نحو إعلان حالة طوارئ لمـواجهة التدمير

عقم ثنائية الـــشعب / النظام

رودولف القارح *

 

الجزء الأول

 

بات من الواضح بعد السنوات الثلاث التي مضت على العاصفة الدموية التي تضرب العالم العربي، وبصرف النظر عن الخصوصية النسبية لكل حالة، من ليبيا إلى العراق مروراً بفلسطين وسوريا ولبنان ومصر وبعض المغرب، أن ما يحصل هو عملية ممنهجة تبغي تدمير المجتمعات التي صنعتها حركة التاريخ على امتداد أجيال وقرون من جهة، ودولها الحديثة على تنوّعها من جهة أخرى.
تبيّن مراكمة الأحداث والمواقف كم كان مضللاً الشعار المزيّف الذي اختصر تعقيدات وضرورات حركة التغيير والتطوير في المجتمعات العربية والمشرقية في بنيتها ومؤسساتها تحت ثنائية «الشعب» و«النظام».

تشابكت في صناعة هذه المقولة ومنظومتها دوائر استشراقية في بعض أوروبا والولايات المتحدة، نقرت مساحة لها ما بين مؤسسات بحث «علمي» ومراكز قرار سياسي غربية ــ أطلسية ومعها مؤسسات صهيونية «متخصصة» في «استصلاح» الأفكار والخطط وكأنها تتعامل مع «أرض بور»، من «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» السيء الصيت الذي شهد ولادة «نظرية الفوضى الخلاقة» التي حولتها وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس إلى أمر عمليات، وصولاً إلى مؤسسة هرزليا العسكرية ـــ السياسية الإسرائيلية التي توالدت من رحمها السياسات العدوانية الصهيونية المتجددة منذ غزو لبنان عام 1982. من دون اغفال مرجعية هؤلاء أجمعين، «المستشرق الإيديولوجي» برنارد لويس، وريث تيارات الفكر الاستعماري الأوروبي (والبريطاني منه على وجه الخصوص ، وهو فكر ما زال يتجدد بأشكال مختلفة منذ القرن التاسع عشر)، ومخترع «نظرية قوس الأزمات» التي كانت تهدف إلى ضرب الاتحاد السوفياتي من باب زعزعة استقرار جمهورياته الجنوبية ذات الأكثرية الإسلامية انطلاقاً من تركيا وصولاً الى افغانستان. والتّي تحوّلت الى شبكة التطريز التي حاك عليها استراتيجيو الغرب الاطلسي نظرياتهم التفتيتيّة المحدّثة، من زبيغنيو برجنسكي الى جوزيف بايْدن مروراً بفكتوريا نولاند.
ثنائية «الشعب والنظام» تحولت إلى القاعدة المرشدة لعدد وفير من «المثقفين المهاجرين» جسداً وفكراً، تحول هؤلاء إلى حاشية إيديولوجية ترفد الحروب الاستعمارية وأصحابها ومموّليها بسيل من الكتابات التبريرية، متلبسين دور «الكفيل الشرعي» الضامن لخطاب التهريج الحربجي الذي حملته إلى الرأي العام أدوات الدعاية الإعلامية، رموزاً وآليات.
والتي اعتمدت اساساً اساليب الكذب السياسي البدائية، ومنها مثلاً الشيطنة المشخصنة الفرديّة، والعمل الممنهج على رفع الشرعيّة عن مؤسسات الدولة، تمهيداً لضربها وتدميرها الخ… فيما بدا سريعاً ان ترداد الكلام عن «النظام» كان يخفي ارادة تدمير الدول، بينما كانت الثرثرة عن «الشعب» تستهدف تدمير المجتمعات.
وفي هذا السياق من الضروري اعادة التذكير بأن الدولة لا تُختذل بالسلطة القائمة، كما أن اقتفاء عبارة «الدولة الفاشلة» وتردادها من وراء «نادي الخبراء الاطلسيين المعلَنين ذاتياً اخصائيين» في ما يسمّى «إعادة بناء الاوطان» (نايشن بلدينغ) ليس سوى هرتقة فكريّة ودليل فقر التعاطي مع التحدّيات الفعلية القائمة. الفشل، اذا ما حصل، هو اولاً وأساساً، فشل السلطة القائمة في الاضطلاع بمسؤوليّاتها. والمحاسبة تكون لهذه السلطة تحديداً في نهجها، او تقصيرها، او في السماح (او التسامح) بالعبث بالقوانين والآليّات الدستوريّة وأعرافها، او اختراقها بالالتفاف عليها اوانتحال صفتهاً زوراً وبهتاناً.
سوف يأتي، وبأسرع ما يتصوره البعض، زمن تحديد المسؤوليات ومحاسبة من لجأ إلى التوظيف الوسائلي للإرهاب واستخدامه أداة للابتزاز وزعزعة الاستقرار من أجل تدمير بنى الدول صاحبة الشخصيَّة القوية التي تشكل الثقل البشري والحضاري التاريخي للعالم العربي والاقليم. وهي السياسة التي شكلت الحاضنة الدولية للتيارات التكفيرية المنبثقة من رحم البيئة الوهابية، سياسة تدميرية لخص جوهرها رئيس الاستخبارات الخارجية البريطانية عام 2001 حين اعتبر أن الردّ على ما حدث في نيويورك لا يكون في غزو أفغانستان بل بترجمة عملية، على ما قاله حرفياً، لشعار «فلنعمل من أجل أن يقتل المسلمون مسلمين آخرين».
على أن التحديات الوجودية التي تطاول حياة ومستقبل المجتمعات والدول العربية. والمشرقية منها تحديداً والجمهوريات التي انبنت في خضم حركة التحرر الوطني من قبضة الاستعمار بعد الحرب العالمية على وجه الخصوص (يا للمفارقة!). تستدعي عدداً من المبادرات الضرورية والعاجلة التي من شأنها أن تساهم في ولادة سياسة طوارئ متكاملة ومنسَقة لمواجهة المشاريع التدميرية وعدم اعتبارها لعنة قدرية لا مفر منها. تمر هذه السياسة عبر عدد من المبادرات السياسية الوطنية والإقليمية، على تفاوت صلابة الدول والمجتمعات، بين عراق يعمل على لملمة أطرافه المكونة التي دمر الاحتلال العسكري نسيجها وأجهز بول بريمر على مؤسساتها عبر اجراءاته الإجرامية، ولبنان المصاب بشلل نصفي بسبب نظامه الطائفي وسوريا التي بيّنت الأزمة قدرات مؤسسات الدولة فيها ولحمتها الاجتماعية رغم الجراح والثغرات.

