هل يلتهم الوحش تيار المستقبل؟

د. ليلى نقولا الرحباني

يكد الرئيس سعد الحريري يخرج من روما، منتقداً مَن يهاجم الجيش اللبناني، ويعتبر أن مهمة “تيار المستقبل” القادمة هي محاربة من يحارب الجيش اللبناني، مؤكداً “حتى لو كان منا من يهاجم الجيش اللبناني فسنحاربه..”، حتى خرج الوزير نهاد المشنوق بخطاب عالي المستوى أعاد تحريك عجلة التشنج السياسي الداخلي، بعد فترة من الركود الذي فرضته ظروف المعركة مع الإرهاب.

 بغض النظر عن الدوافع والاعتبارات التي أملت على المشنوق هذا الكلام غير المتوقَّع، وهو الذي عُرف عنه فصل المشاعر الخاصة، أي الحقد على حزب الله، عن المصلحة العامة التي فرضت التنسيق مع الحزب والتعاون معه في المواضيع الأمنية الداخلية، وفي مسألة بلدة الطفيل تحديداً، إلا أن الخطابات المتباينة بين كل من نواب ووزراء “تيار المستقبل”، وبين بعضهم والنائب سعد الحريري، وبين الكتلة وسعد نفسه، تشير إلى أحد الاحتمالات الآتية:

 الاحتمال الأول: أن يكون ما يحصل هو نوع من الخطة المرسومة بتوزيع الأدوار داخل “التيار”، فيقوم الصقور بشحن الخطاب المذهبي للحفاظ على الشارع السُّني الذي تمّت تعبئته وشحنه مذهبياً على مدى سنوات عدّة منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري ولغاية الآن، بينما يتكفّل البعض الآخر بمهمة مدّ اليد إلى الأطراف الداخلية، وذلك حفاظاً على مغانم السلطة، حيث يُدرك “المستقبل” وغيره من الأطراف الداخلية أنه لا بد من قبول مبدأ المشاركة، وأن لا أحد يستطيع أن يُلغي الطرف الآخر، وأن الطرف الذي يريد التشارك في السلطة ومغانمها محكوم عليه بحدٍّ أدنى من التوافق مع الفرقاء الآخرين.

الاحتمال الثاني: أن يكون ما يجري داخل “تيار المستقبل” هو نوع من صراع المحاور داخل “التيار”، فالخطابات المرتفعة السقف والحادة النبرة التي تأتي مباشرة بعد خطابات سعد الحريري، خصوصاً تلك التي تصوّب على الجيش اللبناني وتحرّض ضده، قد يكون هدفها التصويب على الحريري نفسه قبل أن يكون على الجيش اللبناني، باعتبار أن الحريري – ومن منطلق خلفيته العائلية والثقافية والسياسية – لا يستطيع أن يواكب الخطابات الشعبوية التحريضية المذهبية، وهذا يجعله خاسراً شعبياً، وهذا ما شهدناه من خلال اليافطات التي تمّ تعليقها، والتي انتقدت عودة سعد إلى لبنان والمساعدات التي قدمها إلى عرسال.

 إن صحّ هذا السيناريو، فيكون ما يجري داخل “تيار المستقبل” وهذا التحريض المستمر ضد الجيش وهذا الدفع نحو فتنة مذهبية يتعهدها بعض نواب “المستقبل” ومسؤوليه، من أهدافه أيضاً قطع الطريق أمام رئيس “تيار المستقبل” للعودة إلى لبنان بزخم واستعادة ما خسره في الفترة الماضية خلال منفاه الاختياري.

الاحتمال الثالث: أن يكون “تيار المستقبل” – بحكم ارتباطه الخارجي والعضوي بالمملكة العربية السعودية – يربط وقع خطاباته بالحرب الدائرة في سورية، والتي تتدخل فيها المملكة من الباب العريض لإسقاط الرئيس بشار الأسد، كما بالصراع الإقليمي بين السعودية وإيران، فحين يخفّ وقع التشنج يجد “تيار المستقبل” نفسه مضطراً لمواكبة الانفتاح بين الطرفين، وحين تتأزم العلاقات يرقص نواب “التيار” على الإيقاع السعودي.

 الذي يدفع إلى هذا الاعتقاد بهذا الاحتمال إصدار وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل تصريحات متباينة بخصوص العلاقة مع إيران في أقل من شهر، فمن خطاب “التعلُّم من أخطاء الماضي وفتح صفحة جديدة مع إيران”، إلى خطاب “إيران جزء من المشكلة في المنطقة وليس من الحل”، يجد نواب “تيار المستقبل” أنفسهم أمام حالة مماثلة من الخطاب المتناقض، ربطاً بخطابات السعوديين أنفسهم.

 والنتيجة أنه لا يمكن الجزم بأن أي احتمال هو الأكيد، وقد تكون الاحتمالات الثلاث موجودة ومتشابكلة، وهي التي تدفع “تيار المستقبل” إلى هذه السياسة المتناقضة شكلاً، مع العلم أن “المستقبل” يبدو في موقف لا يُحسد عليه ضمن بيئته، خصوصاً أن الإرهاب الذي يكبر يوماً بعد يوم في كل من عرسال وطرابلس وعكار وغيرها من المناطق السُّنية بات يشكلاً خطراً وجودياً على “تيار المستقبل”؛ تماماً كما يشكّل تهديداً للآخرين، فالوحش المذهبي الذي رعاه “المستقبل” وأعلن أنه ماردٌ استفاق ولن ينام بعد الآن، سيرتدّ على “المستقبل” لالتهامه قبل أن يحاول عضّ الآخرين.