أربعون دولة لمحاربة داعش!

وخشبة مسرح اللامعقول: بلاد العرب!

رشاد أبوشاور

في مسرحية ( كاسك يا وطن) يرّد ( غوّار) على سؤال والده الشهيد، كيف أحوالكم يا ابني؟ : الله وكيلك يا أبي صرنا فرجة!

نعم، نحن عرب هذه الأيام بتنا فرجة لكل العالم، وياليتنا فرجة و..حسب، فنحن ندفع  من حسابنا، وعلى حسابنا..ثمن الفرجة، وهي فرجة مكلفة لنا، فأرضنا تنوح، وناسنا يصرخون، وثمّة حكّام يضحكون، ومنهم من يفرك راحتيه سعيدا بشطارته، فتفكيره يذكرنا بجحا: حادت عن ظهري بسيطة!.

ولأن الفرجة مأساوية، والمسرح العربي السياسي مسرح دموي لامعقول، فإننا لا نكتفي في بلاد العرب باستعادة الجريمة الأولى في حياة البشر: قتل قابيل لأخيه هابيل، إذ في المشهد العربي أكثر من قابيل يحزون رقاب هابيلات!.

ولأننا في مسرح لامعقول فإن هناك في بلاد العرب من يدفعون ثمن الخناجر التي تحز أعناق من يفترض أنهم أشقاؤهم..وهم سعداء، يتباهون بانتصارات يحسبون أنها تتحقق بدهائهم، وذكائهم، في حين إنهم ( أدوات) في أحسن أحوالهم، وهم يكررون حكاية الثورين الأبيض والأسود، دون أن يأخذوا العبرة، لأننا في بلاد العرب نُساق وراء الجهل والجهلاء، ويمضي بنا من لا صلة لهم بالتاريخ، ولا دراية لهم بالجغرافيا، ولا يعنيهم أننا في منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين!

ضاعت ثروات العرب، وبددت، ولم يهتبلوا فرصة ثروات النفط والغاز، وها هم في ذيل الأمم تطورا وتقدما، فلا شأن لهم بالصناعة، وهم يستوردون ما يأكلون ويلبسون، وغدا سيجلسون متحسرين على ما أضاعوه بأيدي ( بعضهم)، ممن كان بمقدورهم أن يفعلوا شيئا لهذه الأمة، يدخلها في مسار التطور والتقدم.

على أرض سورية يتوافد ( الإرهابيون)، يخترقون الحدود السورية، ويدمرون بلدا وشعبا، وهم يجأرون بصيحات: الله اكبر..وتحتها يذبحون العربي المسلم والمسيحي، والكردي، والإيزيدي، ويذبحون المدني الأمريكي، والفرنسي، والبريطاني..وهؤلاء ( المجاهدون) يتعالجون في مستشفيات  الكيان الصهيوني، ليعودوا ويستأنفوا حربهم الجهادية التدميرية في سورية، ويتمددوا إلى العراق، ولبنان، ومصر، وهم يتوعدون بلدانا عربية بعضها لم يقصّر معهم تسليحا وتدريبا ورعاية ..ولكنهم شقوا طريقهم على اسم الله، وباتت لهم أموالهم من نفط سورية، ومن دعم يغدقه أثرياء عرب أقحاح لا يوظفون ثراءهم لمواجهة البطالة والفقر في بلاد العرب، وإنشاء مشاريع تستوعب مئات ألوف الشباب العربي المتعلّم و..الذي لا يجد عملاً، وتنغلق في وجهه سبل الحياة!

الإرهاب لم يهبط من السماء، بل نبع من الأرض، وله أسباب فرّخته، ولا يمكن أن تواجه بقصف الطائرات التي بطيارين، أو الموجهة تقنيا بدون طيارين.

أمريكا تجمّع أربعين دولة..قابلة للزيادة، وتقصف مناطق في العراق، بعد أن استشرى شر داعش، والنصرة، وغيرهما..ومتى؟ حين وصل الخطر إلى ( كركوك) المدينة النفطية العراقية، ومناطق الأكراد، وبدأ تهديد( المخلوق) الداعشي بتوعد أمريكا نفسها، وأوربة جارة بلاد العرب!

قبل ذلك تُركت سورية وحدها تقاتل داعش، والنصرة، والجبهة الإسلامية، والكتائب والألوية..وكلها تصرخ مع الذبح، والتدمير، ونشر الخراب، وتهجير السوريين من قراهم ومدنهم: الله أكبر..وكلها تدّعي أنها تعمل على قيام الدولة الإسلامية.. وهي تركت تستفحل بجرائمها، لأن تدمير سورية أمر مرغوب ومطلوب من أمريكا، ومن أطراف عربية لم تكتف بدمار العراق، وما جره على العرب أجمعين، فهي لا تعيد الحسابات، ولا تتعلم!

