حرب الجنوب وحرب الشمال

ثريا عاصي

      تتضارب الفرضيات في توصيف ما يجري على الأرض السورية . هل هي ثورة عظيمة كما كان يزعم البعض، أم هو زالزال جماهيري عارم جارف يكنس المكان بحسب رؤية البعض الآخر . كأنما حان ميعاد هذه الأرض مع التاريخ وظهرت في الأفق تباشير فجر جديد .

          مهما يكن، إذا كانت علاقتنا بالمستعمر والعدو الإسرائيلي أو المستعمر الأميركي معروفة، فمن الضروري أن نتوقف عند الدور الذي تلعبه دول الخليج وتركيا، وأن لا نكتفي بخزعبلات وهرطقات الذين يدّعون نفاذ البصيرة وسعة المعرفة في علم الإجتماع وفي آليات الإرتداد الثوري إلى الوراء إستعدادا للوثبة الكبرى .

          من أين جاءت “داعش” ؟ سمعنا خبراء ومفكرين ” إستراتيجيين ” عربا، بمعنى أنهم يقبضون أجراً بالدولار النفطي، يقولون أن “داعش” هي بضعة آلاف من السجناء الذين كانوا يقبعون في معتقلات النظام في سوريا . أطلق هذا الأخير -“النظام السوري”- سراحهم بقصد أن يفترسوا “الثوار” السوريين الديمقراطيين، وأن يضعوا كافة السوريين أمام أحد خيارين، إمّا النظام وإمّا طوفان الدم والرؤوس التي أينعت !!

          بضعة آلاف إحتلوا نصف العراق وثلث سوريا في وقت قياسي، ثم أعلنوا دولة “داعش” وبايعوا “خليفة” عليها . هم يقاتلون في الراهن جميع الذين هبّوا لمساعدة ” الثوار ” في سوريا  على إرساء الديمقراطية والتحرر من قيود الديكتاتورية، دون إستثناء، ومن ضمنهم تركيا طبعا  ولبنان أيضا .

          من أين جاء هؤلاء الحفاة الذين قهروا الجيوش وزعزعوا دولا كمثل العراق وسوريا وجرّروا حلف الأطلسي إلى مصيدتهم ؟!. ها هم الآن يستفزون الحكومة التركية، ويلحّون، حتى ترسل جيوشها إلى سوريا ؟! من أين يأتيهم المدد، عديدا وعتادا ؟ كيف يستخرجون النفط وكيف يوصلونها إلى موانئ التعبئة ؟  ( البنتاغون : “هاجمنا 12 مصفاة نفطية في سوريا.. وهدفنا القضاء على مصادر تمويل داعش” ) .. الإٍستخفاف بعقول الآخرين  يساوي قلة الحياء !

           إن “داعش” وجدت لتبقى أو بالأحرى أن بقاءها سوف يطول . هذا ما تتناقله وسائل الإعلام، التي قالت في وقت سابق، ان “داعش” تلقى دعما من جميع أعضاء ” التحالف ضد الإرهاب” !.

          من البديهي أن “داعش” هي بشكل مباشر أو غير مباشر، تركيا ومعها أمراء الخليج وتحديدا “دولة” الإمارة قطر . الغاية هي خلق دول مذهبية سنية تحت جناحي تركيا، مقابل دول مذهبية شيعية تحت الهيمنة الإيرانية . هذا يبرر قيام دولة يهودية خالصة صافية مطهرة .

          ليس مستبعدا في سياق هذه الفرضيات، أن تكون المناورات في جنوب سوريا وفي منطقة العرقوب اللبنانية، التي تبدو أحيانا وكأنها محاكاة لتحركات موازية، يقوم بها المستعمرون الإسرائيليون، أن تكون هذه المناورات جزءا من سياسة التطهير العرقي، تجسيدا للدولة اليهودية المنشودة . بمعنى أن ما يجري في الجنوب مكمل  للحرب في الشمال، وأن الأبطال هنا وهناك وفي الجو، يتقاسمون الأدوار في نفس الفاجعة التي تروي نهاية العروبة والإسلام بإخراج أميركي، تحت عنوان المستعمر والعميل !

(يتبع )

:::::

“الديار”