لتحقيق أهدافها وتمثل ذلك في وعد بلفور بانشاء وطن قومي لليهود وخداع فرنسا وبريطانيا للعرب وإفشال الثورة العربية الكبرى بعد ووعدهم لهم بالاستقلال لقاء انفصالهم عن العثمانيين واصطفافهم مع الغرب وهكذا أخذت الصهيونية الدعم اللازم لتعلن دولتها في فلسطين.

نلاحظ هنا حيادية زريق فهل يمكن اعتبار التحالف مع استعمار ضد استعمار ثورة؟

هذا كله أدى بالنهاية الى نشوء الكفاح المسلح فكان أمرا طبيعيا و شرعيا و في مجال المقارنة مع ثورة غاندي السلمية فان الهند كانت تحت الاستعمار البريطاني المنبثق من نظام ديمقراطي متأثرا بشكل كبير بالرأي العام عكس الحركة الصهيونية .

اما بخصوص فشل الكفاح المسلح وبشكل أساسي فهو غياب الوسائل الأخرى في حينها لدعم هذا النوع من النضال بالاضافة الى فشل تنقيته من شوائب التخلف والانقسامات على مستوى القيادات والجماهير على عكس الصهاينة الذين عملوا على تطوير قدراتهم المادية والعلمية وفكرية واقتصادية استطاعت من خلالها هزيمة المقاومة.

على صعيد اخر لحركات المقاومة الفلسطينية عانت من الفساد الذي امتد الى المجتمع بكل جوانبه مرافقا قصورا إعلاميا في طرح القضية الفلسطينية

نهاية تجدر الاشارة الى منطق الحق والقوة وهي تتمثل في انه بالرغم من كل الانفتاح والتنوير فان الرأي العام العالمي لا يزال ينقاد خلف القوة المتفوقة منه للحق مهما تكن درجة وضوحه لكن بنفس الوقت هناك حقيقة مقابلة وهي ان القوة المادية لا بد وان تنهار بسبب تناقضاتها الأخلاقية والأدبية بالرغم من قوتها المادية والعسكرية.

كل قوة يمكن ان تنهار، هذا درس التاريخ، ولكن السؤال دائما إلى أن تنهار: هل نساهم في مقاومتها كي تنهار اسرع، وكذلك علينا التذكر بالكم الهائل من القمع والجريمة التي تمارسها هذه القوة ما بين اللحظة وحتى مجيىء لحظة انهيارها.

على أن السؤال المتجدد: هل انتهت المقاومة؟ في الواقع لا. ولعل صمود غزة الانتصاري يؤكد ذلك.

مشروع مدريد أوسلو

 

تم التمهيد للمفاوضات العربية الصهيونية على اثر الهزائم المتكررة امام العدو بسبب الفرق التطوري على كل الأصعدة بالاضافة لميل موازين القوى الغربي الى جانب العدو ومن هنا بدأت بوادر الدخول بمفاوضات خاصة بوجود ضغط غربي بهذا الاتجاه ،، تبنى هذا التوجه أنور السادات وانتهى باتفاقية كامب ديفيد الاسرائيلية المصرية ، نتج عن ذلك بالإضافة لانفراد مصر بدون العرب في هذا الحل الذي أدى الى مزيد من التشتت والضعف تمثل في مقاطعة مصر ونقل جامعة الدول العربية  من القاهرة الى تونس.

تبع ذلك بعشر سنوات مؤتمر مدريد بموافقة عربية فلسطينية انتهت بدون اي نتائج بعد سنتين خاصة بتفرد الولايات المتحدة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.

وبشكل سري رافق ذلك مفاوضات ثنائية بين الفلسطينيين والصهاينة بقرار من ياسر عرفات الذي أقدم على هذه الخطوة خوفا على نفوذه وسلطته وزعامته لمنظمة التحرير الفلسطينية وذلك كان في أوسلو انتهت بتنازلات خطيرة بتوقيع اتفاق مع اسحق رابين في ١٩٩٣ ، هنا نورد سلبيات هذه المفاوضات وهي إجراؤها بالسر بعيدا عن الرأي العام العربي والفلسطيني و غياب جاهزية الفلسطيني للمفاوضات وبوجود وضع عربي سيء متشتت.

فالقضية ليست اختيارا بين نهج التفاوض او النضال بأشكاله المختلفة وانما قضية الاعداد الذاتي والتطور الاجتماعي والعقلي والثورة على الذات باقتلاع العيوب والمفاسد واكتساب المزايا والفضائل.

