هل اسكتلندا مقدمة لتفكك الرأسمالية من المركز؟

(محاورات في الاقتصاد السياسي 8)

عادل سمارة

خسر الإستقلاليون في اسكتلاند فرصتهم الأولى في التصويت  على الاستقلال عن بريطانيا خسارة ليست كبيرة. لكنهم رغم الخسارة  أسسوا لتطور هام جدا في المركز الأقدم للراسمالية، بريطانيا. ولا شك أن الوضع الاقتصادي هو العامل الحاسم في النهاية وراء الرغبة في الاستقلال. فالاقتصاد عامل تمكين وتمتين وكذلك عامل تفتيت للدول وخاصة التي تضم عدة قوميات أو إثنيات. ألم يكن الاقتصاد وراء تفكك الاتحاد السوفييتي؟ وإذا كانت هذه المحاولة في اسكتلندا عبر صناديق الاقتراع، فهناك حالات مقاومة في اوروبا الغربية بالسلاح من أجل الانفصال، الباسك نموذجاً في تمرد المقاطعات الثلاث المحتلة من إسبانيا ومقاطعتين محتلتين من فرنسا ناهيك عن جنوب فرنسا وعن كتالونيا في إسبانيا…الخ. كما أن هناك تململ في ولايات أمريكية مؤخراً للانفصال عن الفدرالية. فبدء تفكك المركز الرأسمالي الإمبريالي  الإوروبي تحديداً هو مؤشر على عمق أزمة النظام الرأسمالي.  الأزمة التي تحاول الولايات المتحدة تجنبها بحروب الإنابة كنمط جديد لتوحش راس المال.

فلم يكن تفوق الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية مجرد وراثة لأوروبا بل سيطرة أمريكية عليها إلى الحد الذي جعل من أوروبا تابعة سياسيا واقتصاديا وحتى ثقافيا رغم تراثها الثقافي الأغنى. كان مبرر سيطرة أمريكا هو إعادة إعمار أوروبا أي إلحاقها.

لعل أحداث أوكرانيا وقرار الولايات المتحدة فرض عقوبات على روسيا وهي عقويات وقعت آثارها الاقتصادية على اوروبا التي لم تشهد معارضات قوية بناء على:

·        ضعف القوى التقدمية في أوروبا

·        أو إنتهازية اجتماعية مجتمعية ترى من مصلحتها في النهاية

إضعاف او تصفية أي بلد له نهج اقتصادي قومي خارج هيمنة المركز الراسمالي الكلاسيكي الذي هي منه وإن لم تعد هي اي اوروبا رأس هذا المركز.

·        أو قوة اليمين الأوروبي سواء في راس السلطة أو في منافسيه الأشد يمينية بل فاشية.

وحيث لم يفرز هذا التحكم الأمريكي رد فعل شعبي ضد الفرض الأمريكي الأمر الذي يمكن تفسيره بمن يقرا السياسة الأوروبية والاقتصاد يرى بأن الولايات المتحدة تبدو الدولة المستقلة الوحيدة في عالم راس المال وأوروبا الغربية دول حكم ذاتي وبقية العالم مستعمرات.

كيف لا، ولم تشعل الولايات المتحدة اي حرب منذ الحرب العالمية الثانية، سواء خلال حقبة الحرب الباردة، او ما بعد تفكك الاتحاد السوفييتي ، اي الحرب الساخنة على المحيط، ما من حرب كهذه إلا ومورست تحت تسمية تحالف ما بدءا من منع تحرير كوريا الجنوبية وصولا إلى العدوان على العراق. 1991 و 2003، وزعم الحرب على داعش في إهاب حرب على سوريا.  وحتى في العدوان الصهيوني على غزة كان الموقف الأوروبي في اذيال الأمريكي.

 في علاقات التبعية هذه، وغياب القوى التقدمية أو هشاشة وضعها، لا تنفع النقابات ولا البرلمان  فجهاز الدولة  وادواتها وقيادة الشركات لها تخصي كل شيء. إن مأزومية الاتحاد الأوروبي الاقتصادية ومن ثم تبعيته السياسية لأمريكا هي عامل مساعد على بدء تفكك في اوروبا الغربية وإن كان بطئياً مما ينذر ببلقنة المركز الراسمالي.

هذا الخلل في بريطانيا يمكن قرائته كمقدمة أولية جدا على تفكك المركز الراسمالي من محيطه الأوروبي (وهذه تسمية افتراضية من جانبنا) رغم ان بدء الأزمة كان في الولايات المتحدة المركز الرئيس للنظام الراسمالي العالمي، وصاحبة ما كان يُدعى “اقتصاد الملاذ الأخير”.

هنا تحضر مسألة اساسية فيما يخص الثورة العالمية في مواجهة الثورة المضادة. وهذا يُطرح سيناريوهان: الأول هو استنتاج ماركس بأن الثورة او الانتقال أو التحول إلى الاشتراكية سيتم /يبدأ في مركز النظام  الرأسمالي العالمي . والثاني، بأن الثورة الاشتراكية سوف تبدأ أو على الأقل سيكون المحيط مفجر الثورة بحيث تنتقل بضغط المحيط إلى المركز. وهذا موقف او تحليل الاتجاه العالمثالثي بين التنمويين.

 ولكن يبدو أنه طالما التاريخ لا يسير بشكل خطي فإن التحليل كذلك يجب ان لا يسير بشكل نمطي وخطي. ذلك لأن الثورة ليست مسألة جغرافية بمعنى تطهير منطقة والانتقال إلى أخرى، بل هي مسألة تفاعل وتواصل وتداخل معاً وقد يكون توازيا وتواكباً.

