لهذا يرفضون تسليح الجيش بالهبة الإيرانية

العميد د. أمين محمد حطيط

تنشئ الدول الجيوش وتتعهدها باعتبارها القوة التي يعول عليها لحماية الكيان والدفاع عنه والمحافظة على النظام الذي اختاره الشعب بإرادته أو قبل به بعد أن تكون إرادة خارجة عنه فرضته أو أوحت به، وبالتالي يكون الجيش الأداة التي تحفظ الشعب في أرضه وتؤمن احترام أرادته في نهائيتها، وتضمن للشعب حرية في خياراته. ولهذا استوجب الأمر أن يكون الجيش قويا بما يناسب الخطر الممكن أن يتهدد الدولة.

والحديث عن قوة الجيش يعني بشكل أساسي عقيدته القتالية وتسليحه وتدريبه، ويتحكم بقوة الجيش من يتحكم بهذه العناصر الثلاثة، ولهذا نجد أن أحد المداخل الرئيسية للتحكم بالدولة يكمن بالتحكم بقوة الجيش من خلال هذه العناصر جميعها أو بعضها، وبهذا المنطق يلاحظ أن الدول التي تجنح إلى الهيمنة على سواها تتخذ من الجيش معبرا رئيسيا لقرارها، فتصوغ له عقيدته بما يناسبها و تفرض عليه التسليح الذي تراه و تدربه بما يوافق سعيها ، و تمنع عنه كل ما تخشى منه من عقيدة أو سلاح أو تدريب يجعل منه قادرا على صياغة الموقف المستقل عنها .

وفي لبنان كان بديهيا أن ينشأ للدولة بعد استقلالها جيش يضطلع بالمهام التي ذكرت، ورغم التأخير أصبح للبنان المستقل جيشه الوطني بعد مضي ما يقارب السنتين على استقلاله، لكن الجيش اللبناني المولود في العام 1945 اصطدم ابتداءا بنظرية عجائبية تقوم على القول إن “قوة لبنان في ضعفه”، نظرية أطلقت لتبقي لبنان في حال يوافق مصالح الغرب الاستعماري،  و يبقيه في دائرة سيطرته إن من حيث  العقيدة أو التسليح أو التدريب ، و قد أوكل امر الترويج لهذه النظرية لطبقة سياسية فرضت على لبنان ضمن منظومة حراس المصالح الأجنبية ممن يسمون حكاما.

لقد سادت نظرية “القوة في الضعف ” وعمل بها في لبنان من اجل تبرير التقصير أو التخلف أو الأحجام عن بناء الجيش القوي خاصة بعد أن أقامت الحركة الصهيونية دولة على ارض اغتصبت من فلسطين وراحت تتطلع إلى الجوار ومنه لبنان طامعة في الأرض والثروة والوظيفة.

و رغم تعاظم الخطر الصهيوني على لبنان ، و رغم وضع التهديد الإسرائيلي للبنان موضع التنفيذ باحتلال الأرض و انتهاك السيادة و تعطيل الاستفادة من الثروة المائية ، رغم كل ذلك لم تتراجع الطبقة السياسية المتحكمة بلبنان عن خيارها “قوة لبنان في ضعفه ” ما أدى إلى اطلاق  إسرائيل استخفافا بلبنان قولها الشهير أن ” فرقة موسيقية عسكرية إسرائيلية تكفي لاحتلال لبنان ” و تأكيدها بان “لبنان سيكون ثاني دولة عربية  توقع اتفاقية سلام (استسلام) معها ” ، قول وجد تطبيقه الفعلي في العام 1982 حيث كان احتلال العاصمة اللبنانية ، و في العام 1983 حيث كان توقيع اتفاقية الإذعان الاستسلامي  – استسلام لبنان لإسرائيل ، و لان الجيش اللبناني كان محاصرا بالقرار السياسي المترجم حرمانا من السلاح و القوة العملانية فانه لم يمنع الاحتلال و لم يحل دون اتفاقية الاستسلام .

