غزوة: داعش وواشنطن والرياض على سوريا

أمام الأبيض: دونية رئيس اسود وملك وهابي

عادل سمارة

أساس سياسة العدو الأمريكي في الشرق الأوسط والوطن العربي هي تدمير أية دولة عربية ذات توجه وطني قومي وضرب اية دولة استقلالية التوجه والتنمية لأن الهدف تثبيت الاستعمار الأمريكي الغربي في الوطن العربي بما في ذلك تثبيت الكيان الصهيوني وجودا ودوراً. وكل عربي أو مسلم لا يبدأ من هنا فهو إما أداة بوعي أو مرشح عميل ساذج لرأس المال بغطاء دين سياسي. هذا الحديث استفزاز لكل فرد لأن المطلوب اليوم مبادرة من كل فرد لضرب اية مصالح غربية وخاصة امريكية في هذه الوطن من علبة السجائر إلى القواعد الحربية في خليج النفط.

ومع ذلك، فأمريكا في المنطقة مجرد قوة طاغية عمياء ما لم تكن لها ساقيها المحليتين:

·       أنظمة تابعة تقوم على طبقات متخارجة وجيوش للقمع المحلي وتتلحف بالدين

·       ومثقفين/ات الطابور السادس الثقافي الذين يروجون للديمقراطية واللبرالية…الخ لا إيماناً بهما وإنما لمواجهة التحرر والتنمية والمقاومة والوحدة والاشتراكية.

الحلف الذي يُبنى اليوم يحمل مؤشرات فاقعة الوضوح والخطورة فيما يتعلق بوصف جديد ، هوية جديدة للعرب سواء في الحديث عن جيش عربي موحد، أو عن دول عربية سنية كما يقولها أوباما بوضوح ؟ سوف نجد قريباً، أنه التجسيد العسكري لمشروع صهيوني من شقين:

·       مبادرة الصحفي اليهودي الصهيوني ثوماس فريدمان التي اشتراها منه الملك السعودي فتجسدت في المبادرة العربية للاعتراف بالكيان الصهيوني والتي طبقتها معظم الأنظمة العربية بالاعتراف ورفض شارون الشق البائس المتعلق منها بالكيان.

·       ومشروع عزمي بشارة إلى قطر وكانت مسودته الأولى قبل خمس سنوات عن حزب عربي ديمقراطي. حزب انظمة تابعة.

ما معنى وجود مجموعة من الدول العربية بسكان قرابة 200 مليون نسمة ترتعب من منظمة إرهابية مثل داعش فتستغيث بأمريكا لتحميها؟

في أبسط تفسيرات هذا، فإن هذه الدول ليست غير مستقلة وحسب بل لم تصبح دولا بعد.

بعد سنوات حكم السادات ومبارك، لم يكن لأي محلل سياسي شديد العمق في التنبؤ أن يتخيل صراعا في مصر ليس على تحررها بل على الحلول محل مبارك وبنهج مبارك نفسه. لم يتخيل أحد أن تصبح مصر ساحة حرب بين مدرستين في الدين السياسي كلتيهما أمريكية:

·       مدرسة الإخوان التي تخيلت أنها عشيقة الأمريكي المفضلة، فإذا بها جارية للتدريب (هكذا كان يتدرب ابناء الأغنياء جنسياً على الجواري قبل الزواج من الحرة).

·       ومدرسة السلفية الوهابية العسكرية التي اثبتت أنها العشيقة الأجدر بالأمريكي.

وكلتاهما من الإسلام السني، فهل هذا هو الإسلام؟ لوقت قصير مضى رفض الكثيرون القول باحتلال امريكا للإسلام. فماذا يقولون اليوم؟ لن يقولوا شيئا ذا بال. فصمت القبور على مذبحة غزة من كل مسلمي العالم كشف كم هي وهماً أمة الإسلام، وبأنها ليست سوى أداة لتنفيذ السياسات العدوانية الأمريكية. وبمناسبة غزة، فإن عليها انتظار المزيد اليوم. فما ان يبدأ العدوان على سوريا حتى تنشغل الأرض والسماء هناك، ويكون للكيان فرصته ضد غزة. فهل ستحميها قطر وتركيا المنشغلتان في مذبحة الشام؟ هذا سؤال برسم مقاتلي حماس الذين شاركوا ضد سوريا؟ هل عاد إليهم الوعي؟

