السلطة هروب إلى الأمام والشعب انسحاب إلى الداخل

عادل سمارة

بين الانسحاب إلى الداخل والهروب إلى الأمام مسافة موقف ووعي تقود إذا ما استمرت إلى الافتراق التام. هذا ما تشي به مقارنة حالتين فلسطينيتين.

بعد خروج منظمة التحرير من لبنان إلى تونس، وتدهور مستوى النضال الوطني التحريري الفلسطيني وصل العدو الصهيوني إلى قناعة جديدة ولكن وصل الشعب الفلسطيني إلى قناعة جديدة أخرى مناقضة.

من جانبه اعتقد الكيان الصهيوني أن النضال الوطني الفلسطيني قد توقف، وبأن امكانية ضم الضفة والقطاع كليا إليه باتت واردة، وبالطريقة التي يراها وتخدم مصالحه. هذا ما عبر عنه الباحث الصهيوني ميرون بنفنستي عام 1987 مستخدما تعبير “وصلنا ربع الساعة الأخير”. وكان قد نظَّر لهذا المناخ (1985) د. سري نسيبة الذي كان محاضراً في جامعة بير زيت، حيث اقترح على الفلسطينيينطلب الحصول على جنسية إسرائيلية ولا يزال يمارس التطبيع وينظِّر له. وحينها عام 1985 عوقب على ذلك بأن ناوله الطلبة علقة جسدية.

بالمقابل، تفجرت الانتفاضة الأولى في نهاية عام 1987 محدثة نقلة نوعية في النضال الوطني حيث انزاح النضال من نضال النخبة (المقاتلين بالسلاح) من اعضاء المنظمات المسلحة إلى النضال الجماهيري حيث شاركت معظم الطبقات الاجتماعية في هذا النضال باستثناء شريحة الكمبرادور ومثقفي الطابور السادس الذين في الوقت الذي كان الشارع يواجه الكيان ورصاصه بالحجارة كان هؤلاء يتفاوضون ويتحاورون مع الكيان الصهيوني. ولعل أسوا موقف حينها كان اللقاء التلفزيوني الذي جمع فلسطينيين (هم د. حير عبد الشافي و د. حنان ميخائيل عشراوي-جامعة بير زيت- و د. صائب عريقات-جامعة النجاح) وأذكر من الطرف الصهيوني الياهو بن إليسار. قبل اللقاء بيومين اجتمع بي رئيس فريق التلفزيون الأمريكي الذي اجرى اللقاء ومعه السيد عودة شحادة كي انضم للقاء. رفضت ذلك من حيث المبدأ.

لاحقاً، أُُنعم على د. نسيبة برئاسة جامعة القدس، ودخلت عشراوي وعبد الشافي وفد المفاوضات في مدريد ثم المجلس المسمى تشريعي…الخ.

ولكن الكيان لم يوقف هجومه التركيعي للفلسطينيين، فواصل الشغل على توليد مفاوضين من الأرض المحتلة نفسها، فكان مؤتمر مدريد والجولات العشر التي تلته. وأعتقد أن هناك سجلات باسماء كل من شارك فيه وبعده في المفاوضات التي أنجبت اتفاق أوسلو ولاحقا بروتوكول باريس الاقتصادي.

ولعل من الطرافة بمكان أن كثيرين ممن شاركوا في مدريد-أوسلو هم اليوم من أبلغ الناقدين لاتفاق أوسلو؟ وباختصار هنا أقول بان خُلو الساحة الفلسطينية من النقد بمختلف اشكاله يسمح لأي كان ان ينتقل من الوطن إلى ضده ثم يعود ليكون قياديا وطنيا، في تغيرات اليوم الواحد كمناخ لندن.

النقطة المركزية التي أود تثبيتها هنا هي أن الشعب الفلسطيني رغم كل الإشكالات والمشاكل، ظل قادرا على توليد أطياف مقاومة بعد كل رماد. هذا درس الانتفاضة الأولى وهو نفسه درس الغدر بها. لذا كانت الانتفاضة الأولى. وأمام أزمة منظمة التحرير وهروبها إلى تونس قرر الشعب الانسحاب إلى الداخل (وهو تعبير استخلصته من التجربة وضمنته في اكثر من كتاب):

  • الانسحاب إلى الداخل نضاليا وسياسيا بتشديد وتوسيع النضال الجماهيري ضد الاحتلال بالمقاطعة ورفض التطبيع
  • والانسحاب إلى الداخل تنموياً بالتنمية بالحماية الشعبية عبر العودة للأرض وعدم العمل في الكيان وهو ما جسده اساساً العمال…الخ

ولذا كانت الانتفاضة هذه مساهمة شعبية هائلة تم الغدر بها بمشروع التسوية.

فما الذي نراه اليوم؟ اليوم تهرب قيادة سلطة اوسلو-ستان إلى الأمم على أمل أن تحصل من الأمم  المتحدة على بعض الاعتراف بدولة فلسطينية ما!

ورغم ان هذا المطلب شديد التواضع وشديد البعد عن الحق الفلسطيني في التحرير والعودة، إلا أن ضغوطات امريكية تذهب باتجاه تأجيل هذه الشكوى الفلسطينية وتستخدم امريكا انظمة عربية لإقناع السلطة الفلسطينية بعدم الذهاب إلى الأمم المتحدة، بمعنى أن هذه الدول تريد من السلطة الفلسطينية ان تتصرف بما يريح الكيان الصهيوني.

وهكذا، فإن سياسة الهروب إلى الأمام، اي  إلى الأمم المتحدة، هي تكرار (لكن على نطاق معولم) لتجربة الهروب إلى تونس. وهذا يعني أن على الفلسطينيين تحت الاحتلال تجاوز ثنائية السلطة بين فتح وحماس واجتراء عمل وطني مختلف يستلهم الانتفاضة الأولى بمضمون الانسحاب إلى الداخل لمواجهة الأزمة تحت شعار: “إعادة بناء البلد كمقاومة”. وذلك بالنضال ضد الاحتلال بكافة الوسائل وأنماط المقاومة. أما داخل البلد فبالعمل ضد الفساد وضد التطبيع وضد المفاوضات العبثية وضد القمع والتنسيق الأمني، وتركيز المقاطعة وتشكيل لجان الحماية الشعبية، وضد التمويل الأجنبي (الرسمي السفاراتي والأنجزة) الذي قاعدته الذهبية هي: “نعطيكم مال على انه: “ريع مالي مقابل تنازلات سياسية تُبقي اوسلو حياً وتعيد إنتاجه بطبعات تزداد خطورة”.