ليست مهزومة

محمد العملة

 

“هي جولة على أيّة حال، والمعركة لم تنتهِ” .. أردت أن أختم مقالي هذا بالجملة السابقة، لكن الواقع الحاصل أن إطلاق النار في غزة توقف بهذه الطريقة ومنه آثرت أن أبدأ؛ تهدئة جيدة، وإن لم تتحقق من خلالها شروط مهمة أرادتها المقاومة والحاضنة الشعبية الممثلة لها.

خاص لراديكال – محمد العملة

بإمكاننا الآن الحديث عن الحرب بوصفها حدثا تاريخيا حاصلا ضمن سياق متصل من الأحداث السابقة له، وسلسلة من الأحداث ستأتي بعده، فخلال الحرب لا صوت يعلو فوق صوت البندقية – أو الصواريخ في حالتنا نحن-!

أتت الحرب في سياق مسلسل بدأ فيه سلاح المقاومة منذ تحرير لبنان في عام 2000 يشكل خطرا يتهدد الكيان الصهيوني من أقصى نقطة في شمال الأرض المحتلة وصولا إلى إيلات في الجنوب، وهذه الحرب تشبه أختها في عام 2006 ؛ وكلاهما تموز مجيدة. حربان طويلتا المدة كانت المقاومة فيهما صاحبة الطلقة الأخيرة كتأكيد على فشل الكيان الصهيوني في نزع سلاح المقاومة أو فرض وصاية -أيّاً كانت- عليه.

الإعلام والحرب

كلام كثير قيل خلال مجريات الحرب مع غزة أو الحرب مع المقاومة في غزة، وهي بالتأكيد ليست حربا على حماس وحدها بحسب ما تدّعي بعض المحاور المتوافقة في ذلك مع إعلام الكيان الصهيوني -بقصد أو دونه-، فلهذه الدعاية أهداف معلنة وأخرى خافية:

أولا، أن هذه الدعاية تهضم حقوق فصائل المقاومة الأخرى إذا ما اعتبرنا أن الحرب هي على فصيل واحد دون غيره، وعلى المدى البعيد فإنها تختزل مصطلح المقاومة في هذا الفصيل تحديدا مما ينسحب بأثر سلبي على المصطلح ويعمل على تذويبه، وكلنا يعلم أن صراعنا الوجودي مع الكيان الصهيوني يتعلق بخلق حالة من الوعي للمصطلحات دور فيها.

ثانيا، تستغل بعض قنوات الإعلام هذه الدعاية في الترويج أن حماس هي وراء ما يحصل في غزة، وبالتالي إعطاء المشروعية لما يقوم به الكيان الصهيوني عبر الاصطفاف معه ضمنيا في خندق واحد، وهو ما ينسحب أيضا بشكل سلبي على المقاومة ويعمل على تذويب هذا المصطلح والترويج له على أنه شكل من أشكال الإرهاب.

ثالثا، تروّج قنوات الفتنة الطائفية من خلال اتباع مسمى “الحرب على حماس”، إلى أن المقاومة تختص بطائفة دون طائفة أخرى، ودعايتهم تقول أن حزب الله غائب عن المشهد في غزة، ولا أعلم كيف للحمقى أن يصدقوا مثل هذا التهافت، فلم نسمع مثلا أن فصائل المقاومة الفلسطينية كانت مطالَبة بالمشاركة في حرب تموز 2006 التي خاضها حزب الله في لبنان مع الكيان الصهيوني!!

رابعا، أنّ هذه الدعاية من شأنها أن تخلط الحابل بالنابل فيما يتعلق بجسم حركة حماس نفسه، فيصبح المقاوم في غزة حمساويا والجالس في الفنادق قساميا، ولعمري أن هذا بغي وأمر قبيح، فكلنا يعلم أن هناك جناحين متضادين في جسم الحركة قد يكون مدعاة لانفصال الجناح العسكري بشكل رسمي عن المكتب السياسي -وسأبين ذلك في السطور التالية من هذا المقال-، والسكوت عن تفاهات خالد مشعل ومن تبعه ليست لشيء إلا لإبقاء المقاومة وحدة واحدة بعيدة عن التشتت، وهو سبب سكوت إعلام حزب الله والجهاد الإسلامي مثلا عن محاولة فضح ما قام به سياسيو حماس في سوريا، بل ومحاولة إصلاح ما بدر من هؤلاء مع النظام السوري والقيام بواسطات متعددة لهذا الغرض -باعتراف ساسة حماس أنفسهم، وهو موثق بالصوت والصورة- وكل ذلك للحفاظ على وحدة المقاومة وكرامة لكتائب القسام الشريفة؛ فالتعامل الساذج مع دعاية “الحرب على حماس” قد يعمل على تلميع صورة هؤلاء الساسة ويُركِبهم على ظهر المقاومة.

