رياح الانتفاضة الثالثة

رشاد أبو شاور

كتب الروائي والشاعر والناقد الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا عن القدس جملة هي تكثيف لرؤيته للقدس مكانا، ومكانة، وتاريخا، وحضارة، وثقافة: القدس ليست مكانا..إنها زمان أيضا.

وتقول أغنية يرددها العنصريون المحتلون:

القدس من نحاس للمسيحيين

القدس من ذهب للمسلمين

القدس من نور ( لليهود)

أمّا الأغنية الفيروزية فتقول:

الغضب الساطع آت

وأنا كلي إيمان

منذ استكمال احتلال القدس في حزيران 67، غير المكلف واأسفاه، وبسط الهيمنة عليها شرقية وغربية، بدأ تنفيذ مخطط ( تهويدها)، وقد تجلّى هذا في التضييق على أهلها ( لتطفيشهم) منها، وهدم حاراتها العريقة، وأولها( حارة المغاربة)، ومن ثم استشرت عملية وضع اليد على بيوت المقدسيين، وحرمانهم من ترميم بيوتهم ومدارسهم ومساجدهم، وتواصلت محاولات الإغواء الفاشلة لشراء البيوت في القدس القديمة العريقة داخل السور بمبالغ خيالية، وهكذا، ولهذا، دفع المقدسيون ثمن صمودهم، وتشبثهم ببيوتهم، والمواقع العريقة في مدينتهم، وفي المقدمة: المسجد الأقصى، ومسجد قبة الصخرة، وكنيسة القيامة، والمكتبات العريقة، والآثار التي تروي تاريخ المدينة، وتقدم للبشرية صفحات تاريخها وزمانها الممتد على مدى ألوف السنين.

من يتابع أخبار القدس هذه الأيام سيصل بسهولة إلى النتيجة التالية: إنها نُذر الانتفاضة الثالثة تبدأ من القدس.

لقد طفح الكيل، ففي كل يوم مصادرات للبيوت، وأبنية استيطانية تنشأ على الأراضي المصادرة، وفي البلدات والأحياء العربية المتداخلة مع القدس الشرقية كما حدث قبل أيام في ( أبوديس) عندما وضع الاحتلال اليد على عدد من المباني.

تغيير ملامح وسمات القدس، أي شخصيتها الإسلامية العربية، هو جوهر مخطط التهويد، والحكومات المتلاحقة تنفذ الخطة بضراوة، فلا فرق بين حزبي العمل والليكود، أو أي إئتلاف حاكم، فكلهم يريدون القدس عاصمة لكيانهم، وهو ما يعني: لا قدس شرقية عربية إسلامية ومسيحية عاصمة للدولة الفلسطينية المأمولة.

منذ اختطف الفتى محمد أبوخضير وأحرق حيّا ونار الغضب المقدسي بشكل خاص، والفلسطيني بشكل عام، تتأجج، وتتسع، وتوحي بأنها لن تخمد رغم ضراوة العنف الذي تتبعه سلطات الاحتلال، والتي دفعت بألوف رجال الشرطة، والأمن، والمستعربين، وأعلنت أنها ستستخدم طائرات بلا طيارين، وبالونات بكاميرات مهمتها مراقبة وتصوير الفلسطينيين الذين يتظاهرون احتجاجا وغضبا على ما يدبّر لمدينتهم.

في آخر تصريحات نتينياهو الفاضحة لجوهر مخطط تهويد القدس، أعلن بوضوح: سوف نصر على حقوقنا، وعلى واجباتنا في الدفاع عن (عاصمتنا)..سوف نفعل ذلك بقوة، وسوف ننتصر.

هذه لهجة وتصريحات جنرال يعلن الحرب..على من؟! على فلسطينيي القدس المدنيين الذين لا يملكون سلاحا سوى إيمانهم بعروبة قدسهم، وفلسطينيتها، وبأنهم سيصبرون ويصمدون مهما كانت التضحيات.

عندما يعلن نتينياهو عن القدس بأنها: ( عاصمتنا).. يعني عاصمة الكيان الصهيوني، فهذا معناه: لا قدس شرقية عاصمة لدولة فلسطينية، وأيضا: لا دولة فلسطينية، ما دامت هذه الدولة بلا عاصمة، وهذا تحد للفلسطينيين بخاصة، والعرب بعامة، والعالم أجمع الذي منح فلسطين مكانة دولة غير عضو، والذي بدأت بعض دوله تبدي توجهات باعترافها بدولة فلسطينية كاملة العضوية.