وفي ردة فعل شعبية على عجز السلطة ، و رفضا من فئة من الشعب للاحتلال و للاذعان ، ظهرت المقاومة في لبنان مقاومة تطورت إلى أن امتلكت السلاح و التقنية و الخبرة دون أن تكلف الخزينة قرشا واحدا ، مقاومة امتلكت من القوة ما مكنها من إسقاط اتفاق الاستسلام أولا ثم  تحرير الأرض تدريجا ، ثم إرساء “معادلة الردع مع إسرائيل ” و تسفيه ما كان العدو يعتقد به من ضعف لبنان ، لا بل جعلت الصورة تنعكس و مكنت قائد المقاومة من وصف إسرائيل و على بعد بضعة كيلومترات من حدود فلسطين المحتلة ، وصفها بانها أوهن من بيت العنكبوت وصف سلم به مسؤوليها و لو بعد 14 سنة من إطلاقه.

لقد كسرت المقاومة القيد الغربي على لبنان الذي يمنعه من امتلاك القوة، فناصبها الغرب الاستعماري العداء و شن الحرب عليها مستخدما في الداخل الفئة نفسها من دعاة الضعف الذين لا زالوا هم عبر ورثتهم أو بدلائهم من الطبقة ذاتها ليكونوا رأس الحربة ضد المقاومة ، فكانت الحرب على المقاومة قاسية  لم يوفر فيها سلاح من مادي و مواجهة في الميدان إلى إعلامي و حرب نفسية ، إلى مالي و حصار و عقوبات ، إلى سياسي و قضائي و محاكم جنائية ، لقد استعمل كل ذلك من اجل أن يجرد لبنان من قوته التي امتلكها خلافا لقرار الغرب … لكنهم فشلوا و كانت المقاومة الأقوى في المواجهة فاستمرت في الميدان و استمر تعقبها من قبل رافضي القوة للبنان .

وفي سياق خداعهم، سوّق أعداء المقاومة لرفضهم بأنهم يريدون الدولة وأطلقوا شعار العبور إلى الدولة ما جعل البعض من حسني النية يظنون بصوابية مواقف هؤلاء، ولكن كانت الفضيحة مدوية عند ما أطلق أعداء المقاومة أنفسهم المواقف السلبية من الجيش اللبناني وعلى أكثر من صعيد فكانت مواقفهم تلك مناقضة كليا لطرحهم العبور إلى الدولة، لان السؤال البديهي هنا: هل من دولة دون جيش؟ وهل من استقرار وطمأنينة وامن في دولة من دون جيش قوي؟

ويتابع أعداء منطق القوة للبنان استهدافهم للجيش، وتتعدد جبهات استهدافهم له، ويتوزعون الأدوار فيما بينهم بإشراف السيد الخارجي الذي لا يريد جيشا قويا في لبنان كما لا يريد مقاومة، لان في الأمرين إزعاج وضيق لإسرائيل وللإرهاب الذي اتخذته أميركا أداة استثمار رئيسي لتدمير المنطقة تمهيدا لوضع اليد عليها وإعادة صياغتها بالشكل الذي يضمن المصالح التي وضع المشروع الصهيواميركي لتحقيقها.

إن الجيش اللبناني يتعرض الآن من قبل “تيار المستقبل ” الممثل الحالي لمصالح الخارج في لبنان ، لأعتى موجة استهداف وحصار متعدد العناوين والجبهات، فهذا وزير داخليتهم يشكك بمديرية المخابرات التي يشهد الخبراء بحرفيتها و يقرون بقدراتها في إنجاح العمليات العسكرية و تفكيك الخلايا الإرهابية و الخلايا الإسرائيلية، و لم يكفه ذلك بل حرض بشكل غير مباشر على عدم الاستجابة الشعبية للمتطلبات الأمنية ما يعقد عمل الجيش و يعرضه للفشل في مهامه العملانية وهذا نائب عكاري مستقبلي ينافس زملاء له في التحريض على الجيش و الدعوة الطائفية ضده التي استدرجت اطلاق النار على العسكريين ،مواقف اتخذت بعد أن كانت كتلة المستقبل “أبدعت ” في مشروع سلسلة الرتب و الرواتب في التضييق على رواتب العسكريين.

لكن الأدهى من كل ما تقدم هو الموقف من تسليح الجيش، في ظرف عصيب يعلم فيه العاقل المتتبع كما الرجل العادي البسيط بان لبنان بات في عين عاصفة الإرهاب وأن انفجار القنبلة الإرهابية على حدوده أو حتى في الداخل أصبح مسألة وقت وظرف فقط، في ظل هذا الخطر الداهم يخرج تيار المستقبل بموقف فاجر معطل لتسليح الجيش ما يحرمه من الذخيرة والسلاح اللازم لمواجهة الإرهابيين وحماية لبنان.

