محاربة الارهاب بين جدية المتضررين و استعراض المستثمرين

العميد د. امين محمد حطيط 

تشهد المنطقة راهنا  فصلا آخر من فصول العدوان عليها ، قد يكون الاكثر خبثا و نفاقا  ،يتمثل بالادعاء الاميركي بمحاربة الارهاب و تحشيد ما امكن من اجل ذلك ،  فاميركا التي سعت الى الارهاب و اعتمدته اداة لتنفيذ مشروعها الامبراطوري الكوني ،  تأتي اليوم متظاهرة بالتنصل  مما اقترفت يداها و تدعي بانها تعمل من اجل انقاذ العالم من شرور الجماعات و التنظيمات الارهابية التي ما كانت الا منتجات اميركية .

 و من جميل المفارقات ان يجاهر رئيس المخابرات البريطانية بالقول بان “الغرب كان مذنبا عندما دعم المنظمات الارهابية و احتضنها  و ان عليه  التعاون مع سورية من اجل القضاء على الارهاب ” . و كانت هيلاري كلنتون وزيرة الخارجية الاميركية السابقة  ، جاهرت هي الاخرى بان اميركا “اخترعت القاعدة” و انها” اختراعت داعش و اناطت بها مهام تخدم المصالح الاميركية ”  و بذلك يتكامل الموقفان الغربيان لتأكيد ما نحن على قناعة مطلقة به ، و ليتنقضان مع الادعاء الغربي اليوم حول السعي لمحاربة الارهاب ،و هنا  يطرح السؤال حول حقيقة الموقف الاميركي و جديته في انشاء تحالف دولي لمحارب الارهاب ؟  خاصة و ان في سلوكيات اميركا الراهنة ما يناقض ادعاءاتها .

ففي موقف اخير  للكونغرس اميركي ،  قررت اميركا تدريب و تسليح و تمويل ما اسمته “المعارضة المعتدلة”  في سورية  بعد ان فتحت السعودية اراضيها لاقامة معسكرات تدريب تستوعب في المرحلة الاولى حوالي خمسة الاف ارهابي سينشؤن على يد ضباط اميركيين ، لاعدادهم للقتال في  سورية ضد  جيشها و شعبها و سلطاتها الشرعية . هذا هو ما اعلنته اميركا و السعودية و فاخرا به بكل وقاحة . و هنا لا نحتاج الى جهد في الوصول الى حقيقة مفادها ان كل من ينخرط في عملية دعم المسلحين في سورية انما هو يدعم الارهاب ، وفقا لما تنص عليه قواعد القانون الدولي .

فسورية دولة ذات سيادة و لها حكومتها الشرعية التي يعترف بها العالم و تحتل بكل جدارة مقعدها في الامم المتحدة و في كل الهيئات الدولية المتفرعة عنها  و لديها السفراء من و في معظم دول العالم (باستثناء تلك التي انضوت فعليا في جبهة العدوان عليها) .  ما يعني ، في ظل هذا الواقع القانوني للدولة السورية ، ان  عمل اميركا و عمل السعودية في تدريب الارهابيين و ايفادهم للقتال في سورية يعتبر عملاً ارهابيا عدائيا و بمثابة اعلان حرب على دولة مستقلة ، وهنا يطرح السؤال كيف يوفق من يدعي محاربة الارهاب بين ادعائه ذاك  و بين سلوكه الفعلي في تنشئة الارهابيين ؟

و في مشهد آخر ، يرى العالم كله كيف ان سورية المعتدى عليها ، تواجه العدوان الارهابي و تخوض معركة دفاعية قاسية على اكثر من موقع و منطقة ، و قد حققت في حربها تلك انجازات هامة جعلت الارهابيين ييأسون من قدرتهم على تحقيق اهداف العدوان الاميركي على سورية ، و رغم ذلك فان اميركا تجاهر برفضها التنسيق مع الجيش العربي السوري رغم انها تعلم ان هذا التنسيق ان حصل  ،  سيكون من شأنه تخفيف المعاناة و الاسراع في تحقيق نتائج الحرب على الارهاب، و هذا الامر مسلم به لدى كل الخبراء و المعنيين بالشأن العسكري و الاستراتيجي و ما قول رئيس المخابرات البريطانية الا شهادة من اهل البيت الغربي للتعبير  عن  هذه الحقيقة .

