عادل سمارة من الإنتصار إلى الإستثمار

محمود فنون

تحت عنوان من “الإنتصار إلى الإستثمار … وكتلة تاريخية أخرى “كتب الدكتور عالدل سمارة مشخصا الحالة الفلسطينية نتاجا للعدوان الصهيوني على قطاع غزة ، ومرّ سريعا على تشخيص الحالة الفلسطينية منذ اوسلو مرورا بالمواقف أثناء العدوان الأخير وتطرق إلى الإصطفافات التي تظاهرت حول المواقف من العدوان والمطالب الصهيونية بنزع سلاح المقاومة …

وأنا اتفق من حيث الفكرة والتشخيص مع الدكتور عادل في رسم اللوحة السياسية وتراكيبها فلسطينيا وعربيا وانعكاساتها على القضية الفلسطينية في المفصل الراهن وعلى مصيرها بأكمله.

فالمقاومة في غزة كانت في محيط عربي معادي كما كانت مطعونة بتفرعات التنسييق الأمني في القطاع ومرفوضة ومدانة من قبل سلطة الضفة .

ومن الجانب المقاوم كانت قيادة حماس في الخارج قد قطّعت حبال الصلة مع محور المقاومة خلال اشتقاقها لطريق جديد يمر من قاعدة السيلية في قطر .

كانت حركة الجهاد الإسلامي تقبض على الجمر وتتواصل مع محور المقاومة في سوريا وإيران ومع حزب الله في لبنان .

بينما كانت الجبهة تبحث عن هذا التواصل وتسعى إليه مع العلم أن طريقها إلى هناك مليء بالصعاب الأيدولوجية ،  كذلك فإن التراكيب العسكرية لفصائل أخرى كانت بالكاد تحظى بدعم فصيلها . أما القوى الصغيرة الباقية وهي شبه عسكرية فكانت تناضل في الميدان وليس لها (فئات ) حزبية تتواصل معها أو تعبر عنها.

وبدون شك كانت القوى العسكرية تتواصل فيما بينها ميدانيا وربما ما هو أكبر من ذلك .

وأثناء العدوان كان من السهل رؤية اللوحة الفلسطينية في الميدان وفي القاهرة وخارج القاهرة .

في الميدان : كانت وحدة المصير ،أمام صد العدوان أو الموت . وكانت درجة الوحدة هذه تحاول التغلب على الفئوية المفرطة التي تربت عليها القوى الفلسطينية تاريخيا مغلفة بأغلفة متعددة منها ما هو أيديولوجي او تفردي أو أي دوافع نزوع التفرد والتميز القبلي الذي تغلغل في صفوف الثورة وعشعش فيها إلى درجة مرضية قد لا يكون لها شفاء . إن المظهر الرئيسي كان مظهر الوحدة  المداهمة بالمخاطر من بوابات كثيرة وعلى رأسها العدوان الصهيوني .

في القاهرة : ثلاثة أشخاص كانوا يحاولوا التعبير عن منهج المقاومة وإرادتها . أو بمعنى آخر كانوا يمثلوا نفسية المقاومة ويتحاوروا على هذا الأساس وهم ليسوا بالضرورة لصيقين جدا بها .واحد من حماس وواحد من الجهاد الإسلامي وواحد من الجبهة الشعبية .

لقد كان الوفد ثلاثة وفود : الأول وهو الأقرب إلى التعبير عن المقاومة وإرادتها متمثلا بحماس والجبهة والجهاد الإسلامي ، والثاني ضدها من حيث المبدأ متمثلا بممثلي فتح والسلطة وأقرباؤهم ، والثالث يتراوح هنا وهناك بلا حول ولا طول  ، وحين الشدة هو في المساحة الأقرب إلى الوفد الثاني فعليا مهما كانت أشكال تظاهره.

وخارج القاهرة : النظام الرسمي العربي  ومنه السلطة الفلسطينية وتركيا ضد المقاومة ومع استسلامها . وكانت كل من قطر وتركيا من جهة ومصر من جهة أخرى فريقين يتنازعان عقد الصفقة دون الإختلاف على الهدف النهائي ، وكانت سلطة رام الله ورئيسها محمود عباس شخصيا منخرطا في الحفلة المصرية من البداية حتى النهاية مما عزز موقف مصر ( وردت الحردانات ) إليها في النهاية .

ولكن المعركة السياسية الدائرة خارج القطاع لم تكن معركة إسناد مادي أو معنوي للمقاومة وإنما عمل و متاجرة بها من جهة ومع المتاجرة عمل آخر  يستغل المتاجرة ويعمل على وقفها وإحباطها  .