عدد من الثوابت المبدئية

وفي هذا الإطار من الضروري إعادة التذكير بعدد من الثوابت المبدئية، رغم غربة الواقع عنها، ورسم صورة عامة للمشهد لتنبني، على قاعدتهما ، المبادرات الإرادية الضرورية.
1ـــ أصبحت طبيعة المشاريع وخرائطها التدميرية معروفة. أرسيت قواعدها العرقية والطائفية منذ القرن التاسع عشر اي منذ اختراع «المسألة الشرقية» على يد الدول الاستعمارية الأوروبية المتنافسة على التركة العثمانية. كما بات منهجها معروفاً أيضاً: العمل على التجزئة ومنها إلى الشرذمة وصولاً إلى التشظي ما يسهّل عملية السيطرة والاخضاع عبر استغلال الموروث الاجتماعي المركب للمنطقة على نحو سلبي باعتماد سياسات الخوف والتخويف، ومفاعيل هذه الأخيرة في النفوس، من اجل إعادة رسم الجغرافيا البشرية الاقليمية من خلال وسائل العنف البربري الاكثر بشاعة ووحشية لدى الضرورة، في اطار برامج سياسية منظمة، تجرى التعمية على مصمّميها، فيما يكون التركيز من خلال وسائل الدعاية الاعلامية على نتائجها الدموية وضحاياها وادواتِها. وهو نهج لا يحتكره «المجال العربي» إذ اختبرته يوغوسلافيا في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. كما طُبّق قبل عقود خلال حرب فييتنام عبر برامج «عسكرية ـ مدنية» عرفت تحت اسم «حمّامات الدم المفيدة والبنّاءََة».
اختبرت بدورها المجتمعات العربية هذه الحالة بأمثلة حيّة ومؤلمة: من السودان المنشطر إلى شطرين وربما أكثر في المستقبل، إلى العراق المتوالد من رحم الحرب الأميركية والعمليات القسرية التدميريّة التي طاولت جسده الاجتماعي المثقل بجراح الحرب العبثية مع إيران والغزو المفخخ للكويت، معطوفة على الموت البطيء الذي أدارته «الأمم المتحدة» تحت اسم «النفط مقابل الغذاء»، إلى ليبيا المنشطرة قبلياً وجهوياً في صراعات دموية لا نهاية لها في المدى المنظور.
هناك خيط غليظ يربط هذه المشاريع على أنواعها، يقوم على نزع الصفة الانسانية عن المجتمعات المشرقية لتحويلها إلى كائنات معدومة الروح، تصلح حقول تجارب تتلاعب بمصيرها قوى خارجية قادرة ومتسلطة: من مخططي اتفاقية سايكس ــ بيكو المعطوفة عضوياً على «وعد بلفور» وصولاً إلى استراتيجيات الحركة الصهيونية (من جابوتينسكي إلى عوديد ينيون، مستشار مناحيم بيغن وتنظيراته حول «استراتيجية اسرائيل للثمانينيات» التي شكلت القاعدة لغزو لبنان عام 1982 ولمشاريع المحافظين الجدد الأميركيين لاحقاً…) وصولاً إلى الخرائط التي رسمها العقيد رالف بيترز بطلب من وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) والتي اعتمدها حلف الناتو كوثيقة عمل رسمية والتي نشرت، يا للصدف، في حزيران 2006 قبل ان تبدأ كوندوليزا رايس بالتبشير لـ«الشرق الأوسط الجديد». ناهيك عن هلوسات وزير الخارجية في الدولة التركية المحكومة بسلطة حزب العدالة والتنمية، أحمد داوود أوغلو حول أحياء «المجال الحيوي التركي من بحر الادرياتيك إلى أسوار الصين» كما جاء على لسان منظّرها الأول الرئيس السابق سليمان ديميرل بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. وهو ما يشكل عملية تزوير وغش ايديولوجي مفضوحة مبنية على الدمج الملتبس بين الامبراطورية العثمانية التاريخية وفضلة من فضلاتها «القومية» المبنية على رؤية متشنجة، متعصبة واقصائية «للعنصر التركي». وأخيراً وليس آخراً، خرائط ما يسمى «الدولة الإسلامية» ومثيلاتها المتعدِدة التسميات، القائمة على الأحياء المُتَلبِّس زوراً وتضليلاً لِباس الدين الإسلامي، والتي لا صلات قربى لها في الأساليب المتوحشة والأهداف الايديولوجية سوى بالحركة الوهابية من جهة، وتحديداً حركة «الإخوان» في العشرينيات من القرن المنصرم في ناحية النجد من الجزيرة العربية ـــ والتي جرى التلاعب بها وتوظيف وحشيتها من قبل المستعمر البريطاني بشقية المتنافسين (لندن و«حكومة الهند») وأطراف السلطة السعودية الصاعدة، قبل أن تبادر هذه الأخيرة إلى ابادتها جسدياً فور تحوُّلِها الى تهديد خطير لها، عام 1929، بواسطة قوات عسكرية رديفة تحولت لاحقاً إلى جسم «الحرس الوطني ـــ والحركة الصهيونية وعصاباتها، من جهة أخرى.
2 ـــ باتت معروفة أيضاً سياسات «الغرب الأطلسي» المهيمنة على التوجهات العامة للاتحاد الأوروبي التي تكاد تتلخص سياسته الخارجية بعملية تلزيم إدارة شؤون «مناطق نفوذ» تتماهى وخرائط النفوذ الاستعماري القديم متعاطية معها وكأنها ولايات تابعة وليست دولاً مستقلة ذات سيادة يحفظها الانتماء العضوي إلى الأمم المتحدة.