و رغم ذلك تصر اميركا على الاحجام عن هذا التنسيق و تدعي انها ستقدم الدعم الناري من الجو لقوى برية تعدها في السعودية و ستكون جاهزة للعمل في الميدان بعد سنة ، عديدها 5 الاف ستستخدمهم على كامل المساحة السورية ، في خطة تثير السخرية و تعتبر من قبيل الاستعراض و التسويف الذي لن يوصل الا الى منح “داعش” وقتا اضافيا لارتكاب جرائمها.

و على الصعيد التركي نجد المشهد اكثر فظاظة و فظاعة ، فتركيا العضو في الحلف الاطلسي الذي اجتمع في ويلز في بريطانيا مؤخرا و قرربالاجماع  اطلاق الحرب الشاملة على الارهاب ، و طبعا كانت هي بين الموقعين على قرارات الحلف ، تركيا هذه تتصرف في الميدان بما يعاكس تماما القرارت التي وقعت عليها ، و اضافة  الى  لعبها اليوم دور الداعم و االراعي الرئيسي ل”داعش ” الارهابية على كل الصعد العسكرية و الاقتصادية و الاعلامية ، فانها و بكل وقاحة و تحت اعين العالم ، تقدم ل”داعش” المساعدة الميدانية التي مكنتها مؤخرا من افساد امن القرى السورية التي يقطنها مواطنون اكراد سوريون  ، و تسببت بتهجير معظم سكان تلك القرى التي عاث فيها ارهابيو “داعش ” فسادا ، في عملية اجرامية نفذت في ذات الوقت التي كانت تشارك فيه تركيا بمؤتمرات دولية برعاية اميركية لمحاربة الارهاب من ويلز الى جدة فباريس و نيريورك .

اما فرنسا التي تعرض عضلاتها في العراق في طلعات جوية استعراضية و تدعي انها مع لبنان لمواجهة الارهاب الذي يهدد امنه و سيادته ، فان سلوكها الفعلي و تصرفاتها تغاير ما تعلن ، و بدل ان تسارع الى تسليح الجيش اللبناني الذي يواجه خطر الارهاب بشكل جدي بعد ان باتت المنظمات الارهابية على ارضه تعتدي على مراكزه و تقتل جنوده او تخطفهم و ترتكب الجرائم الوحشية بحق المخطوفين بسادية مقيتة ، ورغم علمها بحاجة الجيش اللبناني الملحة للسلاح و الذخائر في الحرب التي فرضت عليه ، نراها تناور و تماطل و تسوف بالتناغم مع السعودية التي اعلنت عن “مكرمة التسليح ” ، حتى لا يصل السلاح و الذخيرة الى الجيش ، رغبة منها في انهياره امام الارهاب و تمكين التنظيمات الارهابية من التوسع داخل لبنان على حساب امنه و سيادته ، من اجل تطويق المقاومة و ترهيب حاضنتها الشعبية .

هذا غيض من فيض سلوكيات مكونات “التحالف الدولي” المزعوم  لمحاربة داعش و ارهابها  ، سلوكيات تؤكد ان مواقف تلك المكونات ما هي الا استعراض يريد منه اصحابه الوصول الى اهداف مخفية تشكل حلقات اخرى من سلسلة الاستثمار الغربي في الارهاب ، و نحن على قناعة بان الغرب الذي ابتدع الارهاب و انتج بيئته و احتضنه ، يستمر في هذا السلوك طالما انه مصر على نهجه الاستعماري ، الهادف الى مصادرة قرارات الشعوب و ثرواتها.