هذه هي الحقيقة وقد مارست سلطة أوسلو ونهج أوسلو كل ما يفيدها لزج قيادة حماس في الخارج في سياق التسوية من خلال الإتصالات والإجتماعات المعقودة تحت عنوان وقف نزيف قطاع غزة ، ويبدو أن هذه القيادة لم تكن تمانع  لمثل هذا الإنخراط  ولو بشروط لا قيمة وطنية لها .. شروط تتعلق بدرجة المشاركة والحصة جرى بحثها في قطر بينما الصواريخ تطحن غزة من كل اتجاه . كتب عادل سمارة ” وهكذا،بين فتح وحماس، فلم تجف الدماء ولم تلتئم الجراح ولم يؤوى المشردون في غزة بعد. ولكن كل هذا على ضخامته ووجعه وما يحمله من عبء لا يُطاق لم يحل دون إقامة سوق الاستثمار السياسي . كان الكازينو مفتوحا وصبيب النار على غزة. أما الهدف النهائي فكان كامل القضية الفلسطينية..”

وهذا  مقتطف من نص الحوار في محضر لقاء وفدي حماس وفتح مع وفد قطر بحضور امير قطر وعباس ومشعل  يوم 23 /8/2014 م أي قبيل وقف النار:

“…مشعل: هذه كلها عناوين، ونحن في العناوين نفس الموقف، ولكن نريد الشراكة، قدموا لنا في الموضوع السياسي شيء محدود، نحن متفقون على دولة في حدود 67، ولكن يوجد قيادة فلسطينية ونحن لسنا فيها، ما دام دخلنا المصالحة بدنا نطبقها بحذافيرها، الشعارات يجب ان تترجم الى آليات عمل، عندما ندخل مع بعض بدنا شراكة، مش عناوين، احنا لما نقول نعم نتقيد بها، نحن مع هذا الموضوع في

المبدأ، ولكننا بحاجة أن ندخل معكم في التفاصيل.

د.عريقات: شو المطلوب ؟؟

مشعل: انتوا رايحين تحكوا مع الجميع، أبو مازن رئيسنا، ويتحدث باسم الكل، والحكومة واحدة، لكن هذا التحرك انتم طابخينه لوحدكم، اشركونا فيه .

د.عريقات: أنا في شهر 12 السنة الماضية في بيتك أطلعتك على ذلك .

مشعل: مش هيك .هذا مش اشراك .

عزام الأحمد: بعد حكومة التوافق أرسلنا أبو مازن الى مصر وذهبنا للمصريين لمناقشة عمل اجتماع الإطار القيادي، لكن رد المصريين ما وافق عليه أبو مازن، ولا أنت وافقت، لكن هذا كان بسبب الخلاف بينكم وبين المصريين، يجب أن نتفق على آلية التنسيق في هذا الموضوع وثم شراكة مع بعض.

مشعل: اذا بدكم شراكة لازم نقعد مع بعض ونبحث في التفاصيل، لأنه أي تحرك له مقتضيات تفصيلية، لكن الزيارات لا تعني اشتراكنا في مشروع بكل تفاصيله .

لنفرض أن الرئيس قال بدناش عملية عسكرية لمدة معينة، بدنا نبحثها على أساس الشراكة، أنا لن أعطيك ok على عناوين عامة، أما التفاصيل فهي بحاجة إلى نقاش وشراكة ….”إنتهى المقتطف حرفيا .

أي أنه يصرح بأن أبو مازن هو الرئيس وانه ينطق باسم الكل في شأن المفاوضات وهو يقبل ذلك ولكن يريد مشاركة والإطلاع على التفاصيل ويستمر سياق أوسلو .

وأنا أعتقد أن حماس تتوقع أن يحصل عباس على صيغة ما لدولة و لا تريد أن” تخرج من المولد  بلا حمّص ” وخاصة ان قيادة حماس في حضن قطر وتركيا وقريبة جدا من السعودية ودول الخليج وجميع هذه الدول مع  منهج التسوية ويقبلون اية نتائج تقبلها امريكا وإسرائيل . بل هم جميعا أدوات ضغط وترغيب وترهيب من أجل تثبيت هذا المنهج

