الاقتصاد العالمي من ‘الفقاعات النقدية’ إلى ‘الهاوية المالية’: درهم وقاية وقنطار علاج لمرضعضال أو حكاية صندوق النقود المسحور والأربع والأربعين حرامي

 

بقلم د. محمد أبوزينة*

The International Economy from the Financial Bubble to the Fiscal Cliff: The Irremediable Disease”

 

يحكى أن… 

بعد طول صمت قضاها في التفكر والتأمل في شؤون الأقطار والأمصار وأرزاقهما، فتح لنا الصندوق العجيب – صندوق النقد الدولي – أبوابه كما يفتح سمسم صندوق حكاياه المسحور… أما الحكاية فهي تقرير صندوق النقد الدولي الأخير المكون من أربع وأربعين صفحه والموقع من قبل كبار مستشاريه الاقتصاديين(chief economist) ، الفرنسي أوليفيه بلانشَر Blanchard)(Olivier ويقص لنا فيه واحدة من أطرف الحكايا الشيقة والمسحورة لعالم بريتون وودز للخيال الاقتصادي العلمي (Economicscience fiction).

الحكاية بدأت منذً عَشَرَةٍ ونيِّف حين أرسل الصندوق – الذي يسهرعلى تعزيز السلامة العامة للطرق الاقتصادية منذ العام 1945 – إلى حكومات الدول الثكلى والحبلى بالفقاعات المالية المنتفخة كلمة السر لمواجهة واحدة من أكبر وأعمق أزمات الاقتصاد العالمي منذ الكساد العظيم (Great Depression 1929-1944) . الوصفة السحرية برسم التنفيذ الفوري حملت كلمة السر العجيب(Austerity) وتعني ببساطة شديدة تقشفواْ وفق القاعدة الذهبية }وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ{. والمَعنيُ هنا بالتقشف هي الحكومات ذاتها من حيث هي- هي وكيل اقتصادي اعتباري (State as Economic Agentبما عليها من واجبات والتزامات تجاه المجتمع أفراداً وجماعات (كمزود رئيسي بل حصري في بعض الأحيان للسلع والخدمات العامة – Public Goods & Services ). أما الأفراد من حيث هم وكلاء وحدات اجتماعية مستهلكة (Households as Economic Agent) فيتوجب عليهم الاستمرار في الإنفاق بل زيادته وفق قاعدة }أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم {لتحريك عجلة الاقتصاد المعطوبة، بل وضعها على صراط السكة المستقيم بعدما كانت قد انحرفت عنها لبضعة عقود بعد بدعة الاقتصادي الانجليزي جون مينارد كينز(John-Maynard Keynes) حول عدم كفاءة الاقتصاد الحر دون تدخل الدولة لإعادته الى نصابه، أي الى حالة التوازن الاستاتيكي كلما جن جنونه وانفلت من عقاله. حينها قال لنا كبير الاقتصاديين الصندوقيين بلانشر أن الازمة ستستمر عقداً، فلا تكونوا من القانطين من رحمة الله ولا من اليائسين مما عنده! واستمروا بالتقشف وشد الأحزمة على البطون حتى لا تنتفخ الفقاعات أكثر وتنفجر!

جاءتكم إذاً الموعظة الحسنة من الصندوق: “سياسات التقشف (Austerity) الهادفة إلى تقليص الدين العمومي وحدها الكفيلة بإعادة الدولاب الى الدوران” حُجّةُ الصندوق الدامغة، بلْ قلْ سنده الشرعي وبرهانه العلمي، كان نموذجاً رياضياً قياسي مقدّر بإحكام لا ريبَ فيه. ووفق هذا النموذج الصندوقي الصارم (Econometric model of government deficit-cut) فإن تقليص الإنفاق الحكومي (Government Expenditure Deficit-Cutting) بمقدار دولار واحد سيؤدي إلى تأثير محدود على الاقتصاد بمقدار دولار واحد فقط (أي واحد بواحد One-by-one-effect طبعاً مع عدم اغفال الافتراض الكلاسيكي للنموذج القياسي ببقاء العوامل الأخرى على حالها (Ceteris-paribus).

cf.:http://didattica.unibocconi.it/mypage/upload/49621_20090119_044303_BLANCHARDPEROTTI4_02.PDF