لقد أرهق اللبنانيون طيلة سنة كاملة في متابعة موضوع هبة الثلاثة مليارات السعودية لتسليح الجيش ـ ثم كان إعلان آخر عن هبة مليار إضافي تبين انه مليار حاجب للأولى ولكن يبدو أن الثانية كالأولى قول بلا فعل لتبقى مخازن الجيش اللبناني تنتظر السلاح الذي لن يأتي كما يبدو لان هذه الهبات لن تصرف بل هي وعود قاطعة لطريق للتسليح الجدي الذي لا تتحمله الخزينة التي نهبها رافضو القوة الوطنية.

في ظل هذا الوضع المخيف و الخطر، يأتي عرض إيراني واضح و فعال، لأنه بكل بساطة يعرض تقديم هبة مجانية تتضمن مبدئيا سلاحا ناجعا في محاربة الإرهاب و بفعالية، ففيه السلاح الموتر الخفيف و المتوسط و الثقيل، و فيه السلاح المنحني المتوسط و فيه الصواريخ المضادة للدروع و للتحصينات و فيه الذخائر المناسبة للأنفاق و الخنادق، أي ببساطة انه تماما ما يلزم الجيش في حربه ضد الإرهاب مع استعداد إيراني لتقديم أسلحة أخرى فيها طائرات الهليكوبتر و طائرات بدون طيار حاملة الصواريخ، تسلم إلى لبنان اذا قبل و بدون أي شرط أو قيد . هبة تعطى دون عمولة ودون سمسرة بل هي هبة تحت شعار “من مخزن إلى مخزن” بدون وسيط أو مصرف أو يد أو جيب.

كان منطقيا أن يتلقف لبنان هذه الهبة تلقف الأرض العطشى للماء، لكن عرض -الهبة التي تبينت جديتها وفعاليتها أرعب رافضي التسليح فسارعوا إلى رفضها متذرعين بذرائع واهية، والحقيقة هي أن الرفض هو رفض للقوة وإصرار على ضعف الجيش، لان قوة الجيش اللبناني المتكامل مع المقاومة تعطل الاستثمار الأميركي في الإرهاب، وتؤلم إسرائيل التي تجرعت معادلة توازن الردع مع لبنان، بعد أن بلور لبنان معادلة الشعب والجيش والمقاومة التي رجمتها أيضا فئة تابعي أميركا ذاتهم.

إن رفض الهبة العسكرية الإيرانية غير المشروطة هو في الحقيقة رفض لامتلاك لبنان القوة التي تجعله قادرا على حماية مصالحه بعيدا عن تحكم الغرب الاستعماري بها، وإن الرافض الحقيقي للهبة هو هذا الغرب أما وظيفة الاتباع في الداخل فلا تعدو تمثيل الغرب في رفضه، فالغرب بقيادة أميركية وتبعية فرنسية برفض أن يخرج لبنان من دائرة تحكمه الحاضرة، فاذا كانوا عجزوا عن تغيير العقيدة الوطنية للجيش رغم سعيهم لعقد من الزمن لذلك فانهم يصرون على بقاء مفاتيح التسليح والتدريب بيدهم.

ومع هذا نرى أن الشعب اللبناني الذي اجترح مقاومة كسرت قيودهم وأذهلت العالم ،مقاومة جاءت نتيجة التضييق على الجيش في مواجهة إسرائيل، و كما أن رفضهم للتنسيق مع الجيش العربي السوري لم يمنع الأخير من القيام بما يلزم للدفاع عن لبنان و سورية ضد الإرهاب ، فأننا نرى أن عراقيلهم لن تحول دون الوصول إلى  حل يحمى به لبنان نفسه في مواجهة الإرهاب الذي يطرق الأبواب، حل نرى انه لن يكون في مصلحة مانعي القوة عن الجيش اللبناني الذين باتوا يخافون من وعي الشعب وقراره ولهذا يستميتون الآن من اجل التمديد لمجلس النواب حتى لا يحتكموا للشعب ويفتضح أمرهم.

::::

“البناء”، بيروت