وأصبحت فاقعة إلى حدّ الوقاحة سياسة ازدواجية المعايير اللاأخلاقية والسخيفة، المقرونة باعتماد نهج «العصا والجزرة» البافلوفي الابتزازي المعطوف على سياسات «العقوبات» (وهو خرق فاضح لشرعة الأمم المتحدة إذ يحصل خارج أطرها القانونية)، وهي كلها تعبير خشن لما يمكن وصفه «بالدرجة الصفر للدبلوماسية» التي تنم عن حالة الفقر العميق للفكر السياسي السائد. وعلى سبيل المثال لا الحصر: أوليست مهزلة أن يؤنب وزير خارجية فرنسا رئيس وزراء بريطانيا بسبب انتقاد الأخير لصفقة بوارج «ميسترال» مع روسيا مذكراً إياه بمبادئ السيادة الوطنية (كذا!) في حين وصلت سياسة التدخل الفرنسية إلى حدّ القول بسوقية غير معهودة في العلاقات الدبلوماسية الدولية الحديثة أن «لا مكان للرئيس السوري على وجه الأرض»؟ أوليست مهزلة مأسوية أن يعمد الاتحاد الأوروبي إلى «ترفيع مستوى علاقاته مع «دولة إسرائيل» بحجة القيم المشتركة التي تجمعهما ومنها «مبادئ حقوق الإنسان» فيما لم تكن قد جفّت الدماء الفلسطينية تحت الضربات الوحشية عام 2009».
وفي هذا السياق هل ينتظر احد موقفاً اوروبيّاً بحق «دولة اسرائيل» بالاستناد الى قرار مجلس الامن لتعاملها المعلن جهارة، في الجولان المحتل، مع «جبهة النصرة» واخواتها؟
وبالإضافة إلى عودة تغلغل الفكر الاستعماري المتجدد في بعض دوائر القرار في المفوضية الأوروبية (التي نظّر أحد أركانها، البريطاني روبرت كوبر، لضرورة «أحياء امبريالية جديدة») بات فاقعاً هذا التناقض الفج بين الأقوال والأفعال، نورد منه على سبيل المثال ما فضحه الرئيس السابق لمفوضية الاتحاد الأفريقي جان بينغ الذي روى كيف أن الاتحاد الأوروبي الذي تغنى على مدى سنوات (في الاعلام والخطابات) بإيجابية تكوّن منظومة أفريقية جامعة على غرار ما قامت به أوروبا، سارع إلى إطلاق العمليات العسكرية في ليبيا من أجل قطع الطريق أمام وساطة الاتحاد المذكور الناجحة، مع الرئيس الليبي السابق والمبنية على حل سياسي للأزمة.
ويتذكر الفلسطينيون (وسلطتهم الوطنية تحديداً) الضغوطات التي مارسها الأوروبيون وعلى رأسهم فرنسا من أجل منعهم من رفع دعوة قضائية، بخصوص السور التي كانت بدأت ببنائه «دولة إسرائيل»، أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، بحجة «الارتداد السلبي للمبادرة على مسار السلام» بعد أن انبرت الدوائر نفسها مطالبة الفلسطينيين بالعدول عن العمل المقاوم المسلح واعتماد آليات القانون الدولي وسيلة للعمل السياسي.
3 ـــ على أن من الأخطار المحدقة أمام المشاريع التفتيتيّة التسليم بها سلفاً واستبطانها وكأنها منتهية التحقيق بصفتها امراً واقعاً لا محالة، تحت تأثير الدعاية المسيطرة (وهي جزء من العمل السياسي) وأبواقها الدولية والإقليمية والمحلية، من مستفيد من مشاريع الشرذمة عن وعي مصلحي وتصميم مسبق وصولاً إلى أصحاب نظريات الخضوع والتبعية والطاعة أمام «مشيئة الأقوياء»، وهذا تعبير عن ثقافة الخمول والهزيمة التي هيمنت على المنطقة منذ حرب 1967، والتي تترجم يومياً في السياسة والاعلام عبر البحث تارة عما يريده «المجتمع الدولي»، أي محور «واشنطن ـــ لندن» أساساً، إلى آخر معزوفة عن رغبات «عواصم القرار» «وحتميّة» الاستسلام لإرادتها القدرية اذ لا حول لنا ولا قوة…
ناهيك عن التغلغل البنيوي لإيديولوجيّات وآليات التبعيّة الهادفة اساساً الى اضعاف الدولة بصفتها الإطار والأداة والرافعة التي تترجم المصلحة الوطنيّة، والتي اصبح «برنامج الامم المتحدة للتنمية» احد اذرعها الفاعلة، في موازاة الانحرافات التي اصابت مؤسسة الامم المتحدة منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي.