وقد كثف عادل سمارة اللوحة المحيطة بالقضية الفلسطينية بقوله “

” واكدت هذه الحرب أن الدولة أو الأمة القُطرية العربية ليست سوى مؤسسة صيْغت لتصفية المسألة العروبية، وبأن هذه القطرية ترتبط في معظم دويلاتها بحبل سري تحالفي مع الكيان الصهيوني. فالدولة القطرية والكيان هما إنجاب غربي راسمالي استعماري في عامي 1916 و 1917.
• كما اكدت حرب غزة وهم الأمة الإسلامية التي انكشفت صحوتها عن الوهابية والإخوانية الطورانية و القاعدة وداعش، وبالتالي فإن مليار ونصف مسلم لم يجرؤ أحد على رمي الأعداء بكلمة.
• أما الغرب فوقف مع الكيان من واشنطن إلى الاتحاد الأوروبي إلى النرويج تماماً كما وقف دائماً.
إذن، الصورة هكذا، فكيف يمكن للكيان أن لا يصر على سحب سلاح المقاومة وحتى على الطلب من مصر التبرع له بأرض بديلة لأرض الضفة الغربية لكي يعطيها ل “دولة” غزة. أي كل شيء على حساب العرب…”انتهى

هكذا كانت الإصطفافات وهذه مطاليبها بل أن النظام الرسمي الرجعي العربي إزداد شراهة في التطلب من المقاومة وكل من له صلة بها .

إن هجمة عباس والأحمد على حماس هذه الأيام هي شكل من أشكال الضغط على حماس لتحقق مزيدا من الإنخراط في قطار التسوية ولتخفف الكثير من اشتراطاتها . ومن المفيد التذكير أن اشتراطات المشاركة التي تقدمها حماس لا تختلف عن اشتراطات الفصائل زمن عرفات والمفاوضات .

فقد كان حزب الشعب يطلب تشكيل لجنة مرجعية للمفاوضات وكان الباقي من الأقربين للتسوية ينتقدون تفرد عرفات  والفريق المفاوض وعدم اطلاعهم اولا باول. ولكن كل هذا سقط وتبين أن عرفات يفاوض في أوسلو وعقد صفقة أوسلو وما تلاها منفردا مهما كانت الأدوات التي استخدمها .

إن اشتراطات حماس لن تكون أبدية ما دامت وضعت قدمها على الطريق .

ولكن الصوت اليوم  يرتفع بين حماس وفتح بالنقد والتشهير .

إن العلاقة بينهما أصعب من أن تجسر  وبرأسين كما تطلب حماس  فحماس تطلب المشاركة مع بقاء سلاح المقاومة والقوى المسلحة في القطاع . ان بقاء هذه القوى يعكس حالة ازدواجية سلطة بل ازدواجية جدية : فجهة تحمل السلاح في وجه الآخر وتتسلح بفكرة المقاومة  ، بينما فتح السلطة تريد الهيمنة مع الجهاز الإداري والأجهزة الأمنية  و التنسيق الأمني وكل مظاهر اتفاقات أوسلو وملحقاته ..

إن خلافات كهذه ربما يكون جسرها من فوق أسهل من التصدي لها من تحت  لأن عقلية القيادة السياسية أميل إلى المشاركة والمحاصصة ولكن الأمر سيكون بحاجة إلى سيل من الفتاوي مشفوعة بسيل من الدولارات والإمتيازات والإغتيالات.

إن التعمق في هذه اللوحة يرى أن مواقف الأطراف الفلسطينية جميعها لا تتكيء على نصر محقق  في الحرب العدوانية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة بل على نصر إفتراضي موهوم من طرف وغير معترف به من الطرف الآخر.

فقيادة حماس  التي يفترض انها تعبر عن المقاومة تساوقت مع الضغوط من مصر و قطر ومن السلطة ومن أطراف أخرى ، متفاعلة مع القصف والتدمير الهمجي المتواصل كما زينت لها موافقات وهمية من قبل إسرائيل فقبلت التهدئة وهي عبارة عن اشتراطات إسرائيلية تتمثل بوقف متبادل للنار مع امكانية التفاوض غير المباشر لاحقا لمن يطرح امور أخرى . وقد سربت جهات عديدة شيء يتعلق بسحب سلاح المقاومة مدعومة بمرونة مواقف النظام العربي الرسمي.

لم يكن هناك نصر وأرى أن استخدام هذه العبارة ناشيء عن سؤال خاطيء يتعلق بنتائج الحروب : إما نصر وإما هزيمة . وهذا لا ينطبق على حالنا حيث المقاومة بطولية ومبدعة من جهة ومحدودة الدور والفعل من جهة أخرى  وبعيدة عن الإشتباك والتشابك مع وجود قوات الإحتلال سوى بدرجة نسبية أثناء التوغل فقط  .إن التوصيف الأقرب هو ما إذا كانت المقاومة والشعب في حالة صمود أم لا ؟ وحينما يتعلق الأمر بالقيادة السياسية فإن الإجابة بصمود القيادة  هي إجابة تنطوي على مجازفة كبيرة .

إن طريق المقاومة والإنتفاض على العدو يحتاج إلى أدوات كفاحية أخرى على المستويين الفلسطيني والعربي وإن طريق تحرير فلسطين يمر من النظام العربي .