وقد علّق الدكتور رمضان عبدالله شلّح -الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي- على هذه الدعاية الإعلامية الصهيونية في مؤتمره الصحفي قبل عدة أيام بعد إعلان التهدئة.

سياسيو المقاومة وسياسيو المساومة

بالحديث عن الخطابات ما بعد إعلان التهدئة، لمسنا الفرق الهائل بين خطابَيْ رمضان شلّح وخالد مشعل؛ هذا عذب فرات وذاك ملح أجاج.

خطاب مشعل كان فادحا بكل المقاييس، وهو تتابع لجملة الأخطاء التي بدأ بعض أعضاء المكتب السياسي لحركة حماس بارتكابها منذ بداية الأزمة في سوريا. كيف له أن يوجه الشكر الجزيل لدولة انطلقت جيوش الغزو الأمريكية من قواعدها العسكرية لتدمير العراق؟ وكيف له أن يشيد بأردوغان وتركيا شاركت مع الكيان الصهيوني قبل عدة شهور في مناورات عسكرية؟

ألا يعلم أن تركيا عضو في حلف الناتو؟ وأن قاعدة إنجرليك الأمريكية هي أكبر قواعد الولايات المتحدة في المنطقة وموجودة في تركيا؟ ومنذ متى كان المنصف المرزوقي ثائرا؟ ولعل أسوأ ما في خطاب مشعل هو الكذبة التاريخية الكبيرة التي قال فيها أنه لا ينكر وجود المحرقة النازية بحق اليهود.

في علم المنطق يعتبر الجمع بين نقيضين علامة على علة في التفكير، ولا تناقض أكبر من احتواء دول تقيم علاقات تجارية ودبلوماسية وعسكرية مع الكيان الصهيوني وجعلها ضمن القوى الداعمة للمقاومة! على الجهة الأخرى لمسنا الخطاب الحقيقي من الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، رمضان شلّح، تحدث الرجل بأريحية واتّزان عن مجريات الحرب التي استمرت خمسين يوما وصولا لاتفاق التهدئة، ورسائل الشكر لديه توجهت في المقام الأول لدول وشعوب أمريكا اللاتينية على عكس مشعل الذي أبدى تزلفا واضحا في حديثه، وعاد ليشكر دول أمريكا اللاتينية بعد أن اختتم خطابه، ناسيا أو متناسيا.

مشعل تحدث عن المصالحة مع سلطة عباس وكأنها هدف سامٍ، ورمضان شلّح أبدى استياءاً من موضوع المصالحة خلال مقابلته مع قناة الميادين في الثاني والعشرين من تموز الماضي، وأهم ما جاء في تلك المقابلة:

أولا، التأكيد على أن بنود الهدنة التي تريدها المقاومة هي جزء من المكسب السياسي الذي يترجم ما حققته من انتصار على الأرض.

ثانيا، التأكيد أن قوى المقاومة وحدة واحدة؛ وقوله بالحرف أن سوريا لا تحتضن المقاومة فحسب؛ بل هي حاضنة لفلسطين على امتداد فترة طويلة من الزمن؛ والتأكيد على عمق التحالف الاستراتيجي في كل الصعد مع المقاومة اللبنانية والذي يتجاوز مجرد التضامن بالكلام.

ثالثا، محاولة احتواء أخطاء جماعة المكتب السياسي لحركة حماس عندما اتخذوا موقفا منشقا بانجرارهم إلى حمى “ربيع الإخوان” وما جره ذلك من عداء مع القوى الداعمة للمقاومة، ثم ثبوت فشل ما قاموا به خلال العامين المنصرمين على صعيد السياسة الخارجية للحركة ممثلة بمكتبها السياسي.