دول أم ساحات نفوذ؟

تحجب هذه الرؤيا الصراعات السياسية والجيوسياسية والاقتصادية والفكرية، كما تستهين بالقدرة على المواجهة والمقاومة الفعلية في وجه المشاريع تلك. وتحجب القدرات الذاتية الكامنة في المجتمعات والقادرة، إن وجدت الإرادة، على التصدي لديناميه الشرذمة والتشظي، كما تساهم في تصوير الصراعات السياسية وكأنها صراعات جوهريّة طائفية ومذهبية صرفة، في عملية تزوير مفضوحة تعيد إنتاج الاستبطان المحلي للخطاب الاستعماري القديم والجديد في ظل انخراط بنيوي ووظيفي في الآليات المتجددة للتبعية تحت مظلة ما يسمّى «العولمة».
4 ـــ يضاف إلى ما سبق ان «الغرب الأطلسي» يتعامل مع الإقليم المشرقي على انه «ساحة متجانسة» على قاعدة مبدأ «مناطق النفوذ» الذي ورثه عن مرحلة الامبراطوريات الاستعمارية في القرن التاسع عشر، والتي جرى تنظيم آلياتها (في التكامل والتنافس) في مؤتمري برلين عام 1878 و1885 ـــ 1986 إذ تمّ الرسم الاجمالي للنفوذ الاستعماري على الخرائط الورقية، ما أغفل حقائق الأرض والشعوب، واحتقر إرادتها وتاريخها مختزلاً واقعها الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي بروايات الرحالة أو المستكشفين. يكفي الاطلاع على ما عانته القارة الأفريقية، وما زالت، كما العالم العربي، للاستدلال على نتائجه المدمِّرة. أضف إلى ذلك «الالتواء الانحرافي» الذي أعاد رسم الجغرافية البشرية والمصالح والثقافة على قاعدة المركزية الأوروبية التي ورثتها الولايات المتحدة بعد الحربين العالميتين. ارتسمت هذه القراءات وامتداداتها السياسية العملية على جغرافية تبسيطية للانتماءات الطائفية الموروثة من العهد العثماني فحولتها إلى وحدة مقياسية سياسية واجتماعية في لبنان، ولم تنجح في املائها على العراق الا بعد احتلاله عسكرياً، وفشلت في فرضها على سوريا بالرغم من محاولاتها المستمرّة في ما يبدو انه نوع من «العصاب الاستحواذي» المتواتر والمتوتِّر، اصاب حتى رأس السلطة الاميركية التي اصبحت تتناسى اسماء دول الاقليم لتصفها «بالمنطقة ذات الأكثريّة السنيٌة» (اوباما، ٢٩/ ٨).
يجدر التنبه هنا إلى أن القوى المهيمنة الغربية ـــ الأطلسية المتجددة، تتعامل مع الدول الوطنية الحديثة التي خرجت من حقبة التحرر الوطني، على أنها ساحات نفوذ شاملة مطوَّبة لها كمشاعات عقاريّة تخصُّها، فيما تريد لهذه الدول التي قامت بالأساس على تجزئة التاريخ والاجتماع والمصالح المشتركة، ان تتقوقع على الحدود السياسية والإدارية المرسومة لها في الحقبة الاستعمارية منعاً لتواصلها الإقليمي، هذا إن لم تواجه بمحاولات شرذمتها من الداخل، من خلال الألاعيب الطائفية والمذهبية واختراق سيادتها عبر عقد صلات مباشرة مع بعض مكوناتها، مخترفة أصول المبادئ السيادية التي حفظتها لها القوانين والمعاهدات الدولية.
5 ـــ من الضروري هنا إبداء عدد من الملاحظات في موضوع الحدود بخاصة بعد ادعاءات البعض (بالخطاب والممارسة) من داوود أوغلو إلى الداعشيين على مشاربهم أنهم يريدون اسقاط الخُطوط التي رسمتها اتفاقية سايكس ــ بيكو متناسين، يا للصدف، تلازم هذه الخطوط مع وعد بلفور، الذي فتح شهية بلا حدود أمام الحركة الصهيونية.
أولاً، لا يكون اسقاط سايكس ـــ بيكو بالسيطرة الدموية الوحشية على المناطق الهشة والطرية العود التي تميز «التخوم الحدودية» في معظم دول العالم الحديث. وهي مناطق سهلة الاختراق، خصوصاً إذا ما اعتمدت أراضي دول مجاورة كقاعدة خلفية كما هي الحال ميدانياً بين تركيا وسوريا راهناً، أو بين تركيا والعراق سياسياً مع انتهاك سيادة هذه الدولة عبر عقد صلات سياسية واقتصادية مباشرة مع إقليم كردستان، هذا من دون اغفال عملية القرصنة التي تعمد اليها دولة تركيا عبر تحويل أراضيها ممراً لتسويق النفط الذي تنهبه العصابات المسلحة في سوريا والعراق والتي حدد مجلس الأمن الدولي طابعها الجرمي في القرار 2170 رغم غموض بعض بنوده.
ثانياً، لا يقوم اسقاط سايكس ـــ بيكو (اين بلفور؟) عبر اختراق كل القوانين الدولية والسيادة من خلال إقامة خروقات حدودية بنيوية تمثلت بالتحضير المسبّق، نعم المسبّق، لحركة نزوح قسري منظم (زادتها تأزماً دينامية العمل العسكري في الميدان، واثره على الحياة المدنية) ارادها المخططون لها بيئة حاضنة لمشاريعهم التدميرية، على غرار ما حصل في المناطق الحدودية التركية ــ السورية أو الأردنية السورية أو بعض المناطق الحدودية اللبنانية ـــ السورية بعد الزيارات المتتالية التي قام بها عضو مجلس الشيوخ الأميركي الجمهوري المحافظ الجديد المتطرف جون ماك كاين، وزميله الصهيوني جوزيف ليبرمان، إلى بعض مناطق عكار والبقاع في المراحل المبكرة من الأزمة السورية في ما بدا استنساخاً لخطط توظيف النزوح المبرمج لتبرير التدخل العسكري تحت غطاء «الضرورة الإنسانية»، على غِرار ما حصل في كوسوفو قبل تدخل قوات الناتو المباشر، في تخط فاضح لقرارات ودساتير الأمم المتحدة.

الاستخبارات الألمانية وخطة «حدوه الجواد»

