طالبان تلبي حاجة اميركا لعدو اكبر يبرر التحالف

العميد د. امين محمد حطيط 

لا نعتقد ان في اعلان حركة طالبان الافغانية ، استعدادها لمد “داعش ” بالمقاتلين ، مفاجأة لمن يتابع مسار الاحداث في الشرق الاوسط خاصة بعد ان شكلت اميركا التحالف الدولي بقيادتها  خارج اطار الشرعية الدولية و قرارات مجلس الامن . فاميركا التي تدرك جيدا ان مشروعها الذي استهدف المنطقة و ترجم بالحريق العربي الذي التهم دولا يعيش فيها اكثر من نصف العرب ، و ادخل النصف الاخر و محيطه في حال قلق و خوف من ان يتمدد الحريق اليها ، اميركا تدرك ان هذا المشروع فشل و اطاح باحلامها بنظام عالمي احادي القطية يستسلم له الجميع .

و مع هذا الفشل وضعت اميركا امام خيارين : التسليم بالواقع و الاخذ بنتيجة المواجهة و الاعتراف للمدافع بانه انتصر ما يستتبع انكفاءها و البحث مع الجبهة المنتصرة في اسس سياسية ترتب اوضاع المنطقة على ضوء النتائج تلك ، او المكابرة و اللجوء الى عملية كسب الوقت تعول عليها لتآكل قدرات الخصم و تراجعها ثم الانقضاض عليه لتعويض الفشل و استنقاذ المشروع .

 يبدو ان العنجهية الاميركية ، منعت اميركا من التسليم بالواقع و دفعتها الى الاخذ بالحل الثاني الذي ترجم كما بات واضحا عبر حرب استنزاف تخوضها انطلاقا من العراق و سورية ، و تدفع اليها ما امكن من دول و تنظيمات جدد و تمددها لتشمل ما يمكن الوصول اليه من مناطق ابعد من البلدين (سورية و العراق ) .

لقد كان مثيرا للسخرية ان تقوم اميركا بانشاء تحالف دولي وتحشيد الطاقات العسكرية لقتال تنظيم داعش خاصة و ان اميركا تعرف ان كل العاقلين المتابعين يعرفون بان مواجهة داعش لا تتطلب هذا النهج من السلوك ، ثم ان هذا السلوك بذاته لا يؤدي الى تحقيق الهدف المعلن خاصة و انه يعتمد القصف الجوي او الصارخي البعيد المدى ، بينما نجد ان الطبيعة العسكرية لداعش ترتكز على عصابات مسلحة قادرة على الانتشار و التخفي و اتقاء خطر القصف الناري ، و ن لا سبيل للتعامل مع تهديد هذه العصابات الا بالجوء الى القوات العسكرية الخاصة الرشيقة التي تتمكن من مواجهتها على الارض كما فعلت و تفعل القوات العربية السورية من جيش و قوات رديفة ، و التي تمكنت من تطهير اكثر من منطقة في سورية من هذه العصابات الارهابية .

لقد لجأت اميركا الى انشاء التحالف الدولي الذي ادعت انه لمحاربة الارهاب خاصة داعش، و حقيقة الدوافع هي غير هذه الحرب المعلنة ، فداعش التي هي منتج اميركي كامها القاعدة ، لا تستوجب مثل هذا التحالف مطلقا لقتالها ، فالتصدي لها يستوجب الامساك بمنابع قواتها و روافد امداداتها و تجفيفها و هو امر ممكن في اقل من شهر عندها  تتساقط داعش تلقائيا ، و اميركا تعرف اين توجد هذه المنابع و تلك الروافد و كان صريحا بايدن و وسائل الاعلام الاميركي في تسمية قطر و السعودية و تركيا بوصفها لهم و تحديد ادوارهم في هذا الامر ، لكن اميركا لا تضغط و لا تقوم باي شيء في سبيل ذلك لا بل سارعت الى الاعتذار من تركيا على توصيفها لها بانها تدعم الارهاب .

لقد اختارت اميركا سلوك حرب الاستنزاف في المنطقة و ادعت تمويها للحقيقة بانها تريد حرب داعش و هي تحرص عليها لتتخذها ذريعة للحرب و قناعا لاخفاء حقيقة اهداف حربها  التي ترى انها ستحقق لها ما يلي :

1.     الحضور العسكري الميداني المباشر في سماء منطقة العمليات العسكرية ، دون الاضطرار الى النزول الى الارض ما يحقق لها ايجابية الحضور و وهجه و يجنبها سلبيات النزول و مخاطره .

