قراءه للواقع الفلسطيني ببعديه المحلي والدولي

د. إبراهيم اللدعة

 

من خلال متابعة مباشرة للواقع مع مختلف طبقات المجتمع بحكم عملي كطبيب على مدار سنوات طويلة، ومع دخول ثورة المعلومات من خلال أشكال التواصل الاجتماعي والاطلاع على أراء مختلفة، ولما عكسته الحرب الظالمة الأخيرة على غزة وحيث أنني كنت في زيارة خلال تلك الفترة للغرب، وبناء على معايشة للمجتمع الغربي في فترات مختلفة رغم أنني لست رجل سياسة إلا أنني إستطعت أن أرصد أراء وتفكير المجتمع الغربي من قضيتنا ومن العدوان الأخير على غزة وهذا ما دفعني للاسهام ببعد إنساني وطني للكتابه في هذا الموضوع.
في الواقع هنالك عدة فرضيات أو لنقل مسلمات نؤمن بها باعتبارها مدخل العمل والأمل الذي يقودنا نحو الحياة منها: ” معظم البشر لا يؤيدون ولا يرغبون الاعتداءات والحروب لما للحروب من ويلات على الذات والعام”، ” غالبية البشر لا تقبل نهب أراضيها وخيراتها الطبيعية التي هي مّنة الله لها”، “البشرية في جميع أنحاء العالم ترغب العيش بسلام وحرية وكرامة وأمان في أوطانها مؤسسة لأجيال من الأبناء والاحفاد يحبون الخير للجميع وينعمون بحياة وادعة هنيئه”، “معظم البشر يعتبرون أن الجدية في العمل والاحترام المتبادل هي مفتاح السلام والامان والعدالة”
هذه اللوحة من الواقع تقابلها لوحة أخرى لقلة من البشر لها مسلماتها الشريرة التي تقودها منها: “الرأسمال محركها نحو الحياة”، “حب السيطرة والجشع والطمع والغش سبيلها للحياة”، “قوة السلاح هي طريقها لتحقيق أهدافها”. إن هذا الطريق رغم قلة سالكيه والمستفيدين منه أصبح يتغلغل ويتدخل في أفكارنا والحياة اليومية لكل فرد في الأسرة والمجتمع.
إنطلاقاً مما تقدم نلحظ المتغيرات في واقعنا الفلسطيني فبعد أن كنا موحدين في مواجهة المحتل الصهيوني لأرضنا، وكانت قييم التفاني والعطاء والتكافل، والعمل الجاد الخلاق والتضحية ملازمة لمجتمعنا أفراداً ومؤسسات مجتمعية ومنظمات سياسية قبل أسلوا، نلاحظ متغيرات الحال حيث أن العديد من الاشخاص ممن كانوا يتشدقون بالوطنية هم اليوم دعاة التطبيع مع الاحتلال والتنسيق الأمني أي أنهم باعوا مواقفهم ومبادئهم مقابل مصالحهم الضيقة، وهنالك من شعر بالضعف والغربة عن هذا الواقع فمنهم من تنحى ومنهم من بقي يُفرج عن مكنوناته وخلجاته بالكتابة (البيانات، المقالات في الصحف، الشجب أو التأيد، الندوات، التغريدات عبر وسائل التواصل الاجتماعي…إلخ)، أو العمل عبر مؤسسات المجتمع المدني الانسانية والحقوقية التي لا نقلل من أهميتها ودورها، مع ضعف الدور الفاعل للمنظمات السياسية التقدمية وارتهان منظمات سياسية أخرى بخط التسوية والتطبيع كمسار إستراتيجي، مع ما رافق ذلك من إمتيازات لأصحاب القرار والمسؤولية من سياسيين أنتخبوا (أعضاء المجلس التشريعي) أو متنفذين تم تعينهم رغم عدم أهلية العديد منهم للدور المنوط به، حتى أصبحت أعمالهم مخالفة لوعودهم وأقوالهم للجماهير ما خلق حالة من عدم الثقة ما بين الجماهير وقياداتها السياسية وولد حالة من الضياع للجماهير ودورها الخلاق والفاعل في التغيير.
هذا الواقع قلب المعادلة رأساً على عقب كما يقولون فبدلاً من أن تكون المسؤولية زمن الاحتلال هي التضحية والفكر الخلاق والعمل الجاد أصبحت المسؤولية وسيلة للمنفعة الذاتية على حساب العام، والتضحية هي بالمصالح العامة وليس لأجلها من خلال التطبيع والتنسيق الأمني، والتفكير في تبرير التنازل عن الحقوق الوطنية بدل إفعال الفكر الخلاق لتحقيقها. وهنا نقول بأن رجال السياسة أصبحوا لا يعبروا عن مصالح الشعب لا الوطنية ولا الانسانية فكما هو المثل القائل ” هم في واد والشعب في واد آخر” فأي حال وصلنا؟؟؟ وما هو المطلوب من الشعب الصابر المرابط؟؟؟ أسئلة تستصرخ العقول النيرة لافعال التفكير والتدبير، ومن أحرار هذا الشعب العمل والتغيير والبذرة الطيبة في هذا الشعب باقية فلنا في مقاومة وصمود وتكافل أهلنا في غزة العزة المثل الأقرب للعيان.
