ناجي العلي: الكاريكاتور ليس للتسلية…

رشاد أبو شاور

يوم 29 آب 1987 رحل الفنان العربي الفلسطيني الكبير ناجي العلي، وكان قد تعرض لعملية اغتيال في أحد شوارع العاصمة البريطانية لندن يوم 22 تموز، وظل يصارع الموت إلى أن فاضت روحه النبيلة، وخسر فقراء العرب ريشتهم، بل مبضعهم.

كان ناجي يتحدث دائما عن الفقراء في بلاد العرب وكأنه يعرفهم واحدا واحدا، حاملاً همهم، صارخا بخطوط لوحاته، ورسوماته، باسمهم في وجه الظلم والطغيان.

سبعة وعشرون عاما وبضعة أيام مرّت على رحيله، وهو يزداد حضورا، و( حنظلة) الولد الغاضب، بشعره الشبيه بالأسلاك يؤرق الظالمين بصمته الغاضب، ويحرّض المظلومين على الصراخ في وجه الطغيان.

لا أكتب عنه لأذكّر به، فهو حاضر معنا، وسيبقى حاضرا، ففنه البسيط العميق المقاوم يلهم كثيرين في بلادنا، بسطاء ، ومثقفين، ومقاومين، ويشحذ وعيهم، ويؤصله، ففنه( بوصلة) تشير بالضبط إلى وجهة الخلاص الصحيحة، وتحدد رفاق الطريق والإبحار، ولا تقبل بالمساومة على الهدف.

لا أقول ( كان) ناجي العلي، ففنه يحمل عناصر ديمومته، ولذا فهو باق، وأنت ترى لوحاته يوميا، في الصحافة العربية ( المحترمة)، وحنظلة الشقي الحافي النحيل ميداليات معلقة في أعناق شباب غاضب، وعلى جدران بيوت الفقراء الذين أحبهم ناجي، ورسم لهم، وخاطبهم بالخطوط والكلمات، إلى حد أن كثيرين كانوا ينتظرون الصحيفة التي يرسم لها صبيحة كل يوم ليحددوا (خطهم) النضالي، ومواقفهم السياسية من الأحداث، والمتغيرات، والمشاريع التي تطرح في بلادنا من قوى الظلم في العالم.

لم يكن ناجي فنانا لفلسطين، فهو فنان تربى قوميا، وآمن دائما بأن فلسطين عربية: أنا كنت مبشرا بالثورة وما أزال، ولكن منذ بداية الثورة كان لي موقف من خط سيرها. كنت أرى أنها يجب أن تكون قومية لا فلسطينية. ثورة 1936 كان لها هذا الطابع الفلسطيني المحض، لذلك لم تنجح في أن تكون نموذجي الذي يجب أن أحتذيه. كذلك لن تنجح هذه الثورة الأخيرة. *

ناجي يحدد وجهة نظره لفنه: أشعر أيضا أن الكاريكاتور لغة تخاطب مع الناس، ولغة تبشير، وهو للنقد وليس للترفيه:..وأنا أعتبر نفسي جرّاحا من نوع ما..وحزني ومرارتي وسوداويتي التي أعبر عنها في رسومي هي حالة نبيلة ومشتركة بيني وبين المواطنين الذين يوجعهم هذا الواقع العربي. ( نفس المصدر ص49).

بعد تفجّر الانتفاضة الفلسطينية الكبرى في الأيام الخيرة من عام 1987 التقيت بالدكتور جورج حبش، وكان حزينا جدا على ناجي..فتساءل مفجوعا ومتحسرا: لو أن ناجي حي ، ترى ماذا كان سيرسم عن انتفاضة شعبنا ؟

قلت له: يا حكيم ..ناجي رسم الانتفاضة منذ سنين، فهو فنان راء..وهو رسم من عمق روح شعبنا، وغضبه، وألمه..وهو رحل وهو مؤمن بعروبة فلسطين، وأن فلسطين ليست صراعا إقليميا.

هز الحكيم رأسه، ومسح دموعه، هو الذي عرف ناجي عن قرب، وأحبه واحترمه كثيرا، وأوجعته عملية الغدر به، وكرر كلمة عدّة مرّات كلمة: صحيح…

عندما أُعّد برنامج تلفزيوني تسجيلي عن ناجي، سألني المُعّد: من قتل ناجي العلي؟

أجبته: تأملوا _ قصدت مخاطبته بضمير الجمع، لأن إجابتي كانت موجهة لمحبي ناجي_ رسومات ناجي ..وستعرفون القاتل!

القتلة انطوت سير حياتهم، وغرقوا في ظلام النسيان.

ومن استأجروهم، لتنفيذ جريمتهم، ظانين أنهم سينهون دور وحضور ناجي العلي المؤرّق لهم، والفاضح لشرورهم، وفسادهم، وانحرافهم..التهمهم النسيان، وباتت أسماؤهم سبّة وعارا.

ناجي حي لأن فنه حي، صادق، أصيل، لأنه فن للناس والحياة وكرامة الإنسان.

ناجي الحزين الغاضب كان يتفجر سخرية من الظُلاّم، ويسقط عنهم هالات مجد زائف، ويضعهم في حجومهم اللائقة بالصغار المارقين منتحلي العظمة والبطولات.

صديقي ناجي: كنت تتساءل أمام بعض أقاربك، وأصدقائك، بعد أن هُددت حياتك _ ولم تخف، ولا تراجعت عن مسار حياتك الشجاعة، وجرأتك_: من سيثار لي عندما يقتلونني؟

أما خطر ببالك أيها الفنان الكبير أن (حنظلة) سينتقم لك من القتلة، والمنحرفين، وأن لوحاتك عن الساقطين، والمزورين ستلاحقهم، وأشباههم..في كل وقت، وكل مكان من بلاد العرب؟!

يثأر لك فنك من القتلة يا ناجي، ويؤرقهم، ويطاردهم، كما فعل فنك مع مضطهدي المظلومين و..الفقراء الذين انتميت لهم دائما.

 لروحك السلام..ولحنظلة العمر المديد..حنظلة البريء الغاضب الشرس الذي لا يشيخ، وسيبقى فتى يقاوم الظلم، مبشرا بكرامة الإنسان، وبزمن العدل للمظلومين في بلاد العرب الحزينة.

*   كتاب ( ناجي العلي وفن الكاريكاتور) الصادر عن الاتحاد العام للصحفيين العرب عام 1989.