جرى حينها التذرع بخطة وهمية مزيفة، صنعتها الاستخبارات الألمانية تحت تسمية «حدوه الجواد»، ناسبة أبوّتها إلى الرئيس الصربي ميلوزيفيتش، مدعية أنها تهدف إلى تهجير السكان الألبان في الإقليم ما استدعى «تدخلاً استباقياً» بحجة منع التطهير العرقي. ليتبين لاحقاً زيف العملية برمتها على يد التلفزيون الألماني «أ. ر. د» الذي قدّم الوثائق الدامغة التي أكَدت كذِب وبُطْلان الادعاءات التي اركنت إلى الجريمة الموصوفة، قبل ان تنفجر الفضيحة الكبرى بعدما أشاد الناطق الرسمي باسم جافيير سولانا (نائب رئيس المفوضية الأوروبية آنذاك والممثل الأعلى للسياسة الخارجية) البريطاني جامي شيا (أحد مستشاري انطوني بلاير) بمفاعيل الكذبة الألمانية في مؤتمر صحافي أثنى خلاله على «عظمة» القيادة الألمانية، مسمياً بالاسم وزير الدفاع ووزير الخارجية (شاربينغ وفيشر) وممتدحاً «قدرتهما على رفض التقيد بمشاعر الرأي العام والعمل على تطويع هذا الأخير وقولبته». ومن المفارقات ان «الكذبة الألمانية» اعتمدت «كوثيقة اتهام» بحق الرئيس الصربي لدى مقاضاته أمام المحكمة الدولية الخاصة بيوغوسلافيا».
ثالثاً: هناك صلة قربى واضحة في عمليات التهجير القسري التي تعصف بالعراق وسوريا وبينهما فلسطين و… دولة تركيا، وهي عمليات تضرب في اللحم الحي للإنسان وتدمّر مقومات الحياة المتراكمة عبر الزمن والارتباط العضوي بالأرض. بعد قيام دولة تركيا بسنة واحدة عام 1923 وفي سياق المجازر التي طاولت الأرمن على يد سلطات «تركيا الفتاة» بادرت الدولة التركية الناشئة إلى طرد مئات الألوف من يونانيي آسيا الصغرى مستندة الى رؤية عرقية للهوية التركية «الصافية» متنكرة للتنوع التاريخي في هذه المنطقة من أكراد وعلويين وغيرهم وللطبيعة المركبة التاريخية للإمبراطورية العثمانية التي يدعي اردوغان زوراً وراثتها بصورة هزلية. أما عام 1964 فلقد امهلت السلطات التركية عشرات الألوف من اليونانيين القاطنين اسطنبول منذ قرون، مهلة اثنتي عشرة ساعة لمغادرة الأراضي التركية في ما تم تعريفه لاحقاً تحت تسمية «عشرون كيلو وعشرون دولاراً» وهو ما سمح لكل فرد باصطحابه لدى المغادرة.
أما داعش فلم تسمح لأهالي الموصل المسيحيين واليزيديين بحمل أي شيء سوى ثيابهم قبل طردهم من المدينة والمحافظة. هل من الضروري إعادة التذكير بأن داعش لا وجود لها بالأساس لولا الدعم التركي اللوجيستي والعسكري والتنظيمي والبشري معطوفاً على الدعم السياسي والمالي الخليجي على أنواعه؟ أما آن الأوان للخروج من سياسة تجهيل الفاعل وتحديد المسؤوليات صراحة بخاصة بعدما أعلن أحمد داوود أوغلو بعد غزوة الموصل أن «داعش لا تشكل تهديداً لتركيا»، تماماً كما فعلت «إسرائيل» لاحقاً في الجولان المحتل مع «النصرة» واخواتها؟
أما العصابات الصهيونية على أنواعها (ودولتِهم اللاحِقة) فلم تسمح للفلسطينيين حتى بالالتفات إلى قتلاهم لدى تهجيرهم المبرمج عام 1948.
6ـــ هناك صلات قربى وتلازماً واضحاً بين المشاريع التدميرية كافة على أنواعها وخطط التهجير المبرمجة قيد التنفيذ التي ترسم خطوطها في الجسد الحي للجغرافيا البشرية الموروثة من التاريخ، والتّي عادت وانتظمت مبدئياً في الدول الأعضاء في النظام العالمي المتكوّن في إطار مؤسسة الأمم المتحدة (هناك فارقٌ طبعاً بين المؤسسة وشرعتها وممارسات القيّمين عليها وفق موازين القوى الدوليّة).
وفي هذا السياق، تجب مقاربة مسألة الحدود بين دول المشرق العربي واشكالياتها المركبة وفق أسس تستعيد المبادئ التي رسمتها شرعة الأمم المتحدة وأنظمتها، مع التذكير بأن مسألة الحدود كانت إحدى أهم معضلات حقبة الخروج من الاستعمار بعدما دمّرت القوى المستعمِرة معظم التوازنات والنظم التي كانت تحكم الوحدات الإقليمية وأشكال إدارتها وعلاقات الجوار السائدة وأسسها قبل الاحتلال الاستعماري، أو أعادت توظيفها بما يخدم آليات سيطرتها.