لكي نَفْهم المنْطق الصارم الذي تقوم عليه الحجة الصندوقية الدامغة بطريقة أكثر عمقاً وتبسيطا،ً دعنا نُبَسّطْ الأمور و نبسطها قبل أن ننقدها. يُعرف الأثر المُشار اليه أعلاه بلغة علوم الاقتصاد المعاصر بِ”المُضْاعِف المالي (Fiscal Multiplier)، وبه يقاس مقدار تأثير التغير في الإنفاق الحكومي على الاقتصاد الكلي – مقاساً بناتجه المحلي الإجمالي (Gross Domestic Product – GDP) – أي إذا زادت (أو خفضت) الحكومة انفاقها العمومي بمقدار دولار واحد، كم سيكون مقدار الزيادة (أو النقصان) فيGDP؟ هل سينمو (ينكمش) الاقتصاد بأكثر أو أقل من دولار؟ إذا كانت قيمة المضاعف (Fiscal-Multiplier) أكبر من واحد صحيح فإن سياسة التوسع (أو الانكماش) في الإنفاق الحكومي (Expansionary Fiscal Policy) تُعَدُّ أداة مؤثرة (كفؤة) في تحفيز النمو (او الانكماش) الاقتصادي، والعكس صحيح؛ اذا اعتمدت الحكومة سياسة انكماشية(Contractionary Fiscal Policy) وكانت قمة المضاعف المالي واحد صحيح أو أقل، فإن تأثير ذلك على الاقتصاد سيكون بقيمة المضاعف (أي بواحد أو أقل منه). هكذا إذاً وفق النموذج الصندوقي العجيب فان برامج وسياسات التقشف سيكون أثرها السلبي على النمو الاقتصادي والتوظيف محدود جداً (بمقدار الواحد المُقدَّر فقط). لا بل ان هذا الأثر سيكون قصير الأجل، حيث إن تخفيض الانفاق الحكومي سيُخّفف من وطأة مزاحمة القطاع العام للقطاع الخاص – الأثر المعروف بِ (Crowding-out effect) – على الائتمان من فوائض المعروض من رأس المال المالي (Supply of Financial Capital)، مما يحفزه على استثمار هذا المال الحلال الزلال، وبالتالي الى دوران العجلة الاقتصادية من جديد وخلق فرص عمل للعديد. عقدا من الزمان وستكون الأمور على ما يرام، وفق نبوءة الصندوق! يُشبّه جون مينارد كينز تفاؤل الاقتصاديين الكلاسيكيين في حاشية كتابه الشهير كتابه “النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود، 1936“، بِ”كانديه” – بطل رواية فولتير – “هجروا العالم ليزرعوا بستانهم بالأمل بانتظار أن يتحقق الافتراض بأن العالم سيصبح على أحسن ما يرام بعد ازالة جميع العقبات من طريقه نحو الازدهار مع الافتراض بأنه يسير حقا على هذه الصورة“.

والآن بعد مِضي عقد ونيف من الزمان هل تغير واقع الحال وتحققت نبوءة الصندوق بالازدهار؟

لا يُشبِهُها بحال إلاّ سنين الألفيّة الثانية الأولى التي انتهت إلى كساد عظيم (1945-1929GreatDepression) لم تفلت الاقتصاديات الكبرى من كماشته إلا بحرب كونية مزلزلة، كانت سنين العشرية الأولى من الألفية الثالثة عِجاف، مرت ببطءٍ مقيت وثقلٍ شديد، مُخلّفةِ ورائها في كل عام عشرات الألوف من العاطلين عن العمل، فقرٌ يتسع ويلتهم المزيد من بقايا الطبقات الوسطى المتعبة والمثقلة بالديون والتي كانت تنعم حتى الأمس القريب بفتات النمو الهش، الأثر المعروف بِ ((Trickle-down Effect. برامج الائتمان طويل الاجل من أجل التمليك العقاري أدت في الواقع إلى تجريد محدودي الدخل ليس فقط من مُلكياتهم بل رَهنت إلى غير آجل ما عندهم من ممتلكات بسيطة اضافة الى دخولهم المتواضعة للرأسمال المالي والعقاري مقابل قيم افتراضية بأجل. أفضى كل ذلك إلى نمو اقتصادي وهمي أنتج حملا كاذبا عندما تجاوزت القيم السوقية للعقارات المشتراة من قبل محدودي الدخل قيمها الأصلية أضعافا مضاعفة مما شجعهم على زيادة الائتمان برهن قيمه العقار المنتفخة، وليس الاصلية، والتي لم يتم تسديدها بعد، أي ائتمان على ائتمان برهن قيم افتراضية منتفخة وغير حقيقية لهذا الأخير سرعان ما انفجرت مولدة ما أطلق عليه أزمة فقاعة الرهنالعقاريHousing Bubble popped as subprime mortgages) ). النمو الاقتصادي الغير مسبوق الذي شهده عقد التسعينات على شكل طفرات لم يكن اذا غير فقاعات صابونية في الهواء، ما لبثت أن انثقبت موقفةً العجلة عن الدوران خلال العقد الأول من الألفية الثالثة. حل مشكل الاقتصاد بحسب الصندوق لم يكن باستبدال العجل المثقوب بل بترشيد دوران عجل آخر هو الائتمان والإنفاق العمومي عبر تطبيق برامج التقشف المشار اليها أعلاه. ولكن هذه الأخيرة لم تفعل غير أن فاقمت ازمة الثقوب بعد أن أصيب الاقتصاد العالمي بهزال وكساح شديدين، ولم ينمو شيء غير البطالة والفقر واللامساوة الاقتصادية الاجتماعية، وحل مكان التنمية المستدامة ركود وكساد مستدام … فالتقشف لم يجلب إلا المزيد من التقشف… باختصار لم تتحقق نبوءة اقتصاديي الصندوق العجيب.