لو وضع امرىء اليوم أمامه مبارك ومرسي والسيسي، ما الفارق الذي يجده سوى تعدد الاجتهادات في خدمة الاستهداف الإمبريالي الصهيوني ضد الوطن العربي؟

من هنا، نصل إلى السؤال الذي يحاول كثيرون تجاهله: هل بناء هذا الحلف الجديد في الوطن العربي:

·       امريكا من السماء. هذه استراتيجية امريكا منذ نصف قرن اي التفوق التسليحي ومن الجو كي تحقق سيطرة على الأسواق في الأرض دون تنافس سلعي.  فلن تنزف قطرة دم غربية واحدة بينما تُذبح الأمة العربية بأسرها وكل هذا تحت شعار انظمة وقوى الدين السياسي وبايدي هذه القوى والأنظمة.

·       والأتباع العرب على الأرض. كيف لا، ألم يتعود هذا الوطن على اشكال مما تسمى ثورات كالثورة العربية الكبرى التي استبدلت الاستعمار العثماني بالاستعمار الأوروبي؟

هل كل هذا خوف من جبروت داعش؟ ألم يكن حرياً بهذه الدول العربية المسلمة أن تبني جيشا ضد الكيان الصهيوني؟ لماذا كانت بينما الكيان يذبح غزة، كانت هذه الأنظمة ترتب مذبحة ضد سوريا تحت غطاء مقاتلة داعش؟

هل فكر المسلمون الذين يخدمون هذه الأنظمة وجيوشها في هذا؟ هل فكر اي منتظم في حزب او حركة او جيش لقوى وأنظمة الدين السياسي أنه أداة لأمريكا والكيان؟

صار لا بد من مواجهة كل فرد بذاته وليس الحديث عن تعميمات عن الأنظمة والطبقات والفئات. لم يعد من حق المسلم العربي أن يذهب إلى المسجد ليغسل نهاره الوسخ في خدمة قيادات تصلي على البيت الأبيض والكنيست.

ليست داعش منظمة قائمة بذاتها، هي الوليد الأمريكي السعودي في القرن الحادي والعشرين كما هي القاعدة في القرن العشرين. توليد غربي نفطي عربي؟

 

ولادة القاعدة:

ما يلي من كتاب الأمريكي جيمس وولسي عن السعودية “المملكة من الداخل” يُفصح عن كل شيء:

“… منذ استلامه مسؤوليات المخابرت السعودية  في عام 1977 والأمير تركي يحول مبالغ ضخمة من المال لخوض حروب سرية. في منتصف السبعينات  كانت السعودية من الأعضاء المؤسسين لنادي سفاري  والذي كان فكرة الكسندر دي مرنشيه  الرئيس اللطيف للمخابرات الفرنسية  التي زودت السعودية بالغاز الذي انهى حصار مكة. كان الخوف الذي انتشر بسبب الأطماع السوفييتية والكوبية في افريقيا بعد الاستعمار  والعجز الأمريكي بعد فضيحة ووترجيت في العمل السري، المحرك الرئيسي لعرض اقتراح  من قبل المغامر ميرنشيه على والد الأمير تركي، الملك فيصل. كان اقتراحه كما يقول الأمير تركي:

“… انه بسبب ابتعاد الأصدقاء الأمريكان  من اللعبة …فإنه يصبح لزاما علينا نحن الدول التي تملك التوجه نفسه أن نبعد الشيوعيين  خارج افريقيا  بالمال والسلاح والجنود – وأي نوع من الحيل الأخرى”  كنا نقوم بذلك من أجل امريكا، لكنا كنا نقوم به من اجل انفسنا ايضا. كانت السعودية ترى في الماركسية فلسفة بغيضة ولعنة على البشر والدين. رأينا من واجبنا ان نحارب الاتحاد السوفييتي اينما وصل تهديده” ص ص 109،  110