 ان تظاهر الغرب اليوم بالسعي الى الحرب على الارهاب هو نفاق واضح   يبتغي اصحابه خداع المتضررين بالارهاب و حضهم على الاسترخاء بما يمكن الارهابيين من تنفيذ المزيد من الجرائم و تحقيق اهداف الغرب في  الميدان.لكن شعوب المنطقة التي تكتوي بنار الارهاب اليوم تعرف انها هي الضحية و ان  العبء في المواجهة الرئيسية يقع عليها و لهذا  نراها تتصدى  للارهاب  بكل ما لديها من قوة ، بدءا بسورية  ، و العراق  ثم  لبنان الذي وجد نفسه مرغما على ذلك  .

و بين هذا و ذاك  تشكل على المسرح  فريقان : كتلة المتضررين من الارهاب و كتلة رعاة الارهاب و المستثمرين فيه . الاولى  تواجهه  بجدية بكل الوسائل المتاحة ، و الثانية  تدعي  زورا مواجهته و تقوم بحرب اعلامية استعراضية مطعمة ببعض الحقنات و الجرعات النارية لحجب المناورات الخادعة . ما يعني استبعاد اي لقاء جدي بين الفريقين و ان تقاطعت المصالح لحظة ما عند استهداف موقع ارهابي بنار غربية فالتقاطع يكون عابرا لا يغير من جوهر الاشياء ،لان المنطق يفرض التنافر  بين من يريد اجتثاث الارهاب و انقاذ البلاد و العباد من شروره ، و بين من يستثمر بالارهاب و يمكنه من نشر سوئه و فساده .

 هذه الحقيقة  توجب الحذر و التنبه و عدم المراهنة مطلقا على التحلف الدولي الاميركي  المزيف الذي غايته البعيدة سحب البساط من تحت ارجل المقاتلين الحقيقين للارهاب و منعهم من استثمار انجازاتهم التي تحققت خاصة في سورية وفقا للاستراتيجية الواقعية  التي ظهرت مفاعيلها الايجابية بوضوح ما ادى الى  احتواء  الهجوم الارهابي و التطهير  المتدرج للكثير من المناطق وفقا لجدول اولويات يأخذ بالاعتبار طبيعة الحرب المفروضة و قدرات العدو الظاهر و العدو المستتر .

لقد لجأت سورية الى استراتيجيتها تلك  بعد ان ادركت ان العدو يريد ان يقتادها الى حرب استنزاف يقضم خلالها قواها فيرهقها و يدفع اهلها الى اليأس فالاستسلام ،  فواجهت تلك الخطة الشيطانة و نجحت في اجهاضها و هذا ما اغاض العدو و دفعه لتشكيل تحالفه المزيف .

و في لبنان  يبدو ان البعض استفاق مؤخرا على ما يحاك له و اضطر الجيش بعد ما مني به من خسائر ان يفتح ناره على الارهابيين  بشكل مؤلم في عرسال  و جرودها ، و الامر ذاته يحدث في العراق منذ مسرحية الموصل الداعشية ، حيث ان قوات الحشد الشعبي تعمل الى جانب بعض قطعات الجيش العراقي في مهمة مماثلة .

ان المتضررين من الارهاب الغربي المنشأ و القيادة ، ملزمون  بمواصلة حربهم القاسية ضده دون الاتكال على الاخرين و تحالفاتهم المزيفة ، و ملزمون بالاستمرار في هذه الحرب التي باتت تشمل العراق و لبنان اضافة الى سورية ، ما يفرض  على هذه البلدان  الثلاثة و معها حلفائها و في طليعتهم ايران و روسيا ، اعتماد خطة محكمة و تنسيق جدي في الميدان  ، لان ” اهل مكة ادرى بشعابها ” دون ان يغفلوا القاعدة الذهبية بان ” الامن الوطني لا يتحقق الا اذا كان جزءا من امني اقليمي و قومي شامل ” ، اما الظن بان اميركا ستنقذ المنطقة من الارهاب الذي رعته ، فانه ظن يقود الى الانتحار و يمكن  اميركا من تحقيق ما عجزت عنه خلال العقدين الماضيين .

:::::

“الثورة”، دمشق