طيب تيزيني في الثورة المضادة

محمود فنون

يصف طيب تيزيني المجلس الوطني السوري الذي تشكل في اسطانبول بمساهمة قطر وتركيا ورعاية المخابرات البريطانية والإسرائيلية والأمريكية  و يصف الإئتلاف  السوري الذي تشكل في الدوحة برعاية قطر وأمريكا بأنهما ثوريان وأنهما قيادة الثورة. ثم  يقدم  لهما النصائح لكيفية إدارة البلاد ..ومن ضمن ذلك ينصحهم بتشكيل فريق مثقفين .. أي انه يعرض خدماته على طريقة  قادة الفصائل الفلسطينية الذين يطالبون بتشكيل حكومة وحدة وطنية أي الواحد يطالب بأن يكون وزيرا .

كان طيب تيزيني في صف التقدم والحرية … هذا كان ، وكان كثيرون معه .. ثم انتقل إلى الصف الآخر ، وانتقل كذلك معه كثيرون مثل صادق جلال العظم .

كان طيب تيزيني مفكرا متحررا يدعو لحرية واستقلال الشعوب ، حريتها من القيود الداخلية ، والأهم حريتها من الإستعمار والهيمنة الأجنبية ، وهذا يعني بالألفاظ : أسترداد حرية الشعوب من الغرب  والغرب هنا كما يفهمه طيب تيزيني : إن الغرب المعني هنا (الولايات المتحدة وأوروبا ولواحقهما وامتداداتهما) ومن ثم استرداد حريتها من الأنظمة التي تحكمها بمقدار ما تكون هذه الأنظمة ظالمة وفاسدة وديكتاتورية ..

انتقل طيب تيزيني في سياق الأزمة السورية إلى الجانب الآخر . إن انتقاله ليس مكانيا فقط بل هو يجند فكره وثقافته ومنزلته وتاريخه لصالح الثورة المضادة وهو يعلم جيدا أن الغرب كما عرفه أعلاه هو الذي يهيمن تماما على الحراك السوري والثورة المضادة في سوريا . بل هو يؤيد قصف ومهاجمة سوريا تحت عنوان محاربة داعش دون حياء .

لنقرأ لطيب تيزيني تنظيرا مليئا بالفذلكة . فحينما ينقلب المفكر الرصين إلى الجهة الأخرى يفقد كلامه وضوحه وقوته ويصبح خليطا يستهدف منه إعلان هويته وانحيازه مع فقر مدقع في التنظير ولا يمتلك قوة الإقناع والإجتذاب.

في مقالة له بعنوان :”داعش” ومصالح الغرب  في 30 /9/ 2014م حيث يرفض الإعتراض على برنامج مكافحة الإرهاب من قبل الولايات المتحدة نقتطف :

 “لذلك من يعترض الآن على برنامج مكافحة الإرهاب من قبل الولايات المتحدة والدول الأخرى بتأكيد القول إن تحقيق ذلك لا يتم عن هذا الطريق، وإنما عن طريق البدء باجتثاث الحاضنة السوسيوتاريخية والفكرية القيمية لحالة الإرهاب في صيغه المتعددة والمتكاثرة، وإذا كان هذا الرأي يمتلك مصداقية معرفية نظرية محضة، إلا أنه يفتقد بذلك مصداقيته التاريخية المجتمعية والسياسية التي تستوجب الاستجابة لمشروع اجتثاث «داعش» وأمثاله راهناً،”

أي أن الحديث عن اجتثاث اسباب الإرهاب : يفتقد مصداقيته التاريخية المجتمعية والسياسية التي تستوجب الاستجابة لمشروع اجتثاث «داعش» وأمثاله راهناً،”.

وعلى هذا تبقى المصداقية للغرب الإستعماري الذي لم يفقد مصداقيته في محاربة الإرهاب .

ولكن داعش والقاعدة كما الجيش الحر ومختلف أشكال الكتائب والجماعات كلها لم تكن في سوريا قبل اندلاع الثورة المضادة . وهذه كلها وليدة الثورة المضادة أساسا ومن صنع داعميها في تركيا وقطر والسعودية والعديد من دول اوروبا وبإشراف وتوجيه السياسة الأمريكية . وأما الهروب إلى عبارات : البدء باجتثاث الحاضنة السوسيوتاريخية والفكرية القيمية لحالة الإرهاب في صيغه المتعددة والمتكاثرة،.. وأن هذا الحديث يمتلك مصداقية معرفية محضة ( هل هناك معرفة محضة –م ف)  إلا انه يفتقد مصداقيته التاريخية المجتمعية والسياسية .

