المفكر والمؤسس

د. موفق محادين

ما من مشروع أيديولوجي أو سياسي تحول إلى واقع في زمن المفكر الأول، فهو يبذر فكرته ويمضي إلى أن يظهر من يترجمها في دولة أو أيديولوجيا تاريخية أو مغامرة سياسية فاشلة، ومن ذلك:

-1 إذا كان موسى قد أوحي له بالألواح المعروفة، فإن المؤسس الحقيقي لليهودية هو (موسى الثاني) أو موسى بن ميمون، وإذا كان ابن ميمون قد استفاد من تسامح صلاح الدين الأيوبي، فإن ابن ميمون في الوسط اليهودي وعند علماء التاريخ والأديان الأوروبيين، هو مؤسس التلمود والشروح والإضافات المتطرفة.

-2 إذا كان يسوع أو المسيح قد أوحي له بفكرة الفداء والقربان المسيحي، جوهر المسيحية، فإن بولس هو الذي أرسى دعائم المسيحية سواء بناء على حلم على طريق دمشق حوّله من شاؤول (اليهودي) إلى رسول الأمم، أو في سياقات حاجة الإمبراطورية الرومانية إلى أيديولوجيا تؤمن سيطرتها على جانبي البحر المتوسط.. الجانب الوثني والجانب الإيماني، جوبتير والثالوث المقدس، وليس بلا معنى هنا اسم بولس نفسه من بوليس (المدينة التي كانت ترمز إلى الدولة أو الأمة آنذاك).

-3وفيما يخص المذاهب والتيارات التي ارتبطت بتأويلات الإسلام فالإمام أبو حنيفة هو مرجع الشعوب والأمم غير العربية في السياسة وخاصة الأتراك، والإمام ابن حنبل ثم ابن تيمية هما مرجع التأويلات المتشددة لأهل السنة.

وبالانتقال إلى المستوى المذهبي السني – الشيعي – فالترجمات الأولى لسلطة أهل السنة كانت آسيوية غير عربية بين الخوارزمية والغزنوية وبلاد فارس التي ظلت المركز الرئيسي لأهل السنة حتى القرن الخامس عشر، بالإضافة للموجة الكردية بقيادة صلاح الدين الأيوبي والتي تمكنت من إقصاء وإخراج الفاطمية في مصر وبلاد الشام.

أما على المستوى الشيعي فالإمام جعفر ثم الفقيه علي الكركي (من أصول تعود إلى مدينة الكرك الأردنية) هو مؤسس الولاية الشيعية في مراحلها المختلفة (الصفوية التركية) ثم مرحلة الخميني الذي تتفاوت الآراء في أصوله الآسيوية (تركي أم فارسي أم أفغاني).

-4 ولنا أن نضيف ثنائيات محمد بن عبد الوهاب وابن سعود، وعثمان مؤسس الدولة العثمانية والشيخ أده بالي مؤسس الطريقة البكتاشية أيديولوجيا الانكشارية.

-5 ونعرف أن مؤسسي المشروعات القومية لم يكونوا في غالبيتهم من (صلب) البلدان التي عاشوا فيها من هتلر النمساوي إلى نابليون الكورسيكي إلى إسماعيل الصفوي التركي في إيران.

-6 كما أن أكثر من أيديولوجيا شمولية لم تر النور في البلد الأصلي لصاحبها كما هي الحال مع ماركس الألماني الذي ازدهرت.