دعوات الى المستعمرين

ثريا عاصي 

كلما أطلت النظر في الأوضاع السائدة في بلادنا تكشفت أمامك أمور لم تكن تعرف انها مترابطة بعضها ببعض أو انها تندرج في نفس السيرورة. بمعنى آخر تتبدل قراءتك للأحداث باستمرار كلما أمعنت تفكرا وتفحصا في آلياتها والغايات المرجوة منها.
بالعودة إلى موضوع مأزق الدولة في لبنان، وإلى مشروع الدولة الدينية الذي هو أقرب إلى الفزاعة، كتبتُ أن سكان الجنوب في لبنان إضطروا لإبتكار مقاومة دينية إسلامية شيعية، تستجيب للظروف التي أفرزتها الحروب في لبنان إبتداء من 1975 وإنتهاء باجتياح قوات المستعمرين الإسرائيليين وإحتلالهم نصف بلاد الأرز، العاصمة بيروت ضمنا.
من المعروف أن المستعمرين الإسرائيليين لعبوا دورا تزايدت أهميته بموازاة المتغيرات والمتبدلات التي طرأت على طبيعة الحروب اللبنانية. لا أعتقد أن أحدا يشكك اليوم في قولة قائل بأنه نتج عن هذه الحروب إضعاف لبنان الوطن، فضلا عن إفساد العلاقة التي كانت قائمة بوجه خاص، بين اللبناني المناضل العروبي من جهة وبين فصائل المقاومة الفلسطينية من جهة ثانية. من المرجح أن ذلك مهـّد للغزو الذي أراد المستعمرون من خلاله تحقيق هدفين:
أولا، تصفية المقاومة الفلسطينية.
ثانيا، إبرام إتفاقية بين دولة المستعمرين وبين الحكومة اللبنانية، مماثلة لإتفاقية كمب ديفيد التي توصلوا اليها مع الرئيس المصري أنور السادات.
يجدر التذكير هنا بأن الغزو الإسرائيلي في 1982، وقع في وقت كان فيه الناس في كامل الجزء الذي إحتله المستعمرون الإسرائيليون من التراب الوطني اللبناني، غارقين في فوضى عارمة، بل يعيشون في ظل شريعة الغاب. لا غلو في القول بأن نوعا من الحرب الأهلية الخفيفة الحدة، مهّدت الطريق أمام قوات الإسرائيليين.
لست هنا بصدد الحديث عن الحروب اللبنانية. ولكن ما أود قوله هو أن الظروف التي سبقت حرب المستعمرين الإسرائيليين ضد لبنان تكاد أن تكون متجانسة مع الظروف التي تعمل الجماعات المسلحة في سوريا والعراق على توفيرها . أغلب الظن أن هذه الأخيرة تضمر الغاية نفسها في لبنان أيضا، ربما بأساليب ووسائل مختلفة بالنظر إلى تعقيدات الوضع فيه. ولكن هذا بحث آخر.
خلاصة القول أن المستعمرين الإسرائيليين لم يتخلوا عن أهدافهم المتمثلة بتصفية مقومات الإعتراض ضد مشروعهم الإستعماري وبفرض الصلح على الدول العربية المتضررة من هذا المشروع ضمن الشروط التي تلائم مواصلة العمل في تحقيق هذا الهدف.
ما تقدم يسلط الضوء على الأجواء التي ظهر فيها حزب الله، الفوضى، الحروب الأهلية، تراجع الحركة الوطنية والإحتلال . كما يتوجب التسليم بأن وجود هذا الحزب الذي تجسد بالمقاومة الشرسة التي جابه بها قوات الإحتلال، كان بمثابة الفشل الذي مني به المستعمرون في حربهم على لبنان. لقد حاولوا في تموز 2006 البحث عن عوض ٍ لخسارتهم، فأخفقوا مرة ثانية. لا شك في أنهم يعاودون الهجوم في الراهن بواسطة الحكومة التركية ودول النفط الخليجية عن طريق إستخدام العصبية المذهبية أداة من أجل نشر الفوضى وتبديد شمل أبناء الوطن الواحد تمهيدا لمحو الأمل بالتحرير والسيادة والتقدم.

(للحديث تتمة)

:::::

“الديار”