هل قصف الطائرات والصورايخ بعيدة المدى سيهزم داعش والنصرة، اللتين أدينتا في مجلس الأمن، وهيئة الأمم، واتخذت ضدهما قرارات الإدانة والتجريم؟!

لا القرار 2170 ولا غيره يبشّر باجتثاث داعش وأخواتها، ولا حرب الغارات الجوية بقيادة أمريكية، والتحاق طائرات دول عربية سيهزم ( الإرهاب)، لأن هزيمة الإرهاب تقتضي معالجة أسبابه، وهذه في مقدمتها تحقيق العدل الاجتماعي، ونشر العلم والمعرفة، ومعاملة المواطن العربي كمواطن فعلاً لا قولا، وإشراكه في رسم مصير وطنه، و( إنقاذ) المسجد من الجهلة الذين يفتون بما لايعرفون، وتلقين المواطن أسس المواطنة التي تجمعه مع غيره، فالوطن للجميع، وليس هناك فرق بين مسلم ومسيحي، وبين طائفة وطائفة، فلا أكثرية وأقلية في الوطن الواحد.

فهل تفعل هذا( الدول، والدويلات العربية) التي تتبع طائراته للمشيئة الأمريكية غير الخافية المآرب؟!

نحن فرجة فعلاً، ولا ندري إلى أين ستذهب بنا الطائرات المغيرة على العراق، وسورية، والتي أغارت من قبل على ليبيا فتركتها هباء منثورا!

الطائرات تدمّر ثروة نفطية سورية تسيطر عليها داعش! أهذا عقاب لداعش، أم حرمان لسورية من ثروتها النفطية التي ستعينها على إعادة إعمار ما خرّبته داعش والنصرة، ومن يدعمهما ويمولهما..وأخواتهما؟!

محاربة داعش تكون على الأرض، بإغلاق الحدود في وجهها، هي وأخواتها الإرهابيات، وبتجفيف الدعم المالي لها من الدول والأفراد، وإخراس دعاة الفتنة بين المسلمين،والمسلمين والمسيحيين, وكل أبناء الوطن الواحد.

القصف الأمريكي الذي استهدف مواقع لداعش في( الرقة) قتل في الجولة الأولى عددا من المدنيين..وهذه بداية!( في باكستان يتساقط مئات القتلى من المدنيين بحجة مطاردة الإرهاب)!

هذه الحرب الأمريكية التحالفية على داعش برهان على فشل وبؤس الحال العربي، العاجز عن معالجة ما يتهدد بلاد العرب، لأن كل طرف يعمل على أن يفلت بنفسه، وينجو بعيدا عن الحريق، و..لهذا يعمل بشراسة على أن تتأجج النار في بلاد شقيقه( هابيل)!.

من يربح من هذا اللامعقول العربي؟!

من اعتاد أن يربح دائما، فأمريكا لا تخوض هذه الحرب إلاّ لربحها الخاص، ومعها حليفتها العزيزة التي تعنى بعلاج ( المجاهدين) الذين طمأنوها بأنهم ليسوا ضدها، ولا يشكلون خطرا عليها!.

ويستمر اللامعقول حريقا وخرابا على المسرح العربي الممتد بين المحيط والخليج، وبأموال عرب أثرياء لا يعرفون كيف يوظفون أموال ثرواتهم لخدمة تطوّر بلدانهم.

الرئيس الأمريكي أوباما يتوقع أن تستمر الحرب على داعش ثلاثة أعوام..وأكثر!

وكاميرون يتوقع أن تمتد لأعواااام!

وناطق باسم ( النصرة) يبشرنا بأن هذه الحرب مع ( الكفّار) ستمتد لعقود!

ترى: أهي حرب لتدمير داعش..أم لتدمير سورية، والعراق، ومصر، وبلدان عربية سيصلها الحريق؟!

هل سنستيقظ في بلاد العرب، ونتقدم منشدين مع الشاعر الكبير خليل حاوي، مستبشرين بالأجيال الطالعة الفتيّة المعافاة، لننقذ وطننا العربي الكبير، وأجيالنا:

يعبرون الجسر

من مستنقع الشرق

إلى الشرق الجديد

ومع خليل حاوي نواصل:

رب ماذا

هل تعود المعجزات؟

والمعجزات تصنعها الأمم بعقولها، وإراداتها، وانتمائها…