تترافق مقدمات انتفاضة القدس مع إضرابات يخوضها الأسرى، مع أنباء عن احتمال وفاة بعضهم بسبب الإهمال المقصود، وحرمانهم من العلاج والدواء، وحتى من زيارات ذويهم.

لا بد هنا من التذكير بالوعود بإعمار قطاع غزة ، بعد أن دمرته آلة الحرب الصهيونية التي تواصلت 51 يوما، وقتلت وجرحت الألوف من نسائه ورجاله، وبخاصة أطفاله الذين اغتيلوا عمدا وعلنا..مع دخول فصل الشتاء بينما أهالي غزة المنكوبين يعيشون في العراء، وهو ما سيصعد من غضبهم، خاصة وقد وعدوا سابقا بعد حربي 2009 و2012 بإعادة البناء، ولم يتحقق شيء من الوعود الخلبيّة!

قمع المقدسيين لن يمر مرورا سهلاً، فأهالي مدن الضفة الفلسطينية، وقراها، ومخيماتها، سوف يندفعون للانخراط في الانتفاضة، فهم ليسوا متفرجين، فأرضهم تصادر، وطرقهم تقطع، وزيتونهم يحرقه المستوطنون _ تابعوا ما يجري حاليا في موسم القطاف، وسترون كيف يتم حرمان الفلسطينيين من التوجه إلى حقولهم لقطاف زيتونهم _ وأبناؤهم وبناتهم في الأسر يعانون، والقدس قدسهم وهي تسلب منهم بخطى حثيثة.

قد يتساءل متسائل: ولكن..متى ستنفجر انتفاضة القدس؟

أنا، ومتابعون معنيون غيري، أرى، ونرى _ حتى بعض صحفيي الكيان الصهيوني يتوقعون ذلك _ أن الانتفاضة المقدسية اندلعت، وأنها في تصاعد، وأنها ستكون انتفاضة عارمة عنيفة ..وستتسع، وستمتد إلى حيث لا يتوقع نتينياهو وجنرالاته.

هنا أسأل: هل سينجح مخطط تهويد القدس، وتحويل أهلها إلى غرباء؟

و: هل سيتمكن قادة الكيان الصهيوني من تمرير قرار تقاسم الأقصى مكانيا وزمانيا في ( الكنيست)، وفرضه عمليا كما حدث في الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل ؟

الفلسطينيون يتحفزون، ونتينياهو وحكومته وأجهزته يدبرون المخططات القمعية، والأيام القادمة ( حبلى) بنيران الغضب الساطع الطالع من حارات وشوارع القدس العريقة.

الدم الفلسطيني يسفح برصاص الاحتلال، والطفولة الفلسطينية تستباح، ففي الأيام القليلة الماضية اغتيلت الطفلة إيناس شوكت، وكان قد دهسها مستوطن بسيارته هي وصاحبتها فلقيت هي حتفها بعد وصولها المستشفى، وما زالت زميلتها في العناية الفائقة.

الفتى عروة حامد، وهو يحمل الجنسية الأمريكية اغتيل بالرصاص الحي يوم الجمعة 24 الجاري، وقد طالبت الخارجية الأمريكية بفتح تحقيق في الحادث نظرا لأن الفتى الشهيد ( أمريكي)..وطبعا لن تأبه سلطات الاحتلال ببيان الخارجية الأمريكية..ولن تغضب أمريكا لمواطنها الفلسطيني الذي رجم الاحتلال بالحجارة!

عشرات الجرحى سقطوا في الأيام القليلة الماضية بالرصاص المطاطي، وعانى كثيرون من استنشاق الغازات، وحالة الغضب امتدت إلى نابلس، والخليل، وبيت لحم ومخيماتها، وقرى رام الله…

أهل القدس لن يخنعوا ويذلوا ويعيشوا تحت سطوة المُحتلين، ولن يفرطوا بمدينتهم ومقدساتها، وشعب فلسطين لن يترك المقدسيين وحدهم بين براثن الوحش الصهيوني، فمعركة فلسطين واحدة، وشعبها واحد، ومصيرها واحد، وانتفاضاتها واحدة، وحريتها الآتية بالتأكيد واحدة…