جنود بلادنا .. أرواح السماء

د. أحمد الخميسي

 

مئة وأربعة وعشرون جنديا وضابطا مصريا شهيدا في سبع عمليات إرهابية بسيناء من أغسطس 2012 حتى أكتوبر الحالي. تتطلع إلي الوجوه والصور وتقول عن كل واحد منهم”إني أعرفه”. الملامح الريفية. العيون التي تميل للبسمة وتخجل منها. التواضع الذي يشيع في الوجه. ارتباك الفلاح أمام الكاميرات. الرسالة التي يبثها في الصورة خلسة لأهله ” قريبا أعود”. لكنهم لم يرجعوا. لم يبق منهم سوى الألم الجسيم في قلوب العرائس والأمهات. في الحرب العالمية الثانية فقد الاتحاد السوفيتي ستة وعشرين مليون شهيد من خيرة أبنائه، نحو سبعين بالمئة منهم من العسكريين. خلال الحرب وبعدها تناول أدباء عظام قصص البطولة في أعمال أدبية شكلت سجلا للبسالة، عدد كبير منها دار حول مدينة ليننجراد وصمودها في حصار استمر نحو ثلاث سنوات من دون غذاء أو وقود. في فبراير 1942 نشرت جريدة ” برافدا” واحدة من أشهر القصائد. اقتطعها الجنود من الصحيفة وتبادلوها في خنادقهم وحفظوها عن ظهر قلب وبعثوا بها لزوجاتهم وأهلهم. قصيدة”انتظريني” للشاعر قسطنطين سيمونوف. يقول فيها على لسان جندي يكتب لخطيبته “انتظريني وسأعود رغم أنف الموت. أولئك الذين لم ينتظروا لن يفهموا، أنك في أنقذتني بانتظارك من قلب النيران. كيف بقيت أنا على قيد الحياة؟. هذا سر نعرفه نحن الاثنين وحدنا. وحدنا نعلم أنك أتقنت الانتظار كما لم يفعل أحد آخر”. قصيدة أخرى اشتهرت ومازالت تتردد للشاعر الداغستاني العظيم رسول حمزاتوف بعنوان ” اللقالق البيضاء” يقول فيها:” يخيل إلي أحيانا أن جنود بلادنا ممن لم يرجعوا إلينا من ميادين القتال، لم يتوسدوا الأرض. لكن أصبحوا طيورا هائمات. تطير في السماء بنظام كما كانت تمشى على الأرض وهي بشر. أليس لذلك السبب يحل علينا الصمت بحزن كلما تطلعنا إلي السماء؟”. ربما لا يكون لدي سوى هذه القصيدة أهديها إلي أرواح جنودنا الذين لم يرجعوا من سيناء، إلي محمد أبوغزالة وإلي كيرلس فاضل معا، وقد احتضن تراب مصر وسماها الشهيدين من دون تمييز، وإلي كل الشهداء الذين أصبحوا طيورا في سمائنا تبعث إلينا من هناك بالرسائل. أعتقد أن من واجب وزارة الثقافة واتحاد الكتاب تنظيم جنازة رمزية للشهداء يجوب فيها الكتاب والمثقفون شوارع العاصمة وهم يحملون صورة شهيد مسلم وآخر مسيحي، تقديسا لأرواح أبنائنا وتعظيما لمعنى الدفاع عن الوطن، ونشرا لحقيقة أن الدماء التي تسيل لحماية مصر لا تميز دما قبطيا من دم مسلم، وأيضا تكريسا لدور الكتاب والمثقفين ومساهمتهم في القضايا الوطنية.

حين واجه الاتحاد السوفيتي خطر النازية كان يواجه عدوا خارجيا محددا. أما نحن فإن الخطر في داخلنا، داخل مؤسساتنا، ووسائل إعلامنا، ونظمنا التعليمية. وكل ذلك يستدعي كفاءة أخرى، وبرنامجا آخر سياسيا واقتصاديا، وإطلاق أوسع الحريات الديمقراطية لكي يصبح الشعب جزءا فعالا وواعيا من تلك المعركة. فهل أننا نواجه ما يدبر لنا بالكفاءة الواجبة. آن الأوان لنقرأ تصورا مكتملا من كافة النواحي لدرء الخطر، لكي لا تظل أرواح جنودنا تبعث إلينا برسائل العتاب وتسألنا عن حقها.