رابعا، متابعة للنقطة السابقة؛ الاستمرار في التأكيد على وحدة المقاومة بالرغم من الأخطاء السياسية الفادحة للمكتب السياسي لحماس -خالد مشعل-، والدكتور شلّح يؤكد بذلك أن المقاومة هي فعليا في غزة، وليست في الدوحة أو أنقرة أو القاهرة على حد تعبيره، قاصدا بذلك الأذرع العسكرية التي تصنع الحدث.

خامسا، في حديثه عن مصر لم يتعمد الدكتور شلّح التزلف للنظام السياسي المصري، بل استمر في توجيه رسائل النصح بشكل مباشر وغير مباشر، محاولا أن يفيد مصر من الانتصارات التي تصنعها المقاومة في غزة نظرا للعمق الجيوسياسي المصري مع فلسطين المحتلة، وأيضا ليحاول التعامل بحكمة مع النظرة الأيدولوجية التي ينظرها النظام المصري إلى حماس عبر ضربه مثال النظام السوري الذي احتضن المقاومة بما فيها حماس لفترة طويلة بالرغم من عدائه مع الإخوان أيدولوجياًّ وسياسياً، ومشيرا بذلك ضمنيا إلى الخطأ الذي ارتكبته حماس بإعلانها أنها ممثل لحركة الإخوان في فلسطين؛ وهي خطوة غير محسوبة جرت على الحركة وبالا بعد أن سقط حليفها في مصر.

سادسا، التأكيد على أن اتفاقيات المصالحة التي تمت في الفترة الأخيرة ليست إلا فخا لجر المقاومة إلى أرضية أوسلو بوصفه لسلطة عبّاس أنها سلطة انتداب، وتعبيره أن حركة الجهاد لا يمكن أن تشارك في حكم أو انتخابات إلا بإعلان غزة منطقة محررة بالكامل وليست منطقة خاضعة لسلطة أوسلو ضمن اتفاقيات المساومة و “الأرض مقابل السلام”. وبرأيي فإن هذه هي النقطة الأهم؛ فهي من جهة تؤكد على جذرية الموقف في حركة الجهاد ومحاولة تعميم هذا الموقف على كل قوى المقاومة التي قد تقوم بحماقة أخرى إن هي قامت ببناء مكتسباتها على المصالحة مع سلطة أوسلو؛ وهي من جهة أخرى تحذير لعباس وسلطته أنها تفقد فرصتها الأخيرة باستمرارها بلعب دور الوساطة مع الكيان الصهيوني وباستمرارها في طريق التسوية.

سابعا، بارقة الأمل التي أرسلها الدكتور شلّح لجموع جمهور المقاومة بالاستمرار في الانتصار.

ثامنا، التواضع والحزم في عدم انتهاز ما تقوم به المقاومة وتجييرها لصالح أي طرف.

تاسعا، عدم التعويل على أي ضمانة دولية أو أمريكية، فالمقاومة هي من تفرض الشروط.

يظن البعض أن الحديث عن مشعل أو من يتمثل بموقفه بهذه الصورة هو انتقاد للمقاومة، على العكس تماما، فكل الناطقين باسم الأجنحة العسكرية في حركات المقاومة تحدثوا قبل وخلال وبعد هذه الحرب بمضامين النقاط التي أشار لها رمضان شلّح، خصوصا ما تعلق منها بالمصالحة على نهج أوسلو. إن الخوف أن يتم تجيير ما تصنعه المقاومة لصالح أطراف هي في حقيقتها ضد المقاومة، ونكران الجميل لدى بعض الساسة -كمشعل- هو أول خطوة في هذا الطريق المنحرف.

ثم إن هذه الأخطاء بما تحمله من تدمير للذات لا يمكن تبريرها بحجة الحصول على دعم إضافي، فالمقاومة لم تكن ولن تكون ألعوبة تقدم مواقف سياسية كثمن لأي دعم.

كما أن تبرير بعض المواقف السابقة المتعلقة بخروج قيادة المكتب السياسي لحركة حماس من سوريا يتهافت أمام الواقع الحاصل؛ فالقيادة السياسة اعترفت بنفسها أنها خرجت من دمشق بعد نقاشات مطولة بين أعضائها، هذا أولا. وثانيا، أن ما بدر من حماس لم يبدر من غيرها من الفصائل، فمعظم الفصائل بقيت هناك في سوريا، ومن غادر كالجهاد الإسلامي مثلا، فإن المكتب السياسي للحركة انتقل من دمشق إلى طهران وليس إلى الدوحة.

ما يدعم هذا القول هو موقف بعض القيادات السياسية لحماس المتعارضة مع مشعل، فحسام بدران مثلا تحدث منذ يومين عن غياب حكومة التوافق والمصالحة خلال مجريات الحرب، والزهار لم يعد خافيا أن غيابه عن الساحة هو نتيجة اختلاف جذري في الموقف عن جناح خالد مشعل.

ومن المؤكد أن العديد قد استمع لكلام المتحدثين العسكريين لكتائب القسام وسرايا القدس وألوية الناصر صلاح الدين والفصائل الأخرى، فهل شابه حديثهم حديث مشعل؟

أرضية الانتصار والوجودية

بعد خمسين يوما توقف إطلاق النار، وبدأت عملية جرد الحسابات والاستعداد لحرب قادمة قد تحدث خلال عام أو عامين.

إن ما ساعد نتنياهو على دخول الحرب بهذه الكيفية هو عدم وجود خصوم سياسيين في الكيان الصهيوني قادرين على إحداث الضغط عليه عند بروز علامات تشتت وضعف في الجيش الصهيوني خلال الهجمة الأخيرة، وهو بذلك اندفع كالأحمق مطمئنا أن نتيجة عدوانه إن تكللت بالنجاح فستزيد من قوته، وإن تكللت بالفشل فلن يؤثر ذلك عليه بشكل كبير، بالرغم من مؤشر تأييد الحرب انخفض من 83% إلى 39% في الأيام الأخيرة من العدوان.

بمرور الأيام الأولى للحرب، لم يفلح الكيان الصهيوني في أي من أهدافه؛ فاستعاض عن ذلك بتكثيف القصف الجوي على المناطق السكنية والمدارس والمستشفيات ودور العبادة – وهي علامة ضعف فيه- ، وعموما الكيان الصهيوني يستهدف الآمنين بوجود أو بعدم وجود سلاح للمقاومة، فالصراع في النهاية صراع وجودي، وهذا يضحد النظرة العوراء القائلة بأن المقاومة سبب في زيادة عدد الضحايا!

هذا الفشل دفع نتنياهو لدخول الحرب البرية، فزاد فشله أضعافا بعد وقوع خسائر بالجملة في الآليات والجنود فبدأ بعرض الهدنة تلو الأخرى. المتتبع يعلم قطعا أن نتنياهو يريد أن يحفظ ماء وجهه، فحديثه عن تدمير عدد من الأنفاق بدل قوله الأول بأنه يريد تدمير سلاح المقاومة ليس إلا تراجعا ظهرت ردة الفعل عليه في ما تقدم من كلام.

ولعل رفض المقاومة تمديد الهدنة قبيل الأيام الأخيرة لوقف إطلاق النار يعطي مؤشرا آخر على وضعية نتنياهو المأزوم، ففشل هذا الأخير في تحقيق هدفه الرئيسي يزداد تعقيدا مع محاولة المقاومة فرض شروطها بشكل جزئي أو كلي، والمعنى هنا أن المقاومة حافظت على سلاحها وزادت عليه أنها تعمل على فرض بعض النقاط التي سعت ومازلت تسعى لأن تحققها. إضافة لذلك لم ينجح الكيان الصهيوني في قطع قناة الدعم التي تمد المقاومة بالسلاح، ثم إن هذا الأمر ينذر بخطر أشد وطأة للكيان الصهيوني، إذ أن امتلاك المقاومة الفلسطينية للسلاح النوعي القادم في معظمه بمشقة عن طريق حزب الله، يعني قطعا أن الحزب يمتلك قوة صاروخية زادت في تطورها عن حرب عام 2006.

وفي إطار الحرب النفسية يبدو الفرق جليا لصالح المقاومة، وهنا أتحدث عن الحاضن الشعبي؛ من النادر أن تجد بيتا في غزة ليس فيه فرد واحد على الأقل منضو في صفوف أحد فصائل المقاومة، والدعم الشعبي هو ما يعطي المقاومة شرعيتها ويضحد الكلام القائل أن البشر قد ملت هذا السيناريو المتكرر على شكل حرب بين الفترة والأخرى.

على العكس تماما نجد أن الملاجئ تمتليء بقطعان المستوطنين وراء كل صفارة إنذار بما يشكل شللا للحياة في مفاصل هذا الكيان، ويكفينا القول أن خسائر الكيان الصهيوني الاقتصادية في هذه الحرب زادت بحوالي تسعة أضعاف عن خسائره في عام 2012.

