تونس: إجهاض الديمقراطية

الطاهر المعز

 تتنافست 1327 قائمة (1230 داخل تونس و97 في الخارج)، موزعة على 33 دائرة انتخابية (27 داخل تونس و6 في الخارج)، للفوز ب217 مقعد في البرلمان، واتسمت الحملة الانتخابية التي انطلقت رسميا يوم الرابع من تشرين الأول/اكتوبر 2014 بإطلاق الوعود الخيالية والكاذبة، وانتشرت أخبار الغش وشراء الذمم وتزوير التفويضات الرسمية، وأعلن معظم المرشحين أنهم سيركزون على النهوض باقتصاد البلاد المتعثر منذ انتفاضة 2011، ومكافحة “الإرهاب”… بلغ عدد المسجلين في القائمات الإنتخابية 5,263 مليون من إجمالي 7,25 مليون مواطن يمكنهم التسجيل والتصويت وشارك بالفعل في العملية الإنتخابية 3,1 مليون  (مقابل 4,3 مليون سنة 2011)، أي ان نسبة 43% فقط ممن لهم حق الإقتراع شاركوا في عملية التصويت…

تميزت انتخابات 23 تشرين الأول/اكتوبر 2014 ب:

تأثير المال السياسي، ولجوء مرشحين لتقديم رشاوى لشراء ذمم نواب وناخبين للحصول على التزكيات المطلوبة لقبول ملفات ترشحهم، وتزوير إمضاءات الناخبين وسرقة معلومات بطاقة هوياتهم، إذ يشترط القانون الانتخابي على المرشحين للرئاسة تقديم ضمان مالي قدره عشرة آلاف دينار (5600 دولار) وحصولهم على تزكية عشرة نواب من المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان المؤقت) أو تزكية عشرة آلاف ناخب، ما وضح منظومة “الديمقراطية البرجوازية” التي يحكمها المال الذي يملك أجهزة الإعلام، وأجهزة الدولة التي تشرف على العملية الإنتخابية، عبر الهيئة العليا للإنتخابات التي أقصت عددا هاما من المتقدمين، على أسس حزبية، إضافة إلى القوى الإمبريالية الأمريكية والأوروبية التي فرضت في تونس أول حكومة انتقالية (حكومة الغنوشي –رئيس حكومة بن علي- الذي فرضه جيفري فلتمان) كما فرضت حكومة “الكفاءات التكنوقراطية” التي يترأسها المهدي جمعة، ممثل شركة “توتال” وتظم عددا من الوزراء الذين يمثلون مصالح شركات ومصارف ودول أجنبية والمطبعين مع الكيان الصهيوني، واتهم أحد النواب، علنا، بعض زملائه بـ”بيع تزكياتهم” إلى رجال أعمال غير معروفين في المجال السياسي وطالب بفتح تحقيق من قبل المحكمة،

هيمنة حزبين رجعيين هما “حزب حركة النهضة” (فرع الإخوان المسلمين في تونس) و”نداء تونس” الذي أسسه في 2012 رئيس الحكومة الأسبق الباجي قائد السبسي، والوريث الشرعي للحكم الذي أطاحت به انتفاضة 17 كانون الثاني/ديسمبر 2010/14 كانون الثاني/يناير 2011 وكانت حكومة السبسي قادت تونس خلال المرحلة الانتقالية الأولى التي أعقبت الثورة، وانتهت بتنظيم انتخابات المجلس الوطني التأسيسي التي حصلت فيها “النهضة” على 37% من إجمالي أصوات الناخبين

عودة قوية لرجالات الحزب الحاكم قبل 14/01/2011 وتعدد الأحزاب المنبثقة عن النظام السابق (رغم الدكتاتورية والفساد )، تحت شعار “عدم تقسيم التونسيين وإقصاء جزء كبير منهم من بناء وطنهم” معترفين بان “الثوار الحقيقيين الذين أطاحوا بالنظام السابق هم فئات مهمشة في المناطق الفقيرة وشباب معطل عن العمل”

بروز أحزاب جديدة يقودها رجال أعمال استثمروا في أجهزة الإعلام والنوادي الرياضية، بأموال مشبوهة، بعضها من الخارج، ورسخوا الفساد الذي بدأه النظام السابق وعمقه الإسلام السياسي، ورسخه رجالات النظام السابق، وتعاظم دورهم في الأحزاب الموجودة (يترأس 9  من كبار رجال الأعمال قوائم “النهضة” في مختلف جهات البلاد) بتعلة أن “المرحلة تتطلب خبرات وكفاءات لإدارة الشأن الإقتصادي، في ظل تراجع النمو والصادرات والسياحة وارتفاع البطالة الخ”