هذا الواقع الفلسطيني يرافقه متغيرات دولية قاسية علينا، فها هو عالم قطب الشر الذي تقوده أمريكا وحلفائها الأروبين وحده المسيطر عبر إعمال الفكر التكنولوجي في تطوير وسائل القتل والتدمير واستخدام قوة السلاح للقتل والتدمير لنهب الخيرات في البلدان الضعيفة المشرذمة في واقعنا العربي خاصة حيث الصورة ناصعة في كل من (العراق، ليبيا، سوريا، اليمن، فلسطين “غزة”، السودان… إلخ) وفي الدول الضعيفة في العالم أجمع بصورة جلية وواضحة بهدف نهب الخيرات وفرض السيطرة والثقافات، ولا فرق هنا بين الدول المشاركة في الغزو المباشر أو تلك التي تقف من ورائها ولنا في ألمانيا المثل فهي من الدول العظمى إقتصادياً وصناعياً وتعتبر من أكبر الدول المصدرة للسلاح، فهي لا تجد حرجاً في أن تعلن وعلى لسان رئيسها وهو قسيس ومشتشارتها ووزيرة دفاعها التي هي أم لسبعة أولاد وإبنة قسيس ومن على شاشات التلفاز عن إستعدادها لارسال جيشها للحرب إلى جانب أمريكا حماية لمصالحها الاقتصادية، فحدود مصالحها هي اقتصادية كما قال أحد كبار السياسيين الألمان وهو من زعماء الحزب الاشتراكي حيث قال “علينا أن نقاتل الأعداء حتى في جبال تورى بورى”. هذا الفكر والفهم هو ما دفع ألمانيا للقيام بارسال غواصاتها النووية إلى إسرائيل أثناء العدوان الأخير على غزة، وهذا الفكر العدواني والمصلحي يتجذر في المجتمع الألماني حيث أن هذه الغواصات والاسلحة هي من أموال الضرائب للشعب الألماني ومن الرأسمال لدى البنوك الكبرى مثل كومرس بنك، والروبش بنك والشياركة. ويظهر لنا الموقف الألماني بوضوح تجاه قضيتنا عندما نعرف أن ألمانيا قد دفعت للسلطة الفلسطنية 11 مليون يورو، في الوقت ذاته دفعت للكيان الصهيوني المحتل 70 مليون يورو ونرى أن عدداً ليس بقليل من الشعب الألماني يفخر بذلك.وهذا التفكير لا ينحصر في ألمانيا وحدها وانما هو تعبير عن الواقع الأروبي السياسي والشعبي وهنا مكمن الخطر حيث إستشراء العداء للشعوب الفقيرة جشعا وطمعا في الخيرات على حساب القييم الانسانية الحقوقية والاخلاقية والدينية السمحة.
مما تقدم يتبين أن طرق الحكم في العالم إما الملكية أو البرلمانية أو الديكتاتورية وهي مستندة إلى فئوية حزبية أو عشائرية تسعى لمصالحها الضيقة على حساب اغلبية مجتمعاتها. وهذا ما يعكسه الواقع حيث التناقض ما بين ما يطرحه رجال السياسة قبل الوصول إلى الحكم حيث الشعارات الوطنية والحقوقية المدنية التي سريعا ما تتبخر بعد الوصول إلى المركز حيث يتم تغليب المصالح الذاتية والفئوية الضيقة على تلك الوطنية والحقوق المدنية وهذا ما ينطبق على حالتنا الفلسطنية مع زيادة في التعقيد لوجود الاحتلال بممارساته وإجراءاته. إن هذا الأمر لا تنفع معه المقالات وطرق المقاومة التقليدية وهو ما يتطلب أشكال نضالية مقاومة مبتكره تمعن العقل والفعل (القول والعمل أو كما يقال النظرية والتطبيق) وكل ذلك بهدف مواجهة تسونامي التطرف الغربي الذي لن يرحم لا الصغير ولا الكبير. ومن أجل ذلك نحن بحاجة لقيادات سياسية واعية مضحية معطاءه بلا حدود مبدعه فكرياً وملهمه بحجم متطلبات المرحلة، كما أن الأمر يستدعي من الجماهير العودة إلى جذور القضية بروح التضحية والتكافل والفداء.