كان لا بد اذا للصندوق المسحور من قول سديد بعد مضي عقد مديد من التقشف الزهيد، وهو الذي أدخلنا السراديب المعتمة دون أن يعرف هو نفسه نهاياتها العظمى والصغرى، ولكن فعلها لكي يُطفيء ظمأ فضوله بالحكايات الشيقة التي أدخلته في متاهات الظن في اليقين، وظل يلهث ويلهث وراء إجابات قاطعة كَحَرْفِ السَّيْفِ، لما صنعته تلك السياسات التقشفية والفقاعات الاقتصادية البالونية – التي تشبه فقاعات سبونج بوب (Spongebob) الصابونية الهوائية – التي ملأت عقله الصندوقي الأسود وأفقدته حواسه الإدراكية. وكان من المعجزات بعد أن كشف عنه سره المدفون وأسرّ لنا بسيفه المسنون خبايا السنون. بعد أن نسي ما تسبب من إتراح، أطل علينا الصندوق الأسود من جديد وجاءنا بالكلام المباح، وهو فقط من يملك المفتاح باتفاقه مع ديك الصباح، ليعترف لنا وببساطة منقطعة النظير بأن مجمل سياسات/ برامج التقشف ((Austerity التي تبنتها المؤسسات الدولية وفرضتها على الدول الثكلى والحبلى بالفقاعات هي أسوأ بكثير مما كنا نعتقد (cf. Austerity is much worse for the economy than we thought- IMF, World Economic Outlook-IMF- Oct. 2012). والسبب هو أن مجمل هذه السياسات بُنِيَت على خطأ رياضي: “هناك خطأ فادح أرتكب بحق علم الاقتصاد والدول التي طبقت برامج التقشف. هذا الخطأ الفادح تمثل في قيمة المضاعف المالي (Fiscal Multiplierالذي استندت إليه هذه الدول من أجل التقليص التدريجي التصاعدي لعجوزات موازناتها العمومية وصولا إلى توازنها عبر تقليص الإنفاق وزيادة الضرائب (Tax-hikes and Spending-cuts). هذا الأثر لم يكن بمقدار (الواحد بواحد One-by-one-effectالمشار إليه أعلاه، ولكن بمقدار الواحد بثلاثة Three-by-one-effect)). أي أن تقليص الإنفاق الحكومي (Government-Expenditure-Deficit-Cutting) بمقدار دولار واحد أدى إلى خسارة الاقتصاد الكلي للدول المعنية لثلاثة دولارات فقط لا غير”! cf.http://www.imf.org/external/pubs/ft/weo/2012/02/pdf/c1.pdf