***

أحمد الخميسي . كاتب مصري

 


[1] حول فاشية الكيان الصهيوني والوجهين “العلماني” والعنصري الديني للصهيونية، فقد كان مشروع بن غوريون فيما يخص العمال مشروعا فاشياً تماماً حيث كان يهدف تحويل العمال من طبقة إلى أمة” انظر The Global Political Economy of Israel, Jonathan Nitzan & Shimshon Bichler, Pluto Press 2002, p.p. 104, 111, 113. وبعد ان تمتعت المجالس العمالية في الكيان باستقلال نسبي، في اوائل خمسينات القرن العشرين جرى دعم هجوم المجلس التنفيذي  في الهستدروت ضد المجالس المحلية للعمال اي دعمته حكومة الماباي  وأممت مكاتب التشغيل التابعة  للمجالس واستخدمت  البنك المركزي لتقويض ارصدة الاتحادات بفرض  متطلبات سيولة مالية عالية ودعمت المشغلين في الخصومات العمالية، حيث اسمى  بن غوريون الاحتجاجات العمالية ب “المؤامرة الشيوعية”  وأممت الحكومة النظام التعليمي للعمال …بينما ابقت على الاستقلال الذاتي للتعليم الديني دون مساس” انظر بيخلر ونيتسان نفس المصدر ص 104، وانظر كذلك مقالة: الكيان الصهيوني الإشكنازي، معنى ومصداقية المصطلح، عادل سمارة في مجلة كنعان العدد  142 صيف 2010، ص ص 90-123.

[2] الكليانية كالنقابية تدفع للدمج المجتمعي بتغييب الفوارق والتناقضات الطبقية ضمن مشروع تقوم به السلطة البرجوازية.

[3] اقصد بالموجة القومية الثالثة أمرين: الأول رفض الخطاب الغربي بأن منتصف القرن التاسع عشر هو عصر القوميات حيث يعممون تاريخ أوروبا على العالم. والثاني، أن تلك كانت الموجة القومية الأولى وهي في أوروبا أما الثانية فهي في منتصف القرن العشرين حيث حركات الاستقلال والتحرر الوطني في المحيط، وأما الموجة الثالثة  فترافقت مع العولمة وهي قوميات مصطنعة وغالباً تخليق من المركز الغربي لإثنيات وطوائف…الخ

[4] رغم موقف الزميل سمير امين الحدِّي من “الدين السياسي” إلا أنه في موقفه الحساس من العروبة يفضل استخدام “الحضارة الإسلامية العربية” في عملية استثناء للوجود  والحضارة العربية قبل الإسلام، دون أن يلاحظ بأنه بهذا ينحاز شاء أم ابى لوهم الأمة الإسلامية والصحوة الإسلامية، وربما، يُجاري أكثرية التروتسكيين ضد القومية العربية بما هم شديدي ومؤبدي القلق على الكيان الصهيوني.

[5] الهزيمة بين جدل تجليسها وتخطيها استهداف دائم يشترط هوية: المقاومة والتنمية والوحدة.  د. عادل سمارة (قُدِّمت هذه الورقة إلى المؤتمر السنوي السابع(، دراسة الإنسان والمجتمع والثقافة العربية-الإسلامية من خلال القضية الفلسطينية، في جمعية إنعاش الأسرة (24-25 ايار 2014)

[6] جورج قرم، المسألة الدينية في القرن الواحد والعشرين، دار الفارابي 2007 ص 202

[7] من اللافت أن الترجمات والدراسات العربية عن هيجل لا تجرؤ على تبيان الجوانب العنصرية في فلسفته الهامة مما يعزز تبعية المثقف العربي للخطاب الغربي دون حذر.

[8] ما الذي وراء المشهد: “أما نيوزيلندا، فتقيم نصباً لجنودها الذين شاركوا في الحرب العالمية الأولى، وقد كتب على قبر أحدهم في قرية نائية: “يرقد هناالضابط ثوماس هنري هلتون  الذي ساهم في احتلال يافا … فليرقد بسلام”.  أي سلام؟

في ضوء هذا يمكننا قراءة عرض الرئيس الفرنسي الأسبق ساركوزي على البطريرك الراعي عندما زاره في باريس في ال2011 «ما دام أن المسيحيينأصبح عددهم مليوناً وثلاثمئة الف في لبنان والمسيحيون في سوريا مليون ونصف، فلماذا لا يأتي المسيحيون الى اوروبا ويعيشون فيها، مع العلم انه تماستيعاب مليوني مهجر مسيحي عراقي في اوروبا».
وشرح الرئيس ساركوزي للبطريرك الراعي انه في ظل صراع الحضارات، خاصة المسيحي – الاسلامي، لا مكان للمسيحيين في المشرق العربي،والافضل ان يأتوا الى الاتحاد الاوروبي المؤلف من 27 دولة. وتعرض فرنسا اليوم “استضافة” مسيحيي الموصل. وفي يوم 11 أيلول 2014 دعا القس الأمريكي كروز المسيحيين العرب للتحالف مع اليهود فغضب البطريرك لحام ومعه آخرون وغادروا اللقاء في واشنطن. هل هذه علائم دين إنساني أم دين سياسي لأنظمة تبحث عن قوة عمل رخيصة كلاجئين؟ طبعاً تتفشى الفاشية الدينية في امريكا بالمحافظين الجدد وفي فرنسا تتسع قاعدة اليمين الفاشي. هل استفادت هذه الدعