الإرث اللبناني لخليل الوزير

د. موفق محادين

 لا أحد ينكر الدور الكبير الذي لعبه خليل الوزير “أبو جهاد” أحد مؤسسي وقادة “فتح” في الكفاح الفلسطيني المسلح، مما جعله هدفا دائما للموساد الصهيوني الذي تمكن من اغتياله في عملية إنزال بري داخل الأراضي التونسية، قيل الكثير حول أطراف أخرى شاركت فيها. فقد كان الوزير أول الرصاص وأول الحجارة على حد تعبير ياسر عرفات.

بالمقابل، فإن “ابو جهاد” ساهم أيضا في بعث العديد من الجماعات الأصولية من كل الطوائف. ولعله في “تقسيم عمل” مع أبو عمار كان مكلفا بذلك فضلا عن قناعاته ودوره في تغذية تيارات “الإسلام السياسي”.

وبالإضافة لعلاقة أبو جهاد مع الجماعات الإسلامية في الفلبين “أبو سياف” وتايلاند “فطاني” وغيرها، فقد كان على صلة بالجماعات القطبية “سيد قطب” منذ عودتها إلى مسرح الأحداث بعد إعدام “قطب نفسه” بقرار من جمال عبد الناصر، واعدام نظيره العراقي “إبراهيم البدري” بقرار من صدام حسين.

ولو دققنا في المشهد اللبناني الحالي لوجدنا أصابع الرجلين، أبو عمار أبو جهاد لا تزال قوية في هذا المشهد، من دورهما في تأسيس حركة أمل بزعامة الإمام موسى الصدر، إلى رعاية فصائل مثل “المرابطون وهم تنظيم ناصري”، ومنظمة العمل الشيوعي، ورعاية الانشقاقات في الحزب الشيوعي اللبناني ووراثة دوره في الجنوب اللبناني والشياح “جزء من الضاحية الجنوبية”.

على أن أبرز مظاهر الإرث السياسي الراهن للرجلين وخاصة أبو جهاد هي المظاهر التالية:

-1- تيار المستقبل بقياداته ومراكز نفوذه، التي كانت جزءا من “فتح” ومن مراكزها. وتحضر هنا بلدة عرسال والأحياء المتشددة في طرابلس وعكار.

ويلاحظ هنا أن دمشق بعد دخولها لبنان تقاسمت جانبا من هذا الإرث مثل حركة التوحيد الطرابلسية “السنية”، وحركة المرابطين الناصرية “شباب السنة في بيروت”، وحركة أمل الشيعية.

أما الجانب الأكبر فتحول من “فتح” إلى تيار المستقبل، ولم يكن الحريري، الأب ثم الابن سوى عناوين سياسية ومالية للإرث الفتحاوي.

-2- من المظاهر الأخرى القنوات التي فتحها أبو جهاد وأبو عمار مع أوساط ثقافية واعلامية لبنانية وسورية وعربية مثل رجل الدين الشيعي الراحل “هاني فحص” الذي تحول من صديق للحزب الشيوعي إلى صديق لفتح “أبو جهاد”، ومثل السوري برهان غليون الذي عمل مع أبو جهاد وكاتبا في مجلة يشرف عليها محمد رشيد، وهو كردي عراقي تتهمه أوساط من فتح بإقامة علاقات مع “إسرائيل” والسيطرة على مئات الملايين من أموال الحركة ومنظمة التحرير الفلسطينية.

-3- ولنا أن نقول إنه بالرغم من دعوة الوزير وعرفات لعدم التدخل في شؤون أي بلد عربي إلا أن علاقتهما مع الجماعات الإسلامية المسلحة أدخلت الحركة في إشكالات معروفة مع أوساط وبلدان عديدة ومنها سورية إبان أزمة الثمانينيات من القرن السابق، حيث ساقت الصحافة السورية آنذاك اتهامات لأوساط مقربة منهما بدعم جيش محمد والتيارات المسلحة في جماعة الإخوان المسلمين فيما عرف حينها بما قاله الإعلام السوري عن شبكة “ابو طعان”. وكان يشغل موقعا معروفا في قيادة “الشرطة العسكرية الفلسطينية” التابعة لفتح.

ومن المفارقات اللاحقة أن تنظيما فتحاويا دعمته دمشق ضد القيادة الرسمية لفتح وهو “فتح الانتفاضة” افرز بدوره حالة إسلامية مسلحة صغيرة هي “فتح الإسلام” التي دعت للتنسيق مع “القاعدة”، وتراوحت الاتهامات المتبادلة بشأنها بين علاقة مع تيار المستقبل الحريري وبين علاقة مع أوساط سورية.

:::::

“العرب اليوم”