ولكن لكم أن تتخيلوا يا أولي الألباب، حجم الخسارة أو التسربات من سراديب و قنوات الاقتصاد وأنفاقه (Leakages out of the circular flow of income & expenditure) عندما تقومون بضرب قيمة المُضاعِف الثلاثي الأثر والأبعاد، والذي يمكن تسميته بِ (3D-Multiplier) بِمئات المليارات من الدولارات أواليوروات المسحوبة خلسةً من غلةِ الخزائن والصناديق العمومية. بحسب الصندوق المسحور فإن السبب وراء هذا الإخفاق يعود ” لطبيعة النفس البشرية” الأمارة بالسوء طبعاً. فالبشر وفق بلانشَر، “يبقون بشراً” (les hommes sont humains).  مضيفاً أن ” سياسات التقشف أدت إلى ردات فعل جماعية غير متوقعة، بحيث أن تخفيص الانفاق العمومي بِيورو أدى الى خسارة 3 يورو من حلقة التدوال. وبذلك نفهم كيف أن سياسات التقشف المضروبة بسيف قاطع مسنون على اقتصاديات الدول الكبرى لم تؤدي إلا إلى المزيد من التقشف والبطالة والفقر والركود الاقتصادي. المعادلة الرياضية الصندوقية كانت اذاً خاطئة. ولكن كيف يمكنك حل مشاكل الأمازون عندما تفكر بالمسيسبي أوالإعجاز الهندسي لقناة بنما!. ماذا ستقول لتلك الدروس الحسنية والوعظية التي انهالت على رؤوس الاشهاد خلال عقد كامل من قبل اقتصاديين واثقيين جداَ من أنفسهم ومتفائلين جداً بغدهم تماما ككنديد، ماذا ستقول للجيوش الجرارة من العاطلين عن العمل الذين سيفوق تعدادهم وفق تقديرات منظمة العمل الدولية لعام 2013 320 مليون. ولكن الأكثر غرابة هو أنه وجب الانتظار عقدا كاملا من الزمان حتى يطل علينا نابغة الصندوق في اكتشافه للخطأ الرياضي الفادح في المعادلة، وحتى ندرك أخيرا أن شيئاً ما لم يكن يعمل كما ينبغي له و يبتغى منه. وجب انتظار فطنة أحدهم لكي يكتشف خطأ معامل المضاعف المالي المُقدر (estimated coefficient of fiscal multiplier) والذي خضع لعدد لا بأس به من إختبارات عدم الانحياز والتحيز الاحصائية والقياسية، وحتى نصدق ما كنا نراه طلية السنوات المنصرمة بأم أعيننا بل وندركه بكل بحواسنا. تماما كما لو كنت ترى سلسلة من حوادث الطرق المتتابعة ولا تتوقف عن المسير ولا تعطي إنذاراً، طالما أن دليل الطرق المحوسب  (GPS)لا يشير أبدا إلى وجود مثل هذه الحوادث والاختناقات المرورية، وتواصل المسير على هدى من الصندوق حتى تصل إلى الهاوية المالية. طريق الهاوية المالية(Fiscal Cliff) لم يكن مرصوفا بصكوكك العفو العام وبالصدقات الحسنة (الإعفاءات الضريبية لذوي الدخل المحدود في إطار تطبيق برامج التقشف، والتي كان من المفترض أن ينتهى مفعولها في ولايات امريكا المنحدرة نحو الهاوية منتصف ليل 31 كانون أول 2012)، ولكنه موسوما بالخطوط البيض والسود كحمار وحشي بليد، او كبلح البحر المخطط الذي ينتمي الى طائفة الرخويات الإخطبوطية التي تملك فقاعات متصله برباط هش. تماماً كحال الاقتصاد العالمي الذي يسير مثقلا بالفقاعات ليقذفها واحدة تلو الأخرى في الهاوية المالية السحيقة على بركات الإعفاءات الضريبية وصكوك غفران البنكوت. باختصار العجلة الاقتصادية المثقوبة تسير على بركة الصندوق بوتائر متسارعة ولكن نحو نحو الهاوية السحيقة. ولكن نوابغ الصندوق يجيبونكم بطيبة وتقوى وورع: لن نستطيع التخلي عن عقاْئدنا وأيديولوجاتنا بين عشية وضحاها تماما كما أن الغبار الكوني الناشئ عن انفجارات فقاعات السديم الاقتصادي لا يزال عالقاً بين فصائص الألباب حاجبا للرؤية والنبوءة الاقتصادية الرشيدة.

ولكن كيف أراد لنا الصندوق ان نصدق ان الفقاعات لا تعالج إلا بوخز إبر التقشف؟ وأن هذه الأخيرة ان لم تأتِ أُكلها بتقليص العجز وتحقيق نمو وازدهار اقتصادي مُطّرد فهذا نتاج خطأ رياضي صرف؟

ألم يكن هذا الافتراض/التنبؤ مخالفاً حتى لأبسط الدروس الاقتصادية النظرية والعملية المستقاه منذ ظهور أول فقاعة اقتصادية، “فقاعة جنون أزهار التيوليب الهولندية” عام 1637 حتى ظهور فقاعة “الدوت-كوم” عام 1995، مروراً بفقاعات الكساد العظيم (1945-1929). ألم يتقدم العديد من الأكاديميين و الخبراء الاقتصاديين بنفس توصية الصندوق عندما دخل الاقتصاد الرأسمالي العالمي في نفق هذا الكساد العظيم: “لا تفعلوا شيئاً، الاقتصاد الحر قادر على تصحيح هذه التشوهات واسترداد عافيته بنفسه ودون أي تدخل، وإن كان من التدخل بُدّ، فعلى الدولة أن تتقشف حتى تقلص من العجز المطرد في موازنتها العامة بفعل الكساد وتتيح الفرصة للقطاع الخاص”؟ ألم تواجه سياسة روزفلت (1933-1938) بزيادة الإنفاق الحكومي من أجل تحفيز الاقتصاد حتى لو كان ذلك على حساب مزيد من العجز في الموازنة العامة نقدا حاداً وصل إلى حد وصف التدخل المتزايد للدولة في الاقتصاد بأنه مشوب بالآثام ؟ ألم ينأى الحائز على لقب “طبيب الرأسمالية” جون مينارد كينز وأتباع مذهبه من الاقتصاديين أمثال الاقتصادي الشهير بول ساميلسون عن نفسهم تهمة “الشرك بالرأسمالية والزندقة ببدع الاشتراكية” مؤكدين أن هدفهم هو إنقاذ الرأسمالية من شرور أعمالها وسيئات نفسها، مؤكدين في أكثر من مناسبة أن ” الاقتصاد الغير قادر على خلق فرص عمل لا يمكنه البقاء على قيد الحياة” وأن “العودة إلى فردوس السوق الحر سيكون ممكناً فقط حينما يحقق الاقتصاد التوظيف الكامل“.

