الذين يُريدون وطناً والذين لا يُريدون!

ثريا عاصي 

المسألة الأساسية التي تنغّص على الناس في بلاد الشام عيشهم وتفاقم علاقاتهم فيما بينهم، المتوترة أصلا، وذلك عائد إلى مرض العصبية القبلية، تتمثل هذه المسألة في وجود دولة المستعمرين الإسرائيليين في فلسطين. لا سيما أن هذه الدولة الإستعمارية الإستيطانية تضمر سياستها الهادفة الى الهيمنة على معظم المنطقة العربية إستنادا على أساطير متخيلة عن إسرائيل الكبرى يزعم المستعمرون أنها توراتية! ما يزيد الطين بلة، أن الأخيرين يدينون بكيانهم في فلسطين إلى الهيكلية الإمبريالية الغربية التي هم جزء منها، بل مكون من مكوناتها.
من البديهي أن إحتلال فلسطين والإلقاء بقسم من سكانها إلى المنفى، شكلا عاملين من بين عوامل أخرى بالتأكيد، معوِقين لتقدمنا وتطورنا كجمع. فعجزنا عن التكون في أمة أو شعب والمشاركة في ورشة بناء وطن لنا جميعا. بل إن كثيرين من سكان بلاد الشام رفضوا عمليا، وعلى الدوام، فكرة الوطن بأبعاده القومية السياسية الحديثة. ففضلوا المفهوم الديني للدولة. فهم منذ أن وافت المنية نبي المسلمين، يبحثون عن الأمير أو الملك أو السلطان الخليفة، ليتبعوا تعاليمه ويطيعوا أوامره! دون أن يطلبوا لأنفسهم دورا في تصور هذه الدولة الدينية الموعودة التي لم تتحقق فعليا في يوم من الأيام، إلا على شكل هزلي، ما تلبث أن تتداعى تحت تأثير الفساد والصراع على السلطة.
هذه توطئة أضعها تمهيدا لتسليط الضوء على أمور يـُفقد عدم البحثِ فيها كلامَنا دلالاتِه والفائدة منه. التسليم بأن السوريين على إختلاف ميولهم إتفقوا على أن يقووا دعائم ركائز دولتهم، الوطن السوري، وعلى أن يطوروا نظامهم السياسي، لا يجيز الإعتقاد بانهم بحاجة من أجل إنجاز ذلك إلى إمارات الخليج النفطية وإلى الدول الغربية التابعة للإدارة الأميركية، حليفة المستعمرين الإسرائيليين، والى حكومة تركيا التي تقيم علاقات ديبلوماسية وإقتصادية وعسكرية، مع الأخيرين، فضلا عن أنها عضو في الحلف الاطلسي!
من المرجح أن تدخل أمراء وملوك الخليج في الشأن السوري، مرده إلى إنقيادهم للإرادة الأميركية من جهة، وإلى خوفهم من جهة ثانية من إنتقال عدوى مفهوم الدولة والوطن إلى سكان بلادهم. فالذين يريدون أن يبنوا وطنا وأن يصلحوا نظاما لا يتخذون نظم إمارات ومملكات الخليج نموذجا يحتذى. هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية، فمما لا جدال فيه أن الولايات المتحدة الأميركية وأذنابها في أوروبا لا يريدون دولة سورية مستقلة مزدهرة متقدمة، ينعم الناس فيها بالأمن والرخاء والحرية. ينبني عليه أن الذين يريدون المنعة والعزة والسيادة لسوريا لا يتطلعون نحو الأميركي باراك أوباما والفرنسي فرنسوا هولاند ومن هم على شاكلتهم من» فاتحي» العولمة بالحديد والنار والإرهاب.
كيف نفسر أخيرا إستقواء المتمردين في سوريا، سوريين ومرتزقة، بالسلطان أردوغان الرئيس التركي ؟ ما هي أسباب إشتداد حنق الأخير على الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الذي أطاح حكم «الإخوان المسلمين» في مصر؟ هل يستمد أردوغان شرعية من الدين، لممارسة الوصاية على بلاد كمثل مصر وسوريا؟! ما يعني ان الشرعية السياسية الدينية هي في نظر البعض على درجة أعلى من الشرعية الوطنية. ليس الدين حزبا سياسيا، بل هو مكارم الأخلاق!.

(للحديث تتمة)