“… لقد اعد الجاسوس الفرنسي كل شيى. سوف تقوم الوكالة الفرنسية بتقديم الدعم الفني  والمعدات والخبرة، بينما تزود المغرب ومصر بالسلاح. اما السعودية فستقوم بتقديم المال. طلب رئيس المخابرات الفرنسية  من الشاه الانضمام –الأمر الذي كشف مبكرا عن نشاطات النادي عند هروب شاه ايران  من طهران 1979، تاركا ورائه الوثائق من دون تمزيق.  في مارس عام 1977  قام الجنود المغاربة  (بدعم وتسليح السعودية) بصد هجمة كوبية انغولية كانت تنوي الإطاحة بموبوتو سيسي سيكو في زائير، كما تمت رشوة  الرئيس الصومالي محمد سياد بري للابتعاد عن  الترحيب بالسوفيات عن طريق تقديم سلاح مصري قيمته 75 مليون دولار  (دفعت من قبل السعودية) كما ان المال السعودي مكن تشاد والسودان من الابتعاد قليلا عن معمر القذافي”. ص 110

في “… فبراير 1980،  وافق كارتر على برنامج سري  يضع افكاره موضع التنفيذ- اتفاق سري بين السعودية والولايات المتحدة  يقضي بالمشاركة المتساوية بينهما دولارا بدولار، لدعم المحاربين الأفغان، وجر السوفييت إلى “فيتنامهم الخاص بهم”. انفقت الدولتان  ما يزيد على 3 بليون دولار لكل منهما، بحسب ما قاله راشيل برونسون  الذي يعتبر مرجعا  في العلاقات الأمريكية السعودية، في اتفاق تعاوني تبين انه  مغير للعالم”. ص 111

هل يمكن لمن له حتى نصف عقل ونصف عين أن لا يلاحظ ويفهم بأن الثورة المضادة لتخريب العالم وتحويله بربرياً تقوم منذ الطفرة النفطية الأولى 1973 والثانية 1982 على ساقين:

·       العدوان الأمريكي على كل لقمة عيش في كل يقعة من الأرض

·       والتمويل السعودي لكل هذا؟

فهل بقي لأحد عذراً بأن لا يعتبر كل ليله ونهاره واجب جهاد ونضال ضد امريكا وأنظمة الدين السياسي وخاصة الخليجية؟

أم هل  ننتظر ثلاثة عقود أخرى حتى يتم إصدار شهادة ولادة داعش بزواج ذكرها الأمريكي وأنثاها السعودية؟

 من اين لداعش كل هذه الأسلحة والإمكانات بين يوم وليلة؟ وكيف استسلم جيش نوري المالكي أمامها باسرع مما يستسلم جمهورا مدنياً أمام جيش نووي السلاح! وهل حقاً كان هدف داعش احتلال بغداد التي بقيت بينه وبينها كيلو مترات قليلة؟

هل يمكننا القول بأن المسرحية هي امريكية شاركت فيها قوى عراقية من برجوازية كمبرادور الطائفتين  المتنافستين معا (السنة بما فيها الكرد) والشيعة والمرتبطتين معا بأمريكا.

هل كان من المحتم على نوري المالكي أن يستدعي التدخل الأمريكي؟ وإذا كان هذا حليف لسوريا كما يزعم كثيرون، ألم يعلم بأن ما تريده أمريكا هي دمشق؟ طبعاً هذا إذا كانت امريكا قد خرجت من العراق؟

هل هناك صراع داخل النخب الطائفية في العراق التي تتقاسم السلطة، صراع قد يقودها إلى التخلي عن سوريا بل حتى طعنها في سبيل وصولها إلى تقاسم داخلي للسلطة في بغداد؟  وإلا، الا يعلم الجعفري الذي يشارك في جدة اليوم بأن الهدف سوريا؟ فقط ضد سوريا يتخلى عُتاة السنة والشيعة عن تعصبهم وحربهم! فاين الدين الإسلامي هنا؟

قد تبدو هذه الأسئلة منفرة، ولكن من تعامل مع أمريكا قبل 2003 وبعدها وحتى اليوم ليس بالبعيد أن يقوم بهذا وأكثر. والمعذرة للكاتب، فالتحفظ والتلاعب بالتحليل هو شأن موظفي السلطات ومثقفي الكمبرادور من الطابور السادس الثقافي، وليست ابدا دأب المثقف النقدي المشتبك.