وأخيرا ألم يُبَرهَن نظريا وإمبريقياً على أن أي تغير في النفقات العامة يجب أن يقابله تغير في الضرائب بنفس المقدار والاتجاه اذا أريد لهذا الأثر أن يكون بمقدار الواحد فقط، وهو ما يعرف بلغة علم الاقتصاد المعاصر بِ”مُضْاعِف الموازنة المتوازنة(BalancedBudget Multiplier. هذا المضاعِف ناتج عن حاصل جمع مضاعفين ذات تأثيرين متعاكسين: مٌضاعِف الانفاق العمومي (Government Expenditure Multiplier) ومُضاعِف الضرائب (Tax Multiplier). مثال ذلك أن تقوم الحكومة بزيادة (تخفيض) الإنفاق الحكومي و الضرائب بنفس المقدار (بهدف ضمان توازن الموازنة أو عدم زيادة العجز) بحيث يؤدي ذلك الى زيادة (نقصان) في الانتاج/الدخل (التوازني) بالمقدار نفسه، أي دون آثار جانبيّة توسعية (انكماشية) حيث يُلغى الأثر التوسعي (الانكماشي) لزيادة الانقاق العمومي الأثر الانكماشي (التوسعي) لزيادة الضرائب والعكس صحيح. وهذه هي الحالة التي يمكن بها توقع أن يكون حاصل التأثير الكلي على الاقتصاد (الانتاج/الدخل التوازني) بمقدار الواحد بواحد (One-by-one effect). ولكن حتى لو قامت الحكومة على سبيل المثال بزيادة الضرائب بمقدار 50 مليون دولار وأنفقت كامل حصيلة الضرائب على الخدمات والسلع العامة فان ذلك لن يقود بطريقة آلية الى تغير في الدخل/الانتاج بالمقدار نفسه كما يتنبأ بذلك النموذج النظري الرياضي ولن يحقق ذلك بالضرورة توازن الموازنة أو تقليصا في العجز في المديونية العمومية، لان ذلك كله يعتمد على مجموعة كبيرة من بروميترات المتغيرات المقدّرة بهامش خطأ، والتي من المفترض أن تعكس وتقيس ردّات فعل وميول وتوقعات الافراد نحو الاستهلاك والادخار والاستثمار (عبر مفهوم  الميل الحدي) والتي لن تكون بالضرورة متماثلة في ظل آثار متعاكسة.

ولكن ماذا عن جانب العرض والانتاج؟

 

