طيران سوري معارض أو حرب نفسية؟

د. ليلى نقولا الرحباني

انتشرت التصريحات الأميركية المعلنة عن البدء باختيار أفراد من المعارضة السورية “المعتدلة” للبدء بتدريبهم في السعودية، ليشكّلوا “الجيش” الذي سيكون من مهمته القضاء على داعش والجيش السوري معًا.

واقعيًا، أن رقم “الخمسة آلاف” الذي تمّ الحديث عنه، يبدو متواضعًا جدًا بالنسبة لحجم المهمة الموكلة إليه، وبالنسبة لحجم المساحة الجغرافية المفترض أن هذه المعارضة السورية ستضطلع بالقتال فيها والانتصار على داعش في المرحلة الاولى، وتأمين حمايتها لئلا تسقط من جديد، ثم الانتقال بعد ذلك لقتال الجيش السوري واسقاط بشار الاسد. ثم إن هذا العدد المتواضع مفترض به أن يقاتل الجيش السوري الذي يبلغ عديده مئات الالاف من العسكريين، علمًا أن الاتكال على انشقاقات جديدة في ذلك الجيش والالتحاق بهذه المعارضة “المعتدلة” الأميركية، تبدو صعبة، لأسباب عدّة أهمها:

– إن الانشقاقات التي حصلت في الجيش في أوّج الثورة، قد طهرته تقريبًا من العناصر التي كان من السهولة الايقاع بها باغراءات مادية، أو بتحريض مذهبي، أو بدافع انتقامي أو غيرها.

– إن مسار المعركة في سوريا خاصة في مناطق المعارضة بات يأخذ منحى تدميريًا، ولقد استعاد الجيش السوري المبادرة، وبات الواقع الميداني مختلفًا، بحيث إن اي دعوة للانشقاق ستدفع الراغبين بها الى التفكير مليًا قبل تنفيذها، فلقد شاهد السوريون بأمّ العين، ماذا حصل للمنشقين السابقين، وأين أصبحوا، وكيف تمّ بيعهم وشراؤهم في سوق المصالح الدولية.

– إن الاتكال على العشائر السورية للإنضمام الى هذا الجيش المتواضع، ورفده بقوات اضافية تضاف الى الخمسة آلاف المنوي اختيارها، دونه عقبات عديدة، إذ يلزمه ثقة كبرى بأنه يستطيع أن يفرض واقعًا جديدًا، وبأنه لن يتشظى كما حصل مع الجيش الحر سابقًا، وإلا ستتردد جميع العشائر في الانضمام اليه، إما خوفًا من انتقام داعش والنظام السوري معًا، أو لخشية من أن يتخلى عنهم الغرب بعد أن يحقق مصالحه أو يقتنع بفشل الخطة.

 وبالتزامن عن الحديث عن بدء اختيار المعتدلين لتدريبهم، بدأت التسريبات الأميركية بأن الولايات المتحدة تقوم بتدريب “طيارين من دول الشرق الاوسط” واعدادهم كنواة سلاح جوي مقاتل يتخذ مهامه في الاراضي السورية التي تستطيع المعارضة التحرك فيها بحرية خارج سيطرة الدولة.

وفي النتيجة، وبغض النظر عن صحة هذه الأخبار حول تدريب الطيارين، والأخبار التي تتحدث عن امتلاك داعش لطيران استخدمه فوق حلب، لكن الاخراج الذي تمت به توحي بأن هذه التسريبات هي نوع من الدعاية السياسية للحلف الدولي بعد أن تبين أن النتائج المتحققة على الارض بالنسبة لداعش هي صفر، كما تبدو نوعًا من الحرب النفسية التي يمارسها الأميركيون على الأصدقاء والحلفاء والأعداء معًا. إن هذه التسريبات، تأتي للإشارة الى أن الولايات المتحدة جادّة في تدريب المعارضة السورية ولم تتخلَ عن هدف اسقاط الرئيس بشار الاسد بالتوازي مع الانتصار على داعش، كما تهدف الى إرسال رسائل سياسية، بأن الأميركيين سيتخلون في مرحلة لاحقة عن الطيارين المستخدمين من الدول العربية باستخدام طيارين سوريين وعراقيين، كما للايحاء بأن المعركة بين المعارضة والنظام السوري ستتخذ في المستقبل منحى آخر، بعد أن يتم كسر احتكار النظام السوري لاستخدام الطيران المقاتل… ولكن، واقعيًا، هل يمكن الانتصار في هذه الحرب الكبرى بدعاية سياسية وحرب نفسية فقط، وهل سيستمر مفعولها وقتًا أطول مما استمر مفعول التهويل بالضربات الجوية ضد داعش؟، لننتظر ونرى.