رئيس بوليفي لا يشبه الرؤساء

فيصل جلول

ينطوي انتخاب ايفو موراليس رئيساً لبوليفيا للمرة الثالثة بنسبة تفوق ال 60 في المئة من الناخبين على تحول بارز في تاريخ هذا البلد، الذي كان حتى وقت قريب مزرعة من مزارع اليانكي الأمريكي على كل صعيد، وبؤرة للحروب والفلتان الأمني واللااستقرار والفقر المدقع الذي كان يطال أكثر من ثلث أهل البلد، وإن أضفنا الفقر العادي تصل النسبة إلى النصف فإذا به اليوم يقطع شوطاً كبيراً خلال أقل من عشر سنوات تحت رئاسة موراليس ليصبح واحداً من أبرز الدول النامية في أمريكا اللاتينية، وأكثرها استقراراً وتقدماً، بل في موقع من يقرض جيرانه .
دروس كثيرة تحملها الرئاسيات البوليفية الأخيرة، وأولها انتخاب موراليس لولاية ثالثة بحماس شعبي كبير، إذ بلغ الفارق بينه وبين مرشح اليمين أكثر من أربعين في المئة، ودون اعتراض على تعديل الدستور الذي يتحدث عن ولايتين حصريتين، رأت المحكمة الدستورية العليا أن ولايته الأولى عام 2006 مستثناة من هذا القانون، لأنها وقعت قبل صدوره . وهذا يعني أن الناس لا يهتمون بالموانع الدستورية عندما تجمعهم كيمياء ساحرة مع زعيم كاريزمي .
وثاني الدروس أن موراليس انتخب تحت شعار تحويل بوليفيا من بلد ينتظر الصدقات والمعونات ويتعرض للإهانات، إلى بلد يعيش من موارده رافع الرأس، وقد سار خطوات حاسمة في هذا الاتجاه، إذ ارتفعت نسبة أرباح النفط والغاز في الدخل الوطني من 10 إلى 35 في مئة، واستثمرت الدولة الأرباح في مشاريع اقتصادية وإنتاجية مفيدة، وفي تحسين البنية التحتية، وخاصة المواصلات، ما أدى إلى تحقيق نسبة نمو تفوق ال 5 في المئة سنوياً منذ توليه الحكم .
والدرس الثالث يفيد أن الديمقراطية يمكن أن تتحول إلى سلاح بيد الفقراء إذا ما أتيح لهم حق التنافس المتساوي مع غيرهم، والحال أن موراليس أجاد استخدام هذا السلاح بفاعلية، حيث رفع شعار التأميم مقابل شعار الخصخصة الذي رفعه خصومه اليمينيون، فاختار الناخب البوليفي رئيساً يؤمم الثروة الوطنية ولا يبيعها كمنافسيه .
والدرس الرابع، يتمحور حول الاستقرار الذي أشاعه في البلاد منذ انتخابه للمرة الأولى عام ،2006 في بلد ما عرف يوماً الاستقرار على كل صعيد، بل يعتقد العارفون بشؤون هذا البلد أن موراليس سيحقق سبقاً تاريخياً في بوليفيا، كونه الرئيس الذي حكم بلاده أطول فترة زمنية من دون انقطاع .
والدرس الخامس، يرويه الناخبون الذين باتوا يمتلكون وعياً مادياً بمصالحهم الحقيقية، إذ صرح بعضهم تعليقاً على فوز موراليس أن خصومه لو فازوا كانوا سيعيدون بوليفيا إلى الوراء بما يتناقض مع مصالحهم، وهذا يعني أن تغيير الثقافة السياسية في عهد موراليس قد حصّن السلطة تجاه “سحر الرأسمالية الخفي” التي تجعل الناس يقترعون على الضد من مصالحهم .