في العلوم العسكرية تقاس نتائج الحرب بما تحققه من أهداف استراتيجية، فمجرد صمود المقاومة في حرب دفاعية وإفشال مخطط الكيان الصهيوني مرة أخرى هو انتصار في حد ذاته، وتحقيق بعض الأهداف من جانب المقاومة هو تأكيد على النصر؛ والمعنى في ذلك أن منع العدو من تحقيق هدفه واستثمار اللحظة لتحقيق جملة من الأهداف هو المعيار الحاكم لمفهوم الانتصار.

عسكريا، رسخت هذه الحرب النظرية القائلة بفاعلية سلاح المقاومة كمّاً ونوعاً من جهة، وفشلا في القبة الحديدية والبرامج الدفاعية الصهيونية الكابحة لصواريخ المقاومة، ونفسيا لم تنجح هجمات الصهاينة في كسر إرادة الصمود بل كانت ارتدادا عكسيا على الكيان نفسه، لكن الاستثمار السياسي هو موضع أخذ ورد إذ أنّ شروط التهدئة لا تبشر كثيرا، فهي تشبه إلى حد بعيد مثيلتها في حرب عام 2012، والحديث عن مطار وميناء تم ربطه بنقاشات ستستمر فيما بعد إعلان التهدئة نفسها، كما أن تنفيذ بعض القرارات الأخرى تم ربطه بعبارة فضفاضة تحت بند “صمود التهدئة”، علاوة على ذلك، فإن سلطة أوسلو حققت مكسبين يتعلقان بتنسيق جهود إعادة الإعمار والسيطرة على المعابر، وهذه الأخيرة ليست استنساخا لتجربة حزب الله الذي يعطي الدولة مجال الإشراف على الحدود، بينما يكتفي هو بالمقاومة، حيث أن سلطة أوسلو ليست دولة أساسا، بل إن هذا القرار القاضي بالسماح لها الإشراف على المعابر سيعطيها شرعية ليست لها، والخوف أن يتم تجيير الدم والعرق المبذول لخدمة أهداف بعيدة كل البعد عن خدمة القضية العربية الفلسطينية.

مع ذلك لا يمكن اعتبار المقاومة مهزومة؛ لأن هذه الحرب كانت استهدافا لوجودية المقاومة؛ المقاومة نفسها التي تخوض حربا في بقعة أخرى ضد داعش وأشباهها من جماعات التكفير. الآن اتضحت الصورة لدى البعض في أن قرار مشاركة حزب الله في معارك القصير ويبرود جنبا إلى جنب مع الجيش العربي السوري في سوريا لم يكن له دافع إلا حماية وجود المقاومة في لبنان، بل وحماية لبنان نفسه من خطر هذه الجماعات الآخذة في التمدد، وعموما لهذا الحديث تفاصيل لا يتسع المجال لذكرها هنا.

إن من ينظر بعين الريبة إلى قرار حزب الله بدخول مثل هذه المعركة ليس إلا طائفيا أو معاديا للمقاومة بالضرورة، وهذا كان لب الخطاب الأخير للأمين العام لحزب الله، سماحة السيد حسن نصر الله.

ليست داعش إلا سلاحا بيد الإمبريالية الأمريكية في المنطقة، ومنذ حرب تموز عام 2006 أصبح الكيان الصهيوني يشكل عبئا على الولايات المتحدة فصار لزاما على هذه الأخيرة أن تعيد إنتاج مخطط السيطرة على المنطقة بطريقة أخرى.

إن داعش ليست خطرا مرحليا ومؤقتا، فهي تهديد لبنية الدولة واستبدالها بالفوضى، ومن الخطأ الفادح أن يكون اصطلاح التنظيم مرادفا لهذه الجماعة، كما أنها وجه لعملة تحمل الكيان الصهيوني في الوجه الآخر.

صورة الصراع ليست محصورة في جغرافية ضيقة كغزة، بل هي ممتدة في عموم المنطقة، والمقاومة هي حجر الأساس في هذا الصراع الدائر، وبحسب تعبير سماحة السيد حسن نصرالله: “حيث يجب أن نكون سنكون”.

المجد للمقاومة.

::::

“راديكال”