اعتمدت حركات التحرر الوطني آنذاك مبدأ حكيماً قوامه الاعتراف بالحدود الموروثة من الاستعمار، منعاً لإضافة فوضى إعادة رسم الخرائط إلى الفوضى البنيوية الاستعمارية، على أن تطلق بالتوازي دينامية تكامل تنموي وتطويري تعيد جمع ما شرذمه الاحتلال. واجهت الدول الاستعمارية المنكفئة هذا المشروع التكاملي بخطط مضادة هدفت إلى إرساء قواعد وآليات تجديد التبعية في ظل صراعات معقدة حكمتها حركة الحرب البادرة وبعض مواجهاتها الموضعية الساخنة، معطوفة على عمليات اغتيال موصوفة لقيادات حركات التحرر، من عملية تصفية القائد الكونغولي باتريس لومومبا الى اغتيال المهدي بن بركة مروراً بعملية اضعاف وشرذمة لحركة عدم الانحياز الصاعدة.
في هذا السياق تحوّل مبدأ السيادة الوطنية واحترام استقلال الدول الى ركيزة أساسية للنظام العالمي الذي مثلته الأمم المتحدة على أنقاض عصبة الأمم والتوازنات التي خرجت من الحرب العالمية الثانية.
جرى لاحقاً تدعيم مبدأ السيادة والاستقلال الوطني باستصدار عدد من القرارات ابرزها القرار 2625 الصادر عن الجمعية العامة عام 1970 والذي نصّ على «واجب الدول الاعضاء الامتناع عن تنظيم أو تشجيع عصابات مسلحة أو عصابات من المرتزقة هدفها خرق سيادة دولة أخرى» كما نص على «ضرورة الامتناع عن تنظيم وتشجيع (…) أعمال إرهابية تستهدف أراضي دولة أخرى أو المشاركة بها أو تسهيلها أو تقبلها والتسامح تجاهها».
جرى خرق هذا المبدأ بعد اختلال التوازنات العالمية مع انهيار الاتحاد السوفياتي من خلال عملية مركبة توأمت بين اختراق سافر للقوانين الدولية على يد الولايات المتحدة وتوابعها الأطلسية تحت تسمية «ائتلافات المتطوعين» من أجل الالتفاف على الآليات الدولية المعتمدة، وشنّ الحروب العدوانيّة، رغم ممانعة بعض الدول الأوروبية الظرفية خصوصاً في حرب العراق عام 2003، هذا من جهة، وصعود منظمات غير حكومية متأطرة حول إيديولوجيات «التدخل الإنساني» و«واجب الحماية» الذي سرعان ما تبيّن أنه غطاء لا أخلاقي لعودة استعمار جديد تحت مظلة مبادئ حقوق الإنسان النبيلة التي جرى تحقيرها وافسادها عبر توظيفها لأهداف جيوسياسية شائنة ومخزية كانت (وما زالت) دول المشرق العربي حقول تجاربها المأسوية، بالإضافة إلى القارة الأفريقية.

الجزء الثاني

من البديهي القول إن مبدأ السيادة الفعلية لا يستقيم إلا في ظل دولة قوية وقادرة (الدول لا تُختصر بالسلطة) تعتمد على صلابة مؤسساتها وترفدها آليات تفعيل الطاقات المجتمعية المتوافرة. كما من المعروف أيضاً ان الحلقات الجغرافية الأضعف في تحقيق سيادة وسيطرة أية دولة على مجالها الوطني هي المناطق القائمة على التخوم والأطراف. يكفي للتأكد من ذلك النظر الى الوضع القائم على الحدود بين الولايات المتحدة والمسكيك، هذا إذا ما وضعنا جانباً الحالات القائمة في القارة الأفريقية، حيث إدارات الدول وآلياتها طرية العود.

هذه المناطق الهشة تكون فيها الكثافة السكانية المدينية ضعيفة وقابلة للاختراق (انها عادة خطوط التهريب التقليدية)، وهي تغطي مساحات واسعة تحولت، مع صعود الحركات الإرهابية في افريقيا (بوكوحرام في نيجيريا والدول المجاورة) والمغرب العربي وصولاً إلى العراق وداعش واخواتها، الى قواعد جغرافية تنامت عليها العصابات المسلحة التي عادت وتحولت وظيفياً إلى أدوات للمخططات الأطلسية الخفية أو المعلنة كما حصل في ليبيا. وهي حالة عبّرت عنها بفجاجة الصورة البشعة لوزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون، التي ظهرت أمام طائرتها في بنغازي رافعة شارة النصر ومعانقة أحد قياديي «المجموعات الإسلامية المسلحة» فيما كانت الإدارة الأميركية قد خصصت سابقاً مكافأة مالية بقيمة مليون دولار لمن يساعد في إلقاء القبض عليه. هذا ناهيك عن سلوكيات «الشيخ» الأميركي جون ماك كاين الذي لم ينفك عن الاجتماع المتواصل مع العصابات الداعشية، والذي يرفع الصوت مجدداً مطالباً بمزيد من التدخل الأميركي في العراق و… سوريا كاشفاً مدى الترابط والتداخل بين عدد من التطورات الخارجية في المشرق العربي (أو في مناطق أخرى متأزمة كأوكرانيا) والصراعات الأميركية الداخلية.