والدرس السادس، يتصل بإعادة الاعتبار لسكان أمريكا الأصليين، ذلك أن موراليس ينتمي إلى هذه الفئة من البوليفيين التي همشت طويلاً، واستبعدت عن مراكز القرار، والواضح اليوم أن الرئيس المنتخب يحظى بتأييد الأغلبية الساحقة منهم .
والدرس السابع، يتعلق بالبعد اللاتيني للحدث، حيث يشترك موراليس مع عدد من رؤساء أمريكا اللاتينية الأحرار في مشروع بناء قارة تحقق الرفاهية لشعوبها، وليس لخدمة الرساميل الأمريكية المتوحشة والنازعة دوماً إلى النهب .
والدرس الثامن، يكمن في إعادة الاعتبار للاشتراكية التي صارت مرذولة في عالمنا، أو محرفة ومشوهة ومربلرة وسط بحر واسع من الثقافة المركنتيلية السائدة بقوة في عالمنا المعاصر .
والدرس التاسع، يتمثل باحترام قواعد اللعبة المتفق عليها بين الخصوم، والامتناع عن استخدام العنف واحترام الإثنيات المختلفة في المجتمع البوليفي . واللافت في هذا الصدد أن موراليس لم ينتقم من قرون التهميش التي طالت الهنود على يد المهاجرين الأوروبيين الأوائل ومن تلاهم، وربما سار على نهج مانديلا في جنوب إفريقيا، والظن الأغلب أن روح التسامح التي سادت خلال السنوات العشر الماضية ساهمت إلى حد كبير في ترسيخ السلم الاجتماعي، والخضوع لقواعد لعبة سياسية واحدة .
الدرس العاشر، يخص الرئيس نفسه فسلوكه المتواضع، وابتعاده عن الغطرسة وعن الفساد والفاسدين، واقترابه الصادق من الفئات المهمشة، وعدم تنكره للبيئة التي جاء منها، كل ذلك عزز ثقة الناس به واستعدادهم للدفاع عنه ومنحه ولاية ثالثة لا يتيحها الدستور .
يخالف موراليس في سيرته الشخصية كل حكام العالم، فهو راع سابق ومزارع وشقيق لسبعة أشقاء وشقيقات، مات أربعة منهم بسبب الفقر والمرض . حصّل القليل من التعليم ويحلم بعد الرئاسة بفتح مطعم وممارسة حياة عادية . . ويخالف موراليس نظراءه أيضاً بفخره وتواضعه، فهو يروي بفرح أن 3 بلدان أمريكية لاتينية طلبت اقتراض المال من بوليفيا، وأن حال بلاده انقلبت من بلد مستدين إلى بلد مدين، وأنه أرسل قمراً بوليفياً إلى الفضاء، وكل ذلك بفضل سياسته الحازمة في مجال تأميم الثروات الوطنية، وحسن استخدامها في التنمية البشرية، هذا مع العلم أن بوليفيا لا تملك منفذاً على البحر، وطبيعتها تتميز بصعوبات كبيرة . تبقى الإشارة إلى عزيمة موراليس المستمدة من إرث أجداده الهنود الذين قاوموا الغزاة الإسبان، واحتفظوا دائماً بإرادة قوية، وحرص لا ينضب على ثقافتهم وأرضهم وتاريخهم . ولعل هذا الإرث يلعب دوراً مركزياً في لا وعي الرئيس البوليفي الذي يستخدم الديمقراطية كسلاح، ليس فقط من أجل تحسين شروط معيشة الفقراء في بلاده، وإنما أيضاً، وهذا هو الأهم، من أجل الثأر الحضاري والسلمي لمجتمعه الهندي الذي تعرض لأكبر جريمة ضد البشرية في التاريخ المعاصر .
تلك هي أبرز الدروس المنطوية في ولاية موراليس الثالثة، وهي بمجملها تفصح عن أن هذا الرجل لن يمر في تاريخ بوليفيا وفي تاريخ أمريكا اللاتينية، وربما في العالم الثالث مرور الكرام .

::::

“ألخليج”