إذن هو مع أمريكا في حربها على الإرهاب . طيب هو حرّ هو مع أمريكا ومن أتباعها وهذا ربما يكون من وجه من الوجوه شأنه الخاص . ولكنه لم يعرّف الإرهاب الذي تقاومه أمريكا فعلا ، ذلك أن عنونة الإرهاب المقصود بداعش لا يكفي ولا يفسر الموقف . “فالمصداقية ” العملية هنا واضحة للعيان ولا تحتاج إلى هذه الجمل المتفذلكة . المصداقية العملية تتمثل بالقصف الصاروخي لأراضي ومنشآت سوريا ومصادر ثروتها . هذا هو الإرهاب الذي توحد الغرب ” الولايات المتحدة وأوروبا ولواحقهما وامتداداتهما” كما عرفه طيب تيزيني لضربه وقصفه.

فهو إذن مع قصف سوريا .

هو مع قصف سوريا وهو يعلم الحقيقة المرة جيدا وشاهدها وشهدها في العراق وليبيا ولا يزال يشهدها قبل البدء بقصف سوريا والعراق في أيلول الذي كتب مقالته في نهايته .

ويعلن ذلك كما في بيان سياسي ليؤكد عل اصطفافه وربما ارتزاقه : ” الإعلان عن تشكيل قوات عسكرية عالمية لمواجهة “داعش” أمر مشروع وفي غاية الأهمية “كما جاء في مقالته داعش توحيد للعالم الآن فقط بتاريخ 16/9/2014 على الحوار المتمدن .

ويدفع نظريته بقوة دفاعا عن انحيازه ” إذن، لنقل دعوة لتوحيد العالم عبر إسقاط قوى الشر والإجرام والإرهاب في كل العالم، ومن أجل تحقيق شعار العصر: الحرية والعدالة والكرامة والمساواة في مجتمعات وأوطان من نمط وموطن حر وشعب سعيد!”ويكمل مؤيدا  ” انطلقت عواصم الغرب منذ بعض الوقت تعلن بصوت لاهث، دعوتها للوقوف في وجه “التسونامي” الإجرامي الجديد “داعش”، الذي يمثل ظاهرة خطيرة في الحقل الأكثر حساسية، أي في حقل الأديان والعقائد والأيديولوجيات،”

هكذا إذن : يأتي قصف سوريا والعراق إلى حد التدمير وتفتيت البلدان وتمكين الطائفية والتجزئة كل هذا يأتي من أجل : إسقاط قوى الشر والإجرام والإرهاب متمثلا في الدولة السورية   ومن أجل تحقيق شعار العصر : الحرية والعدالة والكرامة والمساواة في المجتمعات والأوطان … لتكون النتيجة التي يراها طيب لسوريا ” موطن حر وشعب سعيد ” الله لا يسعدلك حال يا أيقونة يا نصف رجّال ّ

أمريكا جعلت العراق موطناً حراً  تحت سلطتها الإستعمارية ؟ّ طيب وهل جعلت في العراق شعب سعيد ؟!.شعب يقتل منه المئات في اليوم ومنه أكثر من خمسة ملايين لاجيء في أصقاع الأرض .

هل امريكا أم السعادة البشرية ؟! وتحملها على ظهر طائراتها ليلة الميلاد متخفية ببابا نويل وتلقيها على الناس والمؤسسات والبنية التحتية وكل معالم الوجود المادي والإنساني.. فتكون السعادة ؟ أم أن سعادتك تكمن في مرتباتك أنت وأمثالك حتى لو ماتت سوريا والشعب السوري .

كل هذا القتل والتشريد في العراق هو إذن من مظاهر السعادة التي جلبتها أمريكا وحلفها

ولكنك تذكرنا  بنفسك بما قاله كولون باول في اليوم الثاني لسقوط العراق في مقالة بعنوان مرحلة الصوملة  في 5/8/2014م : ”   بالتزامن مع اقتحام الغزاة الأميركيين للعراق. فبعد هذا الحدث الإجرامي الفاحش، أعلن “كولن باول” في اليوم الثاني من هذا الإجرام، موجهاً كلامه إلى سوريا: على دمشق أن تتقن الدرس البغدادي! وقد كان ذلك الموقف استفزازياً إلى درجة قصوى” أي أن ضرب سوريا وتمزيقها مثل العراق هو سياسة مبيتة وانت تشهد بذلك ثم تعود وتقول ان هذا من أجل سعادة الشعب السوري !

هناك وصفت احتلال العراق بحق انه حدث إجرامي وهنا تهلل وتكبر للحلف الغربي وأعوانه الإقليميين والعرب والذين يستهدفون احتلال سوريا وتمزيقها بعد قصفها .