«المعتدلون» بين شرم الشيخ ودول الخليج

ثريا عاصي

بادرت الولايات المتحدة الأميركية في شهر تموز 2014 إلى التعبير عن سخطها على تنظيم داعش بعد الحملة العسكرية التي قادها هذا الأخير ضد الحكومة العراقية المركزية. بالتلازم مع ذلك خرجت عن صمتها جامعة الدول العربية ودول النفط الخليجية التي اضطلعت كما هو معلوم بدور بارز في ما أصطلح على تسميته ربيعا أو ثورات عربية. إنضمت هذه الدول إلى جوقة التنديد بالإرهاب الإسلامي الذي ولدته حرب الولايات المتحدة الأميركية على الإتحاد السوفياتي في أفغانستان. حتى أن إمامة الأزهر نفسها، في القاهرة رفعت صوتها إستنكارا لما إرتكبه الإسلاميون في تنظيم داعش من فعلات، مفندة إدعاءهم تمثيل المسلمين وإستحقاق خلافة نبيهم. ما لبثت الولايات المتحدة الأميركية، في خطوة ثانية، أن استصدرت قراراً من مجلس الأمن الدولي يطلب من الدول الأعضاء الإشتراك في كفاح خطورة داعش. إتسم هذا القرار بصفة الوجوب، كونه تحت الفصل السابع. إستتبع ذلك الإعلان عن غارات جوية أميركية على مناطق في العراق، قيل أنها مواقع تابعة لتنظيم داعش، فضلا عن تصريحات لزعماء أوروبيين، في مقدمتهم كالعادة، الزعماء الفرنسيون والبريطانيون عن بدء الإستعدادات العسكرية، مرة أخرى، للتدخل في شؤون الناس في بلاد العرب، هذه المرة ضد تنظيم داعش الذي فتك بالمسيحيين والإيزيديين في العراق، وقتل صحافيين غربيين ! مجمل القول ان الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا وبريطانيا، سوف تتخذ من أكذوبة داعش ذريعة للتدخل في شؤون العراق سوريا، كون داعش متواجدة في البلدين الأخيرين. من المحتمل جدا أن لـداعش أيضا حضورا في لبنان ما يزال ضمن حصون المذهبية. تجدر الملاحظة هنا الى أن الحكومة العراقية وافقت على عودة القوات الأميركية، في حين أن هذه الأخيرة تزعم إستنادا إلى قرار مجلس الأمن الآنف الذكر، أنه يجوز لها القيام بعمليات عسكرية على الأراضي السورية دون التنسيق أو الحصول على إذن من الحكومة السورية. بمعنى آخر أن الحلف الأطلسي، بزعامة الولايات المتحدة الأميركية، صار شريكا مباشرا في الحرب على سوريا. فهو في هذه البلاد، ضد داعش وضد الحكومة السورية في آن واحد. بينما يريد هذا التحالف في العراق، ضرب داعش فقط بحسب إدعائه. تجسد هذا كله، اي سقوط أقنعة الثورة وظهور الحلف الأطلسي بما هو طرف أساسي ومحوري في الفواجع التي أصابت الناس في بلاد العرب، تجسد في مؤتمر جدة الأخير. كانت مؤتمرات مكافحة الإرهاب تعقد في السابق، في زمان الرئيس مبارك، في شرم الشيخ. نمي إلى العلم أن مؤتمر جدة خصص جلساته للبحث في طرق محاربة داعش، ومعالجة الأوضاع في سوريا. إقتصر الحضور فيه حصرا على الذين يشاركون في الحرب على سوريا. أي أنه لم يكن مؤتمرا من أجل إيجاد حل سياسي، بل كان مؤتمرا من أجل تنظيم الصفوف لمواصلة الحرب. لذا تم إقصاء الحكومتين السورية والإيرانية، وحضرت الحكومة التركية. من البديهي أنه لو كان التطبيع يلبي ويلائم متطلبات المشروع الإستعماري الجديد في المنطقة العربية، لما كانت هناك حاجة للثورات في بعض البلاد العربية المركزية، بقصد إسقاط مشروع الدولة الوطنية فيها، وبالتالي إلغاء المشروع العروبي الذي كانت الغاية منه إرساء دعائم التضامن والتنسيق والتعاون بين الدول العربية. المطلوب على الارجح هو أكثر من الإعتراف بوجود دولة للمستعمرين الإسرائليين على أرض فلسطين، ربما أكثر من الشراكة مع هؤلاء المستعمرين. كان التطبيع واقعا. لقد أنجز معسكر الإعتدال المهمة على أكمل وجه، حيث شرعت أبواب الدول النفطية الخليجية أمام الإسرائيليين، الأمنيين والسياسيين ورجال الإعمال.المعروف أنه من منطقة الخليج النفطية يتسرب النفط والدولار إلى سائر بلاد العرب. هذا يفسر، في أغلب الظن أسباب نشوء حلف جديد، بموازاة الحلف القديم القائم بين الإسلاميين الوهابيين، الأصوليين، من جهة وبين القوى الإستعمارية والإمبريالية الغربية من جهة ثانية، حلف بين هذه الأخيرة وبين الإخوان المسلمين. وحده هذا الحلف الجديد، كان قادرا على إشعال النار في تونس ومصر واليمن وسوريا في وقت واحد. بكلام أكثر وضوحا وصراحة كان تنظيم الإخوان المسلمين أكثر فعالية من تنظيم القاعدة وفروعه في قدح شرارة الثورة في تونس ومن ثم إيصالها إلى اليمن ومصر وسوريا. أكتفي من هذا لأسأل، لماذا تقيم دول الخليج معسكرات تدريب على أراضيها، للمعارضين المعتدلين السوريين؟! ألا تكفي المعسكرات المماثلة في الأردن وتركيا وليبيا؟ لو كنت مكان الذين أصروا على أن في سوريا ثورة عظيمة لاعتذرت من السوريين ولكفرّت عن الإثم الذي ارتكبته، بالسكوت! هل يعني ذلك أن معسكر المعتدلين الذي كان يعقد إجتماعاته في شرم الشيخ بحثا عن السلام مع المستعمرين الإسرائيليين، تحول في دول الخليج الى معسكر للتدريب على السلاح. هل أن المعارضين السوريين الذين يلتقون ممثلي العدو الإسرائيلي، في فلسطين المحتلة وفي دول النفط الخليجية، هم من المعتدلين ام لا؟ من يعبر أكثر، عن مشاعرنا كسوريين ولبنانيين وفلسطينيين؟ نزعم بأن لنا حقوقا إغتصبها المستعمرون، رجل الدين المسيحي، بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك، البطريرك غريغوريوس الثالث لحّام، الذي خرج من عشاء في مؤتمر عقد في الولايات المتحدة الأميركية، لدعم المسيحيين في الشرق، إحتجاجا على خطب ألقيت تأييدا للمستعمرين الإسرائيليين، أم المعارض السوري الذي ذهب إلى فلسطين المحتلة من أجل حضور مؤتمر الحركة الصهيونية في هرتزيليا؟!

:::::

“الديار”