2.     رسم حدود عمل داعش في المنطقة بما يمكنها من تركيز الجهد و حشد الطاقات الارهابية دونما تشتت ، و هكذا تمكنت داعش منذ بدء عمليات القصف التي يمارسها الحلف من التوسع في اكثر من منطقة في شمال شرق سورية و في وسط العراق ، رغم ان طيران الحلف يملك القدرة الكافية على قطع محاور هجوم داعش ، لكن اميركا لا تريد ذلك بل تريد عكسه، و بهذا نفهم كيف دخلت داعش الى قرى يقطنها اكراد سوريون و هددت عين عرب و كوباني هناك .

3.     منع اي بحث حالي او قريب بحل سلمي للموضوع السوري ، لان اميركا ترى ان انجازات ميدانية استراتيجية كبرى حققها الجيش العربي السوري جعلت المعادلة في سورية راجحة و بقوة لصالح الدولة بقيادة الرئيس الاسد ، و ضد احلام اميركا و مصالح اتباعها ممن تسميهم “معارضة معتدلة” . و في ظل هذا الاختلال ترى اميركا ان اي حل سلمي سيكرس الانتصار السوري لعشرات السنين و هذا ما لا تتقبله ، و هي  ترى في حرب الاستنزاف منعا للحل او تأخيرا له حتى تعيد التوزان الى المعادلة بما يناسب مصالحها .

4.     تنفيذ ما تنتهجه  اميركا في البلاد التي تدخلها من تدمير و اجهاز على البنى التحتية للدولة ، فهذا ما قامت به في افغانستان و العراق و ليبيا و ما تقوم به اليوم في المنطقة التي تقول بان داعش تسيطر عليها ، و هنا لابد من التوقف عند نتائج قصفها الجوي فنجد ان داعش لم تتأثر باكثر من 15 % من القصف المنفذ بينما كانت مفاعيل ال 85% المتبقية منصبة على البنية التحتية و المدنيين السوريين .

ان حرب الاستنزاف التي خططت لها اميركا و تنفذها الان ليست في العمق ضد داعش بل ضد المنطقة برمتها ، و داعش لا تتعدى في وظيفتها دور القناع الذي يخفي الاهداف الاميركية الحقيقية من حرب الاستنزاف تلك ، التي لن تقتصر في اثارها و مفاعيلها على العراق و سورية و حسب ، بل انها ستشمل دولا اخرى كلبنان و تركيا و الاردن و السعودية ، و يبدو ان مصر تلفلت حتى الان من الفخ الذي ارادت اميركا ان توقعها فيه .

و من جهة اخرى و حتى تؤدي حرب الاستنزاف الاميركية تلك وظيفتها فهي  بحاجة الى مقومات و نفس طويل ، و لهذا نجد كيف ان اميركا حدددت بداية ان الحد الادنى لهذه الحرب هو 3 سنوات تعول عليها لاتمام نشر الفوضى الهدامة و اسقاط منطقة الشرق الاوسط في يدها بما يمكنها من اعادة تركيبها كما تشاء بشكل يذكر بما قالته كونداليزا رايس في العام 2006 من سعي  الى بناء شرق اوسط جديد اميركي الهوية .و في هذا السياق ايضا يأتي اعلان طالبان عن استعدادها لمد داعش بالارهابيين لتمكينها من مواصلة العمل في الميدان  رغم ان الافغانيين يشكلون جزءا ليس باليسير من “داعش”  و لم تكن طالبان بحاجة الى هذا الاعلان لكن الذي يحتاجه حقيقة هي اميركا التي تريد توسيع المسرح و تضخيم العدو بما يبرر التحالف و يفسر طول المواجهة التي ارادتها باسلوب حرب الاستنزاف .

هذه هي خطط اميركا و اساليب تنفيذها لعدوانها ، فهل ستتمكن من النفاذ  الى ما تريد عبرها ؟

من يراجع تاريخ المواجهة بين المشروع الصهيو اميركي بقيادة اميركية و مشروع شرق اوسط لاهله بقيادة محور المقاومة يدرك بسهولة ان محور المقاومة يمتلك من القدرات و اكتسب من الخبرات ما يبقيه  في حال طمأنينة لنتائج المواجهة و كما انه اسقط في السنوات الاربع الماضية الخطط المتتالية التي بلغت ست خطط ، فانه قادر على اسقاط الخطة السابعة المتمثلة بحرب الاستنزاف التي افتتحت خاصة و ان هناك قاعدة ذهبية في السيطرة و الامساك بالارض ، فمن لا يثبت في الارض لا يجني اي انتصار ، و كيف تنتصر اميركا و هي لن تنزل الى الارض ، و اذا نزلت لن يكون مصير جندها بافضل مما كان مصيرهم في العراق او مصير جند اسرائيل في لبنان .

:::::

“الثورة”، دمشق