فلسطين: لا تسترشدوا بخبراء استدخال الهزيمة

عادل سمارة

توقف، كما يبدو مؤقتاً، العدوان الثالث المخصص لغزة. وكانت التحليلات بدأت مع العدوان وتواصلت معه واستمرت بعد توقفه هذا. كما تواصلت بعده التقييمات.

ولعل أشد التحليلات والتقييمات خطئاً، تلك التي تبدأ من العدوان نفسه مغفلة أن العدوان هو احد تمفصلات إتفاق أوسلو وحتى ما قبل اوسلو. ومن لا يبدأ من هناك، لا يقدم للجيل الجديد سوى خلخلة نفسية ومعنوية وذهنية. بكلام آخر، في كل تحليل علمي لا بد من قراءة الحدث تاريخياً. هذا على الأقل للناس التي تؤمن بالتاريخ كحاضنة لتطور البشرية.

لم يكن اتفاق أوسلو سوى استدخال هزيمة لمختلف الذين فكروا  ونظَّروا وفاوضوا واستثمروا واستفادوا وتوظفوا وحكموا في هذا “المشروع- المؤسسة”. هذا الاتفاق بتكثيف، هو من حيث عنوانه “سلام راس المال” اي بتخطيط الراسمالية الأمريكية والصهيونية وبقبول ومصلحة الراسمالية الفلسطينية بشرائحها الثلاثة: راس المال البيروقراطي مجسدا في قيادة منظمة التحرير، وراس المال المالي المضارباتي القادم من الشتات وخاصة الخليج، وراس المال المحلي وتحديداً شريحة المتعاقدين من الباطن مع شركات الكيان الصهيوني. وفي اعقاب هؤلاء شريحة مثقفين فلسطينيين المثقفين العضويين لراس المال، كانوا إما يشرحوا للساسة فضائل التسوية و/أو يروجون لهذه التسوية.(انظر كراس، مأزق مالي-سياسي: الراس المال يعيد اصطفافه الطبقي، عادل سمارة،نيسان  1993  ومقالة جوزف مسعد مثقفو الكمبرادور في مجلة كنعان العدد 85 نيسان 1997). وهؤلاء هم من مثقفي الطابور السادس الثقافي.

وهذا الاتفاق هو “تقاسم الوطن مع العدو لأنه يعترف بأن المحتل 1948 هو “إسرائيل”.

من تطورات هذا الاتفاق الصراع على السلطة في غزة بين حركتي فتح وحماس. هو صراع بين طرفين موافقين على أوسلو بغض النظر عن بلاغة أو ضحالة الموافقة. وحبذا لو يفكر الشباب، الآن، في الصراع السياسي بين الطرفين بعد المذبحة وكأنها لم تحصل.

أود بعض القول عن المثقفين الذين تقاطبوا حول قيادة منظمة التحرير وأتوا معها مبررين وموافقين على أوسلو، اي على الاعتراف بالكيان ونبذ الكفاح المسلح بل كل كفاح، لأن من يعترف بعدو ليس هناك معنى أن يزعم أنه يناضل ضده إلا إذا خرج تماما من الاتفاق مع ذلك العدو.

شاهد هذا القول هو تنطُّح هؤلاء بما هم من مثقفي الطابور السادس لتوجيه النصائح للشباب كيف يناضلوا في الضفة الغربية، وبأن نموذج غزة لا يصلح في الضفة الغربية أو يصلح جزئياً…الخ.

لكل إنسان رأيه واجتهاده بالطبع. ولكن أعتقد أن هناك نقطتين مركزيتين تحسمان أمراً كبيراً كهذا:

الأولى: أن يتجنب الشباب الهرم الفكري والسياسي المبكر وذلك بان يصروا على أن لا يُبدعوا، ومن ثم يلهثون وراء عجائز مواقفاً وفكراً، فهؤلاء جُلبوا مع التسوية وارتدوا عن ثقافتهم الماركسية والقومية والوطنية بمعنى تحرير الوطن. لا بد للشباب  أن يُبدعوا نهجهم وطريقهم وخاصة العملي. ولا شك أنهم يعرفون بعضه ربما معرفة جيدة. أي ان يسترشدوا بالجيل السابق مجرد استرشاد وليس تتلمُذاً. وأن ينقدواهذا الجيل نقدا مشتبكاً. أذكر قبل عشر سنوات في حديث لمجموعة من الشباب والصبايا أن بدأت بالقول: “آمل ان تدركوا بأنكم سوف تقدموا أفضل مما عندي لأنكم تحوزين على ما عندي وما عندكم” كان ذلك مفاجئاً لهم، ولكن هي الحياة للناشطين هكذا.