دول لا حاجة لها

هل يمكن لعاقل أن يتصور أن منظمة مثل داعش يمكنها تهديد كل هذه الدول التي تستغيث بالعدو الأمريكي؟ وإذا كانت هذه الدول بجيوشها بالملايين عددياً وبأسلحتها بتريليونات الدولارات، غير قادرة على حماية نفسها، ولذا تستغيث بالعدو الأمريكي، فهذا يعني أن هذه الدول، ليست ضرورية وبأن تفكيكها أمر ضروري مهما كانت النتائج. دول غير ضرورية.

هل الأمر عجز حقيقي عن مواجهة داعش؟ أم هي مبايعة مجددة للاستعمار الذي لم يخرج من الوطن العربي، ولإعادته إلى دمشق إما مستسلمة أو جثة!

قبل أعلان مشاركة تركيا في مؤتمر جدة ضد سوريا كان لا بد من اسئلة: هل عدم إدراج تركيا في الحلف الجديد لقوى وأنظمة الدين السياسي هو عدم حقيقي؟ وهل السبب أن تركيا حليفة وراعية لداعش؟ هل من المتخيل أن تقف تركيا في أي وقت خارج الترتيبات الأمريكية؟ أم أن دورها قادم على ضوء التطورات؟ أم أنها القوة المدخرة لمواجهة إيران حينما تتحول المعركة إلى الدولة السورية؟

الأسئلة أُجيبت اختيارا، فتركيا هناك، ممثلة للكيان الصهيوني والجناح الإسلامي للناتو.

لنوضح الصورة أكثر، نحن أمام عدوان راسمالي غربي على الوطن العربي، وقوده الأرضي الوطن والشعب وجنوده أنظمة تابعة حتى العمالة المعلنة بافتخار. وناره الشديدة امريكية اوروبية تأتي من السماء. وحصيلته للمركز الأمريكي مع حصة للكيان الذي هو:

·       إما هو شريك مضارب وهذا مستبعد

·       أو دوره حين تتعولم الحرب أن يتخصص ضد حزب الله.

نعم حين تتعولم الحرب. فطالما الهدف سوريا، فهذا يعني ان الهدف طهران وموسكو كذلك. فأي عاقل يلاحظ اليوم ان العالم يصطف لما يشبه حربا عالمية :

·       قطب الثورة المضادة من الثلاثي الإمبريالي (امريكا اوروبا واليابان) والكيان الصهيوني وقيادة الطائفة السنية من العرب بجيوشها ومخابراتها، مع ملحق وضيع نخبة الطائفة الشيعية في العراق.

·       وقطب التحرر العالمي روسيا ومعها البريكس وإيران وسوريا وحزب الله وبعض المقاومة الفلسطينية.

لعل أحد الفوارق بين القطبين هو في أن قوى القطب الأول مُجمعة على عدوان همجي ككتلة واحدة، وهذا ملخص  إعلان الحرب على سوريا الذي نطق به أوباما، على سوريا وليس على داعش، بل إعلان الحرب على سوريا بمساعدة داعش التي ستتحول إلى الشام بسهولة وغطاء إسلامي امريكي عربي صهيوني معاً. هذه الحرب هي إعادة انتشار داعش ونظيراتها إلى سوريا. خطاب أوباما واضح تماماً: “دعم المعارضة السورية” وهي معارضة تبدأ من ابو بكر البغدادي وصولا إلى الناعم جداً مع المخابرات الفرنسية هيثم مناع والعجوز الخرف حسن إبراهيم مع تسيهلات أردنية رسمية من تحت غبط المرحلة!ولإكمال المكياج، تم إرسال ميستورا للقيام باية عرقلة ممكنة لسوريا.

هذا عن القطب الأول،  بينما لا ندري حدود وقوف مختلف اطراف القطب الثاني مع موسكو وطهران ودمشق والضاحية الجنوبية؟

كتب ماركس ذات مرة بأن العالم سيجد نفسه أمام تحدي أحد خيارين:

البربرية أو الاشتراكية

ها هي الأزمة الراسمالية تقود العالم إلى البربرية إلى فاشية راسمالية معولمة بوجه ديني.