كثيرون هم من وجهوا سهام النقد الحاد للنموذج الاقتصادي الكينزي أعلاه ليس فقط لتركيزه على جانب واحد من الاقتصاد، جانب الطلب الكلي (Aggregate Demand)، ولكن بسبب ما عُرف بفشل بسياسات ادارة الطلب الكلي (Failure of demand   management policies)  في اخراج الاقتصاد العالمي وإنقاذه من حمى وبائية جديدة، وهي حمى الركود التضخمي (Stagflation) التي أصابته في كبده خلال عقد السبعينات من القرن المنصرم الذي شهد أول وآخر أزمة نفطية (The 1973 oil crisis). بخلاف أعراض داء العقد الثالث من القرن الماضي التي تمثلت بركود عميق تخلله انخفاض حاد في الأسعار، تمثلت حمى عقد السبعينات بانخفاض في معدلات النمو مصحوبة بارتفاع حاد في الأسعار والبطالة ، أيركود اقتصادي رافقه تضخم حاد. تلكم كانت المفارقة العجيبة حيث كان يُنظر للظاهرتين نظرة فيليبسية (نسبة الى الاقتصادي النيوزلندي ويليام فيليبس الذي أبدع قوس البطالة والتضخم شديد المرونةPhillips Curve 1958) على كونهم ظاهرتين غير متقاطعتين (Mutually Exclusive) أي يستبعد بعضها بعضا. ولكن بالنسبة للعديد من الاقتصاديين الصندوقيين والأرثوذوكسيين فان الكساد أو الركود الاقتصادي العميق أصبح في حكم الماضي ولن يتكرر أمره من جديد: “ الركود الاقتصادي إن حصل فهو قصير الأجل  وأي تراجع أو اخفاق في أداء الاقتصاد الكلي بالنسبة لكمال وكفاءة الأسواق الحرة فهو ناتج بالضرورة عن تدخلات طفيلية وغير متوازنة من قبل الدولة ومصرفها المركزي الذي يعتمد سياسات ائتمانية تكبح جماح الائتمان والاستثمار عبر وضع معدلات فائدة غير متناسبة مما يؤدي الى حالات كساد ولكن قصيرة الأجل” (Stiglitz 2008,DeLong, 1998). خرج من بطن تلكم الأزمة طائفة جديدة من الاقتصاديين الأرثوذكسيين المتحمسين حماس كنديد الشديد، أطلق عليهم اقتصاديي جانب العرض(Supply-side economists)  وكان أغلبهم ينتمي لِ (Chicago school of economicsأو ما عُرف بِ (Freshwater school of macroeconomics) . كان أبرز إسهامات الكنديدين الجدد نحتهم لنظرية قديمة ـ جديدة مبنية على مفهوم/افتراض “السلوك الرشيد والتوقعات الرشيدة”  (Rational Expectations).وتفترض هذه الأخيرة أن الوحدات الاقتصادية (Economic Agents) تتصرف بطريقة رشيدة وتتخذ قرارات اقتصادية رشيدة بناء على خبراتها ومعلوماتها السابقة، وبالتالي فان توقعاتها تجاه القيم المستقبلية الافتراضية (virtual- future values )هي بالمجمل صحيحة. وان صرفنا النظر عن مدى واقعية الافتراض الرشيد وعدم اكتمال المعلومات ونضوج الخبرات والتي هي بلا جدال محل جدل، فان النظرية تفترض بان الأفراد قد يخطئون في تقديراتهم الاقتصادية ولكن أخطائهم عشوائية (Random)بالمعنى الإحصائي وبالتالي بالمعدل صحيحة (Agents’ expectations may be individually wrong, but are correct on average)، وبناء عليها يمكن اشتقاق قيم اقتصادية متوقعة وصحيحة للمتغيرات  (True statisticalexpected values). ولكن على الرغم من كون هذه النظرية صندوقية بامتياز (par excellence) وبصرف النظر عن مدى الاختلاف أو الاتفاق مع رشدها، فان الصندوق العجيب تناسى أو أراد لنا ان نتناسى أن البشر خطاءون وأن في أخطاءهم رُشدُ. وبذلك عادت حليمة لعادتها القديمة، تارة ترمي اللوم على خطأ في الحساب، وتارة على خطأ في سلوك الوحدات الاقتصادية وردود أفعالها الغير رشيدة والغير متوقعة على اقل تقدير. أما منظروا الاقتصاد الرشيد فلا زالوا يأملون حتى اليوم أن العالم وان نقصته المعلومات الكاملة وساد فيه الشك فلن يختلف كثيرا عن ذلك العالم الافتراضي الصندوقي حيث كمال المعلومات واليقين ولكن ذلك لم يعدو كونه أملا من بعد خيبة رجاء.

يُفتَرض أن “علم الاقتصاد المعاصر” والقائم في غالبية بنيته النظرياتية والعملاتية على أطروحات النظرية النيوكلاسيكية الرشيدة (Neoclassical Economics)، أو على الأقل هكذا يُقدم لنا، على انه علم تفسير و قياس وتنبؤ، أي علم قادر على تفسير الظواهر والمشكلات الاقتصادية، قياسها و التنبؤ قبل وقوعها بناء على قياس سلوك الأفراد والمتغيرات الاقتصادية وتقدير المعاملات، سواءً كان ذلك على المستوى الكلي (Macro) أو الجزئي (Micro). ولكن المفارقة أن الكثير من التنبؤات الهامة للاقتصاد النيوكلاسيكي المهيمن على تيارات الاقتصاد (Neoclassical Economics) يمكن دحضها دفعة واحدة ودون كبيرَ ذكاء أو حتى عَناء!!!