اتسمت ردة فعل عدد هام من المواطنين بالإهمال واللامبالاة بسبب السطو على ثورة المواطنين وانتشار الفساد وشراء الذمم وتدهور الوضع الإقتصادي وبروز مشاكل جديدة مثل الإرهاب وغياب التباين بين مختلف الأحزاب بخصوص التبعية للامبريالية الأمريكية والأوروبية أو لأذنابها مثل تركيا وقطر، وعاد رموز نظام بورقيبة وبن علي إلى الواجهة، ما ينذر بانتكاسة قد تكون خطرا على المكاسب القليلة التي تحققت، في ظل الانتقال الديمقراطي، وامكانية عودة الوجوه القديمة وهيمنة الحزب الواحد على الدولة (وكانت النهضة قد مارست ذلك أيضا)

همشت كافة الأحزاب الفئات والمناطق التي ساهمت في الإطاحة بالنظام السابق، وأهمل المترشحون دور الشهداء (أكثر من 330 بحسب الأرقام الرسمية) والجرحى الذين يعدون بالآلاف، وحين أطلق القضاء العسكري سراح القتلة والجلادين وتبرأة ذمتهم، لم تكن ردة الفعل في مستوى قوة هذه الردة، ما أتاح لرجالات النظام السابق العودة بقوة والإفتخار بانتمائهم إلى الحزب الذي حكم البلاد بالحديد والنار من 1956 إلى 2011

 

ترشح عدد من رموز النظام السابق للانتخابات الرئاسية المقبلة، مثل كمال مرجان (وزير خارجية سابق)، وعبد الرحيم الزواري (وزير نقل سابق وأمين عام الحزب الحاكم)، وكمال النابلي (وزير مالية سابق) ومنذر الزنايدي (وزير سابق) وكذلك الباجي قايد السبسي (وزير داخلية ورئيس برلمان سابق)، ترشح وزراء بن علي، دون اعتذار أو محاسبة أو عقاب بعد “ثورة” قامت ضدهم، ولكنها لم تحقق أبرز المطالب التي ثار لأجلها الشعب، وهي الشغل والحرية وتحقيق العدالة الاجتماعية، بل لم تبدأ مرحلة “العدالة الإنتقالية”، وإقصاء المسؤولين السابقين من الحياة السياسية

تورط معظم الأحزاب التي رشحت من ينوبها (بما فيها أحزاب الجبهة الشعبية) في “الحوار الوطني” الذي أشرفت عليه الإمبريالية الأمريكية والأوروبية، تحت إدارة نقابة العمال ونقابة أرباب العمل (وفاق طبقي)، وادت هذه العملية إلى تعيين حكومة ممثلي الشركات متعددة الجنسية، التي تشرف على هذه الإنتخابات، في حين سرعت من وتيرة زيادة الأسعار والخصخصة وإلغاء أو خفض الدعم، وغيرها من الإجراءات المناهضة لمصالح من انتفضوا أواخر 2010 وبداية 2011

لم يتخذ أي حزب أو مرشح موقفا منددا بالإمبريالية وتدخلها في تونس وغير تونس، بل يفتخر معظمعم بلقاء سفير أمريكا ودول الإتحاد الوروبي، وغابت القضية الفلسطينية تقريبا من برامج المترشحين، وادعى كل المترشحين (بمن فيهم “الجبهة الشعبية”) أن برنامجهم “موجه لكل الفئات ولكل اقاليم البلاد وللنساء والرجال والشباب والشيوخ والعمال وأرباب العمل والفقراء والأغنياء…”

سبق ورافق انتخابات تشرين الأول/اكتوبر 2014 محاكمات لشباب المناطق المحرومة ومن أشعلوا نار الإنتفاضة، في حين أطلق سراح جميع القتلة والمجرمين (مثلما حصل في مصر)، وقمعت الشرطة بعنف شديد عائلات الشهداء والجرحى، كما اعتقلت الشرطة مجموعة من المناضلين الذين كانوا يدعون إلى مقاطعة الإنتخابات، وأحالتهم إلى القضاء

ماذا سينتج عن انتخابات دارت في ظل هذا الوضع سوى سياسة اقتصادية مضرة بمصالح العمال والفقراء والمعطلين، وتبعية نحو الإمبريالية سياسيا واقتصاديا، خصوصا وان القوى الثورية (ومعها الفقراء والمحرومون) منيت بنكسة قوية، وجب تجاوزها بالنضال والمثابرة في الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة والفئات الفقيرة والمهمشة، وهي أغلبية عددية، تنقصها أداة فعالة تساعدها على إدارة النضال الجماعي والمنظم.