صحيح أن الأزمة المالية الاقتصادية في المركز منذ 2008 تفعل فعلها في خلخلة اسس النظام الرأسمالي، وهو ما دفع الطبقات الحاكمة (دولة وشركات) إلى إعادة دور تضبيطي Regulation للدولة على السكت بعد ان تم تقويض اي توجه تضبيطي لا سيما في فترتي ريجان بأمريكا وتاتشر في بريطانيا ومن ثم فترة بوش الإبن وحكم المحافظين الجدد. وترمي استعادة التضبيط إلى حفظ النظام من الحراك الطبقي للطبقات الشعبية.

ولكن، اين مساهمة المحيط في هذه الأزمة حيث تمر بلدان المحيط بفترة من التبعية أعمق مما كانت عليه في سنوات الموجة القومية الثانية اي فترة التحرر الوطني في المحيط وهي التي أوحت باحتمال دور فاعل للمحيط في الثورة العالمية عبر تأثير المحيط بممارسة دور من فك الارتباط مع المركز مما يُحدث أزمة اقتصادية تتحول إلى اجتماعية سياسية.

لكن ثورات المحيط انتهت معظمها إلى استقلالات سياسية ولم تقطع اقتصاديا مع المركز الراسمالي في المركز، ، بل إن معظمها انتهت السلطة فيها إلى طبقة الكمبرادور الأمر الذي اخضعها اكثر للمركز وخاصة في الفترة التي تلت الازدهار الكبير ما بين 1945-1965. بمعنى انه حينما بدأ معدل الربح في الهبوط في المركز فتح المحيط أبوابه لصادرات المركز مما ساعد على تحفيف ازمة المركز التي تم ضبطها في حدود إدارة الأزمة.

ولا يختلف الأمر اليوم عن السابق،  ففي الأزمة الحالية للمركز تمكنت دول العشرين من كبح اية توجهات لدول المحيط كي لا تحاول اختيار سياسات حمائية. كان الوعظ من المصرف والصندوق الدوليين، والضغط من انظمة المركز بإبقاء المحيط على اسواقه مفتوحة لمنتجات المركز.

بكلام آخر، فإن حقبة العولمة (لنقل منذ الربع الأخير من القرن العشرين حيث صعودها العنيف والسريع وحتى اليوم حيث مأزقها غير المتوقع زمانه) هذه الحقبة جلبت معها مناخ توليد الموجة القومية الثالثة اي خلق دويلات إثنية وطائفية تقوم على حساب تفكيك دول مثل الاتحاد السوفييتي والعراق والسودان ويوغسلافيا ولم تتوقف بعد، اي موجة قوميات لبرجوازيات هي كمبرادورية سلفاً  تابعة  وطفيلية ولا وطنية هي حالة ارتدادية في المحيط.

 ولكن ، وهذا امر طريف ومفارق، بمعنى ان هذه التوابع سهلت على المركز هيمنته على المحيط مما يفترض أن يساهم  ذلك في تخفيف أزمة المركز. ولكن المفارقة أن فقر وإفقار المحيط لعب دوراً في تدني معدل الاستهلاك على صعيد عالمي  مما حال دون تصريف موسع لمنتجات المركز ناهيك عن وجود وبروز الدول القومية الصاعدة التي تقتطع هوامش أوسع من السوق العالمية على حساب المركز. أي أن المحيط ساهم في أزمة المركز بقوة ضعفه! وبهذا خلق المركز نقيضيه:

·        توحشه المالي والربحي دفع البلدان الصاعدة (بريكس) لانتهاج سياسات قومية تنموية تنافس المركز

·        ونفس توحشه خلق من المحيط قوة استهلاك ضعيفة لا تستوعب الكثير من منتجاته.

التطور البائس جدا في هذا السياق كان ولا يزال بل يتسارع هو دور الأنظمة العربية في الاستماتة لإنعاش اقتصاد المركز الأمريكي ومحيطه الأوروبي عبر:

·         تحويل محتويات صناديقها السيادية لانقاذ اقتصادات المحيط

·        تمويل حروب الإرهاب ضد الدول العربية ذات التوجه المقاوم وضد حركات المقاومة.

·        تحويل مقادير أخرى من السيولة المالية إلى المركز كمشتريات اسلحة وخدمات لوجستية.

·        ممارسة الحرب بالإنابة عن المركز

إن الأزمة الحالية هي أزمة تراخي قبضة المركز على الاقتصاد العالمي وهو تراخ اقتصادي تحاول الولايات المتحدة تعويضه بالاحتفاظ بأسواق المحيط بالحرب  المباشرة أو مؤخرا بحرب السماء وحرب الإنابة.

هذا التراخي بدل ان تسستغله الأنظمة العربية، قامت بالعكس تماماً اي بإسعاف المركز والقيام بعدوان هدفه تقويض المقاومة والتماسك القومي العربي.

لعل الفارق بين التبعية الأوروبية والعربية أن أوروبا شريك ولو صغير مع الولايات المتحدة (نقصد هنا شراكة راس المال والشركات) بينما القطريات العربية تدفع ولا تتلقى عائدا. كما ان السيولة المالية المتوفرة لديها كريع  تساهم في تنشيط الاستهلاك كدول جزء من المحيط بعكس بقية المحيط الذي يعزز أزمة المركز بعجزه الاقتصادي وليس بقوته مما يضع الدول العربية في خانة الخسارة الصافية اقتصادبا من جهة، وأكثر قوى الثورة المضادة رجعية إلى حد عدائها لأمتها وحتى لقطرياتها.