خذ/ي على سبيل المثال لا الحصر مشكل البطالة ، وهي واحدة من أبرز المعضلات الاقتصادية المزمنة التي تواجه الاقتصاد العالمي. رغم ثقلها واتساعها افقيا وعموديا يوماً بعد يوم لا وجود لها في النماذج الاقتصادية النيو كلاسيكية التي يستند عليها الصندوق العجيب في رسم سياساته وتقديم نصائحه ومواعظه. فهذه النماذج تفترض التوظيف الكامل للموارد وتفيدك بان أي فروقات او انحرافات عن حالة التوازن العام (اي توازن قوى السوق)، ان وجدت فهي مؤقته، عابرة، موجزة، سريعة، غير باقية… لذلك لا داعي لتوظيف أي موارد اقتصادية لتصحيحها، سوق العمل كما سوق السلع يصحح نفسه تلقائياً، وان بقي بطالة فهي طوعية(Voluntary Unemployment) ناتجه عن عدم رغبة الأفراد بالعمل عند مستويات الأجور السائدة. صدقوا أو لا تصدقوا، هناك اقتصاديين أرثوذكسيين اليوم ومنهم من حاز على جائزة نوبل في الاقتصاد الرشيد، لا يرى أن البطالة تمثل أي مشكل اقتصادي، وان وجدت فهي نتاج تدخلات الدولة الغير رشيدة. الحل السحري وفق الاقتصادي الصندوقي الرشيد يكمن فقط في مزيد من تقشف الدولة ورفع يدها عن الأعمال لاعادة الاعتبار لِ ” اقتصاد عدم التدخل” (laissez-faire) واطلاق العنان لاستثمارات رأسمال والائتمان الحر. ولكن هذا القطاع الريادي جداَ في الأعمال لم يكن رياديا في التشغيل، كان قد اختار منذ أمد بعيد وبشكل قدري غير مفاجئ طريقاَ آخر؛ طريق “الأقل كلفة في التصنيع والأكثر إدراراً للربح في المبيع”. وهذا يتحقق في التصنيع عبر قانون إحلال الرأسمال مكان العمل (Law of marginal rate of technical substitution of labor for capital) وفق مفردات الاقتصاد الأرثوذكسي(Orthodox economics) ، أو قانون/علاقة فائض القيمة “بالتركيب العضوي لرأس المال” (Organic composition of capital and its relation to rate of profit) وفق مفردات الاقتصاد الهيترودوكسي.(Heterodox Economics)  