 التحدي الفكري 

تأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينية جاء على اثر القناعة بضرورة الدفاع عن القضية الفلسطينية بالأساليب الفكرية والعلمية الحديثة.

العمل على الرأي العام من خلال الاعلام الخارجي والداخلي ففي الداخلي العمل على تطوير الرأي العام العربي للاطلاع الكافي على اصول القضية الفلسطينية وجذورها وطبيعة المشروع الصهيوني ومخططاته وأساليب عمله ، اما العمل على الرأي العام الأجنبي فيتطلب تغيير المفاهيم والحقائق الزائفة التي رسخها العدو .

 ومن هذا المنطلق تم تأسيس هذه المؤسسة والتي يمكن تلخيص عملها بانشاء مكتبة متخصصة بكل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية  و اصدار الدراسات باللغات المختلفة بالاعتماد على الوثائق المتوفرة والتدريب على عمل الأبحاث والدراسات وتعليم اللغة العبرية للاضطلاع على ما ينشر صهيونيا كذلك اصدار مجلات بأكثر من لغة تنشر فيها الأبحاث المستجدة والعمل على تنشيط التواصل بين الباحثين والمفكرين في كل العالم ونهاية التأهيل للعمل المؤسساتي المتضمن والمستمر والمتر اكم في اي من وجوه النهضة .

 وبشأن تجديد العلاقة بين العرب والقضية الفلسطينية، يرى ان الأساس هو إدراك العرب والفلسطينيين ان لديهم قضية عليهم ان ياخذوها بعين الاعتبار في حياتهم الخاصة وفي سلوكهم العام من هنا يبدأ الالتزام بها وإعطاءها حقها بصدق

أما عن العلاقات العربية الاسرائيلية بعد التسوية فيرى أن هذا يعتمد على حجم الانجازات على صعيد الحقوق الوطنية و نوع التسوية التي يتفق عليها والاتفاقات مع الدول العربية.

من هنا فان زريق توقع حين اجري هذا اللقاء في ١٩٩٨ بان التسوية لن تحقق اي من الحقوق الوطنية وهذا سيعيد الصراع العربي الصهيوني الى مكانه الصحيح وستعود المقاومة بالكفاح المسلح والوسائل السياسية والاقتصادية .

 

الموقف الامريكي

 

هو موقف مساند وداعم للمشروع الصهيوني ويعود ذلك الى صلات العداء بين الشرق والغرب و اعتبار الصهيونية جزء من الغرب وممثله التاريخي والحضاري و التطلعات الغربية لاستغلال موارد المنطقة المختلفة من بترول وغاز و غيرها وقناعتهم بأهمية وجود الكيان الصهيوني في المنطقة، من جانب اخر فقد استطاع الصهاينه الوصول الى المواقع والدوائر الحساسة الاقتصادية والسياسية والثقافية في امريكا وبالتالي الى مراكز القرار الهامة مستغلين ذلك لدعم مشروعهم على خلاف المهاجرين العرب في الولايات المتحدة والذين بالرغم من تعدادهم الكبير والمتزايد الا انهم فشلوا في الوصول الى اي من المراكز الحساسة وذلك لأسباب متعدده وأخيرا تركيبة الدستور الامريكي فيما يخص الانتخابات على المستويات المتعددة والتي تتطلب أموال تضخ على الحملات الانتخابية والتي يستغلها الصهاينه للابتزاز لتحقيق مصالحهم.

جدير بالذكر هنا براغماتية الشعب الأميركي و أنبهاره  بالنجاح لذلك لم يكن العرب بسبب اخفاقاتهم الداخلية المتكررة قادرين على التأثير على الرأي العام الامريكي.

المستقبل

استعادة القدرة الذاتية بما يتطلبه العالم الان وجوهر هذه القدرة عقلاني و أخلاقي وهو سبيل التحرر والتحضر على ان يكون العمل لاستعادة هذه القدرة دائم ومستمر و شامل لجميع افراد المجتمع وعلى ان تضع هذا البرنامج وتحميه  نخبة المفكرين والمثقفين.

ربما هذه مسألة أوسع من معالجتها في عرض كتاب. لا شك أن نخبة من المفكرين والمثقفين هي ضرورية، ولكن نخبة باي اتجاه؟ نخبة عرويية قومية؟ أم كذلك اشتراكية؟ نخبة بلا انتماء طبقي أم منحازة للطبقات الشعبية؟ نخبة منفلتة أم حزبية…الخ.