نضال مشترك أم تطبيع مشترك؟

عادل سمارة

نقلت الانتفاضة الأولى النضال الوطني الفلسطيني من نضال النخبة (إقتصار المقاومة وخاصة المسلحة على  أعضاء المنظمات)، نقلته إلى نضال الجماهير، اي مشاركة معظم القطاعات الاجتماعية الطبقية نساء ورجالاً قي المقاومة الشعبية الحقيقية ضد الاحتلال، وهي المقاومة التي لم تشجب أو تنفي الكفاح المسلح كما يحاول البعض اليوم  تقديم مفهوم استسلامي للمقاومة الشعبية ضد الكفاح المسلح. بكلام آخر، كانت الانتفاضة الأولى هي حرب الشعب (ماو) والتي افرزت نموذج (بردايم) التنمية بالحماية الشعبية.

لكن الثورة المضادة كانت لهذا التحول بالمرصاد. فقد رفعت وتائر التمويل المسموم إلى حدها الأقصى كي تلتهم المناضلين الحقيقيين بدمجهم في منظمات الأنجزة التي ظهرت كطفح غريب على الجسد الوطني. وهكذا كان بشأن كثيرين/ات.

يعيدنا هذا إلى منظمة الأنجزة “روزا لكسميبورغ فاونديشن” التي هي فرع في رام الله والآخر في تل ابيب. أليست هذه المنظمة هي النموذج الواضح على التطبيع تجسيدا ماديا مؤسساتياً؟ وهنا تلافياً لإحراج الكثيرين/ات لن اذكر أسماء تمفصلات هذه المنظمة!

ليس لدينا ارشيفا لخطط مصادر المال المسموم هذا، وهي لا شك خطط سرية. ولكن المرة الأولى التي حصلت فيها هيئة تحرير مجلة “كنعان” على ما يؤكد بأن هدف هذه الأموال هو التطبيع، والتطبيع هو بالطبع مشترك. حينها تلقينا دعوة إلى مؤتمر عقد في مدرسة طاليتا قومي في بيت لحم  29-30 حزيران 1999  بإسم

Prime Peace Research in the Middle East:  The Role of the No-Governmental Organizations in Peace Building between Palestinians and Israelis.

وأحد الأسئلة هو حرفيا ما يلي:

With witch NGO from “ the  other side” do you cooperate?

أي “مع أية منظمة غير حكومية (أنجزة) في الطرف الاخر تتعاونون؟”

طبعا لم نشارك.

إذن رُفعت الأقلام وجفت الصحف. ماذا يختلف هذا عن الديباجة التالية لمنظمة روزا لكسمبورغ للأنجزة في تل ابيب؟

 

” Working with Israeli civil society organizations who share our values of social justice, solidarity and participation, and a non-violent approach to conflicts – is one of RLS’s core objectives.

The Israel Office of the Rosa Luxemburg Stiftung supports projects which focus on alternative education and struggle for human and civil rights, for the empowerment and inclusion of marginalized and oppressed groups (such as Palestinian citizens of Israel, Ethiopians, Mizrahi Jews and women from all groups), and for advancing in non-violent ways the end of the occupation and the resolution of the Israeli-Palestinian conflict.

In the framework of our cooperation with Israeli civil society organizations, we support long-term and short-term projects. ”

ما يهمنا من هذه الديباجة الجزء الذي يقول:” ومن اجل التقدم في الطرق غير العنفية لإنهاء الاحتلال وحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي”.

واضح ان التطبيع هو الطريق اللاعنفي عند هذه المنظمة، ولعل الأهم هو حصر الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين أي تجريده من كونه الصراع العربي الصهيوني، بل صراع العرب مع الثلاثي الإمبريالي (الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، وفي النهاية الكيان الصهيوني).

وهذا يطرح التساؤل التالي: على ماذا ارتكزت هذه المنظمة في التصدي للدفاع عن صحيفة هآرتس ومراسلتها؟ هل ارتكزت على أن المجتمع الفلسطيني قد استدخل الهزيمة وقبل التطبيع كعقيدة؟ اي بقول آخر، ربما ان المطبعين/ات من الفلسطينيين قوى ومنظمات وشخوص وخاصة مثقفي الطابور السادس الثقافي قد هيأت لهم انفسهم وهيأوا للإدارة الألمانية لهذه المؤسسة بأن التطبيع يسري في دم الجميع، مما قاد تلك الإدارة إلى الغضب “غضبة مُضريَّةً” فضخمت موضوع مراسلة هآرتس. ولو تم امتصاص الأمر دون ضجة وتحدي للطلبة وحتى للبلد، لكانت النتائج افضل لصالح حتى هآرتس نفسها التي جندت فيالق من الصهاينة الغربيين والعرب للهجوم على الطلبة واتهام نضالهم بالإرهاب وحتى الزعم بأن الطلبة لم يحتجوا على وجود هآرتس في المؤتمر، اي بأن الطلبة غارقون في التطبيع! وهذا ينم لا شك عن عقل استشراقي يحاول خلق الضحية على شاكلة رؤيته لها بينما هي عكس ذلك تماماً.

إن اتهام نضال الطلبة بالإرهاب متجذر في الخطاب الغربي اللبرالي وحتى بعض اليسار الغربي وخاصة التروتسكيين الذين يهاحمون حرب الغوار (حرب العصابات) باعتباره إرهاباً. الم يكن هكذا آخر مواقف الولايات المتحدة وأوروبا ضد المقاومة في قطاع غزة خلال 51 يوماً من الحرب المطلقة على غزة؟

 لننظر كيف يرى الثوريون الحقيقيون حرب الغوار: كتبت الروائية الهندية أرونداتي روي عن النهوض المتجدد للغواريين: “في كل وقت مهما بدا قاسيا، فإن الماويين كتجسيد الآلهة في الفلسفة الهندوسية  للروح الإلهية، لا يُهزمون وحسب بل تتم تصفيتهم جسدياً، لكنهم وتجسيدا للروح الإلهية يعودون ثانية أكثرتنظيما وأكثر تصميماً وأكثر تأثيرا مما كانوا عليه سابقا”. المصدر:

Arundhati roy, “Walking with the Comrades,” Outlook India, March 29, 2010, http://www.outlookindia.com/article.aspx?264738.

بحق كل شيء ألا ينطبق هذا تماماً على المقاومة الفلسطينية وخاصة تجربة غزة الحالية؟

بينما بالمقابل ترى الكاتبة التروتسكية الهندية بأن هذا النضال الغواري مرفوض وممجوج. (انظر مقال:الماوية في عالم الجنوب، نشرت مجلة “الاشتراكية الدولية”التروتسكية  مقالة طويلة ل تتثي باثاشرايا وهي مؤلفة كتاب (حراس الثقافة:الطبقة، التعليم، والمثقف الاستعماري في البنغال) منشورات جامعة أكسفورد 2005) وبروفيسور في تاريخ جنوب آسيا في جامعة بورديو. ترتكز هذه المقالة على حديث قدمته لمجلة اشتراكية عام 2010 في شيكاغو.

كما (نشر هذا المقال في مجلة كنعان الدورية العدد 154 حريف 2013)

إن هذه الهجمة من المطبعين/ات ومن الصهاينة غربا وشرقا وعرباً قد أحسنت صنعاً بأن قدمت لنا لحظة فارقة لفتح ملف التطبيع والمقاطعة لأنهما يفتحان على مجمل الوضع الفلسطيني والعربي المعقد.