والثانية: أن “الخبراء” القدامى ليسوا جميعاً مؤهلين لإرشاد الشباب. طبعا من حقهم أن يقوموا بذلك وبغيره. ولكن هناك شريحة كبيرة من بينهم ممن كانوا حول ابو عمار في بيروت يوسعون الجسم الإعلامي والدعاوي لمنظمة التحرير ويقلصون الحجم والفاعلية الكفاحية والسلاحية والعملياتية. هؤلاء كانوا مثقفي السلطان، مثقفي الشرعية التي كتب عنها الراحل محمود درويش حينما كان عميقا في غرامها: “من يخرج على الشرعية يخرج على الإنسانية”. ترى لو كان درويش حياً من هي الشرعية التي سيدعم، رام الله أم غزة؟.  هؤلاء نظَّروا لأوسلو واتوا مع فريق اوسلو، وهنا التحموا مع شريحة من المثقفين الذي يرفضون الكفاح المسلح بافتخار، ويعترفون بالكيان الصهيوني بصَغار هائل وممتد منذ 1947.

هؤلاء المثقفون الذين رنخوا في استدخال الهزيمة لا يمكن ان يكونوا خبراء لتوجيه الجيل الجديد. فاحذروهم. هم في داخلهم مهزومون، في داخلهم يكرهون الانتصار لأن في عمقهم هزيمة. هنا نتحدث عن سيكولوجيا المهزوم. لطالما كتبوا ضد الكفاح المسلح، وحتى قبل حرب غزة الأخيرة كانوا يهاجمون حماس بأنها لا تقاوم! وهنا لا اقدم دعاية لحماس وأية منظمة أخرى، بل ادافع عن المقاومين من كل الفضائل وليس عن السياسيين. هؤلاء المثقفون  مارسوا التطبيع وسيعودون إليه.

هؤلاء، خبراء في الهزيمة، وخبراء في تغيير الجلد، وهذا امر خطير ما لم نعرف أن ما تحت الجلد لم يتغير. ولكي نعرف ما تحت الجلد لا بد أن نقرأ ماضيهم وتجربهم. وفي هذه الحالة يكون الحد الأدنى الأخلاقي أن يعتذروا عن الماضي وينقدوه. ويكون من الخطورة بمكان أن يعودوا إليه في حالة عودة مناخ التسوية والهزيمة والمفاوضات العبثية.

قراءة الخبرات مهمة جدا ولكنها مهمة شائكة وصعبة. هي حقل معرفة وحقل ألغام معاً. ومن لا يملك عقلا نقديا مشتبكاً، سوف يهرم، هرما مبكراً وطنية وقومية وشيوعية دون ان يدري.

كانت مذبحة غزة، وفاضت علينا الفضائيات العربية  تطالب الضفة بالانتفاض، بينما تلك الفضائيات لم تقل لنا، ايا منها كيف سيقف العرب والمسلمين معنا؟ هكذا كانت على طريقة” إذهب وقاتل أنت وربك إناههنا قاعدون”! لذا، وجدنا مليار ونصف “أمة”  ألإسلام بلا كلمة عن العدو الأكبر أميركا ، وكذلك “الأمم” القُطرية العربية.

كمواطن هنا كان رأيي ولا يزال بأن ما يمكن ان يحصل في الضفة انتفاضات موقعية وموضعية، وبأن الأهم تشكيل لجان الحماية الشعبية كأنوية للتنمية بالحماية الشعبية عموما التي تغرس المقاطعة ومناهضة التطبيع. لا زال هذا رأيي. سيقول البعض انت من الجيل القديم، وهذا صحيح، ولكنني لم أكن مع أوسلو ولا التسوية ولا المفاوضات، ولا زلت اقول لمقاتلي غزة، إن أوسلو الآن هي التي تحاول تصفيتكم لتكونوا آخر المقاومة. انظروا إلى حديث الدوحة وأحاديث كثيرة. وانتبهوا بأن ما دار ضدكم وما دار في الموصل وما يتم تجميعه اليوم (عشرة دول عربية وأمريكا) تحت زعم تصفية داعش هو حلف مع داعش معاً باتجاه تصفية فلسطين.

إن اختراق الوعي أخطر من اختراق الجسد.