مأخوذةَ على نحوٍ من الإجمال أوالتفصيل، لا تبدو البطالة هنا نتاج ارتدادي لركود دائري عابر (cyclical unemployment)، بقدر ما هي نتاج ملازم لنمط إنتاج متمايز، تتشكل فيه البطالة عضويا عبر صيرورة إنتاج اجتماعيِ بضاعيٍ مشروطٍ بمتلازمة رياضية هندسية لا حسابية تفضي الى تكورها رويداً رويدا كتكوَّر الصّلصالُ بين يدي الصّانع، مخلفة ما أطلق عليه توماس مالتوس في نظريته  السكانية “فائض السكان النسبي” (relative surplus population) أو ما سماه كارل ماركس “الجيش الاحتياطي  للعاطلين عن العمل” reserve army of unemployed workers)).  أما فوائض الرأسمال المالي والائتماني فكان لا بد لها من منافذ استثمارية عاجلة لئلا تتحول إلى متاع كاسدٍ بائد. كعادتها لم تتأخر الرأسمالية الذكية (Smart iCapitalism)  عن ابتكار صناعة جديدة برسم البيع، هي صناعة اقتصاد الفقاعات أو البالونات المنتفخة (The Balloon or Bubble Economy). وتتضمن هذه الصناعة خلق أسواق ظل وهمية لتجارة افتراضية (Virtual Market Economy)، وهو تبادل يحدث في عالم مُثابر افتراضي يتم فيه تبادل سلع افتراضية بقيم افتراضية (Virtual Values) بين ومن خلال شخصيات افتراضية تماما كشخصيات أفاتار الشهيرة Avatars)).  ويندرج التبادل هنا في إطار أوسع لما يعرف بمضاربات البورصة (Spéculation Boursières)، حيث تًحُول النقود من حيث هي-هي وسيط تداول بين سلعتين إلى سلعة تداول لذاتها وبذاتها (أي تغلب وظيفة مخزن القيم  store of values – على وظيفتها الرئيسية كأداة تبادل ووحدة قياس – medium of exchange & a unit of account)إذاً المضاربة البالونية هنا لا تتضمن من حيث كونها عملية تبادل افتراضي بيعاً أو شراء حقيقيا، تماما كما أنها لا تتضمن إنتاجاً حقيقيا للثروة، إنما تختزل كلها في قبض ودفع فروق أسعار أوراق وصكوك البنوك والأوراق الضامنة، وينتج عن هذه المضاربة البالونية شكل آخر متمايز عن مفاهيم الربح التقليدي الاقتصادي أو المحاسبي (Economic Profits vs. Accounting Profits)، شكل يمكن تسميته بِ ” أرباح كتلة الريح”Windfall Profits، فهي تشبه تماما من حيث تشكلها وحركتها ومآلها حركة الرياح الناتجة عن انتقال الكتل الهوائية (اقتصادياً المالية) في الاتجاه الأفقي (حيث لا استثمار أو إنتاج حقيقي)، والتي تتحرك نتيجة فروق الضغط الجوي (اقتصادياً الفروق بين القيم) بشكل تسارعي، وتنحرف عن حركتها وتخمد عند معاكسة حركتها لدوران الكواكب (اقتصادياً تنفجر الفقاعة البالونية وتتلاشى عند معاكستها لأداء الاقتصاد الحقيقي-الإنتاجي). ينتج بدايةً عن هذه المضاربات البالونية المحمومة دورات إنفاق ورواج اقتصادي استهلاكي، تغذي بدورها دورات جديدة من الإنفاق تساهم في ازدهار اقتصاد الفقاعات البالونية. وبما أن هذا يحدث دون الاستناد إلى أداء اقتصادي حقيقي، يؤدي في نهاية المطاف إلى المزيد من الانتفاخ في الفقاعة، يتمثل في تضخم أسعار الأصول الاقتصادية (المالية والحقيقية) وطفرات في أسعار الأسهم والسندات والأراضي والعقارات، إلى أن تنفجر الفقاعة (التي لم تكن أولها فقاعة الدوت-كوم التي تعرف أيضا بفقاعة تكنولوجيا المعلومات أوالإنترنت 1995 ولا آخرها فقاعة رهن العقارات) وتتلاشى معها في كل مرة كتلة مالية ضخمة.  ولكن هذه الفقاعات البالونية ليست بظاهرة عابرة أو نتاج مقامرات ومغامرات لأرباب البنوك المدعومة، بقدر ما هي إفراز عضوي طبيعي للتخلص من زوائد وفضلات جسم النظام الاقتصادي الرأسمالي المثقل بفوائض رأسمالية لم يعد بمقدوره التخلص منها عبر مجاريه ومسالكه الغليظة والدقيقة ولذلك تخرج على شكل فقاعات صابونية هوائية سرعان ما تذهب أدراج الرياح وتذهب معها كتل مالية ضخمة من الأرباح الوهمية والقيم الافتراضية الرشيدة. هكذا إذن تبدو الفقاعات ضرورية للتخلص من فوائض رأس المال (plethora of capital) تماما كما يخبركم صندوق العجائب عن أسطورة الانسان الاقتصادي الرشيد  (homo economicus) الذي يُخصي رأس المال كلما حصل حمل وهمي كاذب (Sterilization of capital).

 وعندما أدرك الصندوق العجيب الهاوية سكت عن الكلام المباح ….

 

محمد أبوزينة: استاذ الاقتصاد وزميل باحث في جامعة بحر المتوسط (Aix-Marseille Université – School of Economics) ومعهد ابحاث السياسات الصحية، مارسيليا، فرنسا

أبرز مؤلفاته:

Abu-Zaineh, M., & Abul Naga, R. “Wealth, Health, and the Measurement of Multidimensional Inequality: Evidence from the Middle East and North Africa”. Research on Economic Inequality, 21 (2014): 421-39.  Emerald publications: ISBN: 976-1-78190-553-1.

 

Abu-Zaineh, M., Chokri, A., Habiba, B.R., Ventelou, B., & Moatti, J-P. (2014) “Fairness in health care finance and delivery: What about Tunisia?” Health Policy & Planning, 2014; 29:433-442.

Abu-Zaineh, M, Habiba, B.R., Ventelou, B., & Moatti, J-P. ., & Chokri, A. “Appraising Financial Protection in Health: The case of Tunisia”, International Journal of Health Care Finance & Economics, 2013 Mar;13(1):73-93

 

Abu-Zaineh, M., Mataria, A., Moatti, J-P & Ventelou, B. “Measuring and Decomposing Socioeconomic Inequality in Health Care Delivery: A Micro-simulation Approach with Application to the Palestinian Conflict-Affected Fragile Setting”, Social Science & Medicine, Volume 72, No. 2, pp. 133-141.

 

Abu-Zaineh, M., (2009) “Contribution to the analysis of health equity: measurement and explanation of inequality and inequity in the health care sector in the context of developing countries: the Palestinian case”.  VDM Verlag, Berlin, Germany

 

English title of the current article: “The International Economy from the ‘Financial Bubble’ to the ‘Fiscal Cliff’: The Irremediable Disease”