فإذا كانت تلك حالة المناطق الحدودية الحساسة مبدئياً، فكيف بالأحرى إذا ما قررت دول معينة عمداً وعن سابق تصور وتصميم فتح حدودها وخرق القرارات والآليات القانونية الدولية؟ أمام هذا الوضع يصبح من الضروري معالجة مسألة الحدود والسيادة وفق مقاربة مركبة مرسية على:
أ ــ التأكيد المبدئي والمثبت على سيادة كل دولة من دول المشرق العربي (لبنان، سوريا، العراق، كما الأردن المهدد كيانياً بإرهاب الدولة الصهيونية عبر مشروع «الوطن البديل»، كما بإرهاب داعش وامثالها) وعلى وحدة اراضيها على قاعدة الانتماء الى الأمم المتحدة وفق مبادئ شرعتها والقوانين المرعية.
ب ــ العمل على جمع طاقات وقدرات هذه الدول وفق قرار سيادي بالتكامل والتعاضد فيما بينها، مقرون بإجراءات عملية منسقة، من أجل مواجهة مشتركة لمشاريع تدميرها العابرة للحدود. تقضي هذه المواجهة استنفار واستنهاض الطاقات والقدرات المجتمعية كافة في ما يشبه حالة طوارئ يجب اعتمادها اليوم قبل الغد. خطة تعتمد على استنفار مؤسسات كل دولة ومؤهلاتها المدنية والأهلية في آونة واحدة، من أجل مواجهة مشروع تدميري شامل بخطة استراتيجيّة عقلانية شاملة ومتكاملة تقتضي التصدي لا إلى أدوات التدمير فحسب (العصابات المسلحة) بل مواجهة أوليائها وموجهيها على الأصعدة السياسية والدبلوماسية والقانونيّة والاقتصادية والثقافية والاجتماعية كافة.
7 ــ وفي هذا الإطار لا بدّ من توضيح مقاربة مسألة مكونات المجتمعات العربية المشرقية المستهدفة من دون اي استثناء. ما يزال البعض يصر على اعتماد الخطاب الاستشراقي في توصيف جزء منها «كأقليات» واختزال هويَّتها الاجتماعية المركَّبة بأحاديَّة توصيفها بشعائرها الايمانيّة. نسجت هذه المكونات بعلاقاتها التثاقفية آليات التفاعل التاريخي الذي أضحى ميزة بارزة من ميزات المجتمعات المشرقية بالأخص في عصبها المديني، وهو ما يجرى العمل على تدميره راهناً. الملح، بالتالي هو تعزيز عناصر حمايتها وبناء مستقبلها المشترك عبر تدعيم الآليات الدستورية والقانونية المستندة الى مبدأ المواطنة، والانتماء الوطني والقومي الجامع. من هذه المكونات، على وجه الخصوص، العرب المشرقيين المسيحيين، لما لتوزُّعهم على امتداد دول المشرق، من مصر الى العراق، من تأثير على عملية بناء واستمرار النسيج الاجتماعي وروابطه.

المسيحيون والتحوُّل الجوهري في العقلية

نورد في هذا السياق الملاحظات التالية:
أولاً ـــ لا بدّ من تحول جوهري في العقليات والرؤيا الموروثة عن الرسم الايديولوجي الاستشراقي الذي عززته مؤسسات الاستعمار والتي تولت بعض المؤسسات التربوية اعادة إنتاجه حتى الآن.
ثانياً ـــ لا بدّ من الاقرار بأن المسيحيين (كتلاً بشرية وافراداً مواطنين) موزعين على الدول المشرقية كافة وفق شخصيات اجتماعية مميّزة، لها خصوصياتها، وأنه من الخطأ اختزال هذا الوجود في بلد واحد. لنضع جانباً من لا يرى في إرهاب العصابات المسلحة على شاكلة داعش خطراً ربما لأنه سبقها في الممارسات البشعة. ما يجب أن يعيه المشرقيون المسيحيون هو أن زمن «سراديب الأموات» الروماني ولّى إلى غير رجعة وأن الرؤيا القدرية البكائية للتاريخ لا تصلح في زمن المواطنة والمسؤولية الاجتماعية والصمود وبناء المستقبل، إلى جانب الشركاء في الوطن والإقليم.
واذا كانت إشارات التعاطف الانساني الأولى مع اهل الموصل المسيحيين قد حملت البعض على تحدي الداعشيين بالاجهار بحرف الـ«ن»، فمن غير المقبول على الإطلاق التسليم بهذا الوسم البربري، ومنح اية «شرعيّة» لمنطق ومفردات العصابات التكفيرية الارهابية، في تصرُّفٍ معدوم الوعي والمسؤولية.
ثالثاً ـــ إن التفكير في عملية «تجميع» للمسيحيين في «محميات» مذلّة (كما روج لذلك بعض من الرهبانيات في منتصف السبعينيات من القرن الماضي) هو استنساخ شكلي للنموذج الصهيوني.
يغفل الموقع الاستعماري لـ«دولة إسرائيل» من جهة، ومشروع انتحار جماعي من جهة أُخرى، لا توازيه سوى نداءات التضرع إلى «الحماية الغربية» وهو لن يؤدي على أية حال، سوى إلى مزيد من التهديد «للوجود المسيحي» على امتداد المشرق العربي. يكون الصراخ مفيداً ربما إذا ما كان جزءاً من خطة عمل عقلانية متناسقة مع استراتيجيات تحملها الدول المشرقية المعنية، من أجل الدفاع عن نفسها ومكوناتها. أما إعلاء الصوت ظرفياً، كما حصل بعد الاعتداء على معلولا في سوريا أو بعد غزوة الموصل فلا طائل له في مواجهة الأخطار الوجودية.
رابعاًـــ لا بدّ أيضاً من اعادة النظر في مفردات الخطاب السائد، وعلى وجه الخصوص عبارة «مسيحيو المشرق». ليس في الأمر ترفاً جمالياً بل تحديداً دقيقاً لمضمون المعضلات المطروحة جوهرياً. تختزل هذه العبارة هوية المشرقين المسيحيين في أحادية «الشعائر الدينية» لتحولهم إلى «كائن مقفل» يصلح للعرض في متاحف الديانات، نازعة عنهم الهوية الاجتماعية والثقافية والسياسية والتاريخية، اي كل العوامل التي تصنع الحياة، ما يسهل استخراجهم واقتلاعهم من أرضهم ومن ذاكرتهم الإنسانية والحضارية، ليفتح الباب على توزيعهم القسري على أنحاء الأرض الواسعة من كندا إلى أوستراليا، طالما أن الموضوع بات، وفق هذا التصور، محصوراً بممارسة الشعائر والطقوس. كيف يمكن أن تستقيم هذه الرؤيا المنحرفة حتى مع الارشاد الرسولي نفسه الذي أعاد تثبيتهم في أرضهم ومنبعهم وجذورهم التاريخية والذي بات ربّما من الضروري إعادة تذكير بعض دوائر الفاتيكان بمضمونه ومعناه.
هذا ناهيك عن اغفاله لطبيعة المشرقيين المسيحيين من غير التابعين لسلطة روما ودورهم وموقعهم وتاريخهم. فلا بد بالتالي من استبدالها بمصطلح العرب المشرقيين المسيحيين لما للعروبة من صفة جامعة تسمح بتخطي الشرذمة المذهبية والطائفية والجبهوية والقبلية القادرة على إعادة الاعتبار للهوية الجامعة المدنية القائمة على القانون والمواطنة، والتي لا يختزلها دين ولا مذهب ولا قطر وتقوم على مشروع بناء مستقبل مشترك قابل للتطوير باستمرار. وفي هذا الإطار لمن الايجابية بمكان أن تعلو وتتصاعد وتيرة الوعي لضرورة الانخراط في استراتيجيات الدفاع الوطني عن الوجود في الأرض. ولا يستقيم الكلام عن ضرورة حمل السلاح عند الحاجة، الاّ في هذا الإطار. اما الكلام عن «تسليح المسيحيين» (او غيْرهم) فهو مقاربة تصُب في غير ما تبتغيه. ما هو مطلوب، لدى الضرورة، هو مؤازرة المواطنين للجيش والقوى الامنيّة بصورة واعية ومنظَّمة وبصفتهم مواطنين تحديداً. ألم يقم العديد من الدول بتنظيم «حرس طني» من أجل مؤازرة القوى المسلّحة لدى الضرورة؟
كما أنه من الضروري ايضاً اعلان الرفض القاطع للتهجير المقنَّع «بالإحسان التعاطفي» خصوصاً اذا ما كانت تتخفّى من ورائه مشاريع سياسيّة خبيثة، وإعادة التأكيد أن المشرقيين المسيحيين بحاجة اساساً الى العيش حيث أراد لهم التاريخ الحياة، اي في ارضهم وديارهم الى جانب شركائهم في المصير وبالتفاعل معهم.
وفي هذا السياق كان يمكن البناء بصورة جدِّية على المبادرات التي اقيمت من أجل الاستعادة الإراديَّة لخطوط التواصل التاريخيَّة، من الزيارة الى بلدة براد في سوريا مروراً بمؤتمر الربوَة الإقليمي للمشرقيين المسيحيين، وصولاً الى لقاء «بيت عنيا»…

ضرورة التواصل الإقليمي

على قاعدة ما سبق، وفي إطار تشخيص دقيق للمشاريع التدميرية، يصبح من الضروري إطلاق عدد من المبادرات تحت شعار إعلان حالة طوارئ وطنية وإقليمية (ليس بالطبع بمفهومها القانوني التقليدي، أي إعلان الأحكام العرفية…) من أجل مواجهة الأخطار المحدقة بالدول المعنية وعلى رأسها لبنان وسوريا والعراق (وفلسطين طبعاً كما الأردن).
من عناصر هذه الخطة:
أ ـــ إطلاق برنامج تواصل متكامل يسمح بتوحيد جهود الدول المعنية والتنسيق الواعي والمبرمج في ما بينها إضافة إلى الدول العربية الأخرى المهدّدة بصورة مباشرة كمصر او الجزائر. وذلك وفق صيغ تسمح بالاستفادة من نقاط القوة لدى كل دولة وتساعدها في مواجهة المشاريع الهادفة إلى استفرادها الواحدة تلو الأخرى.
ب ـــ إعادة إحياء آليات التواصل المبنية على المعاهدات المبرمة الثنائية او المتعدِّدة الاطراف (بعد السقوط المدوي لآليات وروح ودستور الجامعة العربية) وتفعيل المؤسسات المشتركة، وبخاصة تلك القائمة بين لبنان وسوريا ومنهما امتداداً الى العراق في المرحلة الأولى.
نعني هنا تحديداً تثبيت العلاقة «من دولة الى دولة»، بما يعني ذلك من مراجعة مشتركة للأخطاء والشطط ومكامن القوّة والضعف، والاستفادة منها من أجل توسيع العمل المشترك إلى دول أخرى. وفي هذا الإطار لا بد من إعادة تصحيح النهج في ما يتعلق بمسألة النزوح السوري إلى لبنان والأردن إذ لا يعقل أن يجري البحث بالموضوع مع دول العالم بمعزل عن المعني الأول والأساس، أي الدولة السورية. كما لا يعقل أن تتم معالجة مسألة التهجير القسري الذي عانت منه مكونات أساسية من العراق (خاصة بعد غزوة الموصل) بمعزل عن الدولة العراقية وذلك رغم الصعوبات وموروث حقبة «حكم» بول بريمير الثالث الكارثية، وهو موروث لا بدّ من تصحيحه إذا ما أرادت الدولة العراقية النهوض بالمجتمع العراقي من الشرذمة الطائفية والمذهبية التي زرع بذورها السامة الاحتلال الأميركي، وفاقمت من مفاعيلها إدارة ضيّقة وأنانية للشأن العام بعد خروج جيوش هذا الاحتلال.
ج ـــ العمل على تخطي المواقف والسلوكيات الضيّقة والمتعصبّة على امتداد دول المشرق من أجل وضع حد لتوظيف الخلافات والاختلافات في صراعات النفوذ على السلطة من أجل تغليب الصالح العام على المصالح الفئوية.
د ـــ العمل على رفع درجة التنسيق في الخطط والاستراتيجيات العسكرية والأمنية الى اقصى درجات الفاعليّة بين الدول الثلاث ومؤسساتها المعنيّة إذ لا تجوز مواجهة خطر عابر للحدود وأدواته الارهابيّة الموحّدة التابعة لفرف عمليات مندمجة، بصورة مجزأة ومعدومة التواصل بين أطرافها المُستهدفة.
هـ ـــ العمل على إيجاد صيغ تواصل بين هيئات المجتمع المنظمة على قاعدة احياء العلاقات المؤسساتية على مستوى الدول من جهة، وأطراف المجتمع المدني الفعلي من جهة أخرى، من أجل تثبيت مقدِّرات الصمود المجتمعي وتفعيلها. الا يفيد، في هذا السياق، أن تتواصل على سبيل المثال لا الحصر، غرف التجارة والصناعة والزراعة والقطاعات المهنيَّة والنقابيّة على انواعها في الدول المستهدفة، من أجل وضع خطة تعاضد عقلانية تبحث في تلبية حاجات صمود واستمرار القطاعات الإنتاجية والقطاعات الاقتصادية التي تضررت بسبب الازمات ومفاعيلها على الأرض، بدلاً من ان تبحث منفردة عن مصالح آنية وأنانية عبر ما يسمّى اقتناص فرص ظرفية تساهم في استعجال تدمير مقومات الإقليم بدل المساهمة البنيوية في إرساء التكامل المستقبلي المنظم والعقلاني؟
أوليْس من البديهيّات، مثلاً، العمل على تنسيق الجهود على كامل الساحة المشرقيّة بين المتاحف الوطنيّة والمؤَسسات المعنيّة بالتراث بالاضافة الى الهيئات الاهليّة والمواطنين، من أجل رسم خطة مشتركة لمواجهة شبكات سلب الآثار المنظّمة وإعادة إحياء وبناء الإرث المعماري المهدّم؟
أليس للمصارف مثلاً دور أساسي في هذا المجال، بدلاً من الخضوع للابتزاز والقرصنة التي تمارسها الولايات المتحدة وبعض الدول الأطلسية التابعة؟ أوليست الأزمة الإقليمية مناسبة لإطلاق عملية تواصل اقتصادي واستراتيجي من مصر وصولاً إلى العراق ومروراً بلبنان وسوريا، من أجل إرساء مسار تاريخي جديد قادر على تصحيح هذا الخلل البنيوي الذي نشأ بعد توقيع اتفاقية «الكوينسي» بالتزامن مع نشوء «دولة إسرائيل» والتي كانت مفاعيله مدمرة اذْ وأدَت عملية التواصل العربي العضوي في إطار مشروع تنموي مندمج ومتكامل؟ قبل أن تتحوّل المفاعيل تلك، تدريجياً، إلى كماشة حصرت بين أنيابها التطور العربي القومي المشترك المنشود، ورسّخت الخلل الهيْكلي الذي شهد تركُّز الثروات المالية الناجمة عن الاستخدام الريعي لمصادر الطاقة في مكان، بينما الثروة البشرية والحضارية التاريخية في مكان آخر. وهو خلل تفاقم بعد جنوح الأرجحيّة السياسية باتجاه دول الخليج بعد حرب 1967، واخراج مصر من المعادلة الاستراتيجية بعد حرب 1973 ومن ثم اتفاقية كامب ديفيد. هذا بالإضافة إلى امتصاص دول الخليج التدريجي للأدمغة والطاقات البشرية الموظفة في اقتصاديات مصطنعة وهشة، ما زاد دول المشرق افقاراً، خصوصاً بعد الدخول مرحلة «العولمة»، وتحويل مال النفط والغاز إلى عنصر بنيوي في الاقتصاد العالمي، والغربي منه تحديداً، وصولاً إلى الحالة المشينة الراهنة التي تشهد توظيف مليارات الدولارات في عملية تدمير ممنهجة لدول ومجتمعات تاريخية.
د ـــ العمل على تنسيق وتضافر الجهود الدبلوماسية المشتركة بين الدول المستهدفة في وجودها من أجل مواجهة الخطط التدميرية وفرض احترام مصالحها ومصالح شعوبها بصورة منسقة في الأمم المتحدة، بالإضافة إلى جهد سياسي ودبلوماسي وإعلامي مشترك في الدول التي لها بصورة أو بأخرى صلة مباشرة بالأزمة التي تعصف في المشرق العربي، وتحديداً الاتحاد الأوروبي ودوله القاطرة، كما في الولايات المتحدة، من أجل لجم الجنوح التدميري لسياساتها المشرقية. أوليس من الضروري القطع مع هذه العقلية التي تنتظر اكتشاف الشهوات والرغبات الصادرة عما يسمى بصورة بشعة «دول القرار» وسفراءها وقناصلها من أجل التأقلم معها أو عرض الخدمات عليها؟ أما حان الوقت لاستبدال هذا السلوك المذل بالعمل على استصدار قرارات وطنية منسقة تعبّر عن مصالح الدول والشعوب والمجتمعات العربية المشرقية مقرونة ببرامج عملية من أجل فرض احترامها في المحافل الدولية؟ لنضع جانباً تقييم سياسات الدول، أوليس من الواجب، بعد صدور «القرار ٢١٧٠» في مجلس الأمن مساءَلة الامم المتحدة عن سلوكها في الجولان المحتل ورفع شكوى ضد «دولة اسرائيل» بعد اعتداءَتها على مواقع الجيش السوري وتصريح رسميين عن تحالفهما مع المنظمات الإرهابيّة؟ اما تنسحب هذه المساءَلة القانونية في المحافل الدولية على دولة تركيا وسلطتها الحاكمة؟
ه ـــ أوليس من الضرورة الحيوية العمل على استنهاض وتوسيع دائرة الحلفاء والأصدقاء الفعليين، المعنيين جوهرياً وبنيوياً بمستقبل ونتائج الصراع الدائر في المشرق العربي، من دول التكتل المعروف «بالبريكس» وصولاً إلى المؤسسات الجامعة الإقليمية والقارية في أفريقيا أو أميركا اللاتينية؟
إلى غير ذلك من المبادرات القادرة على استنفار الطاقات البشرية كافة التي تختزنها مجتمعاتنا العربية المشرقية والتي تمثل القاعدة الأساس في مواجهة المشروع التدميري المتعدد الأوجه والمشارب، والذي يشكل داعش واخواته وجهاً قبيحاً ومتوحشاً من أوجهه البشعة المخفية.
طاقات ما زالت تختزنها مجتمعاتنا العربية المشرقية في الثقافة والاقتصاد والابداع والفن والعلوم والقطاعات الإنتاجية تحتاج إلى تفعيلها بصورة منسّقة وعقلانية في إطار سياسة شاملة ومنظَّمة.
إن مقاومة المشاريع التدميرية تقتضي مواجهتها المباشرة بجميع الوسائل المتاحة وإطلاق ورشة عمل موازية من اجل ارساء قواعد جديدة لبناء المستقبل.
أحلام؟ كلا!
دعوة إلى المبادرة، تتطلب فقط مستوىً معيّن من الترقي الفكري والأخلاقي والسياسي… ونوعية رفيعة من الرجال.
* أستاذ جامعي وعالم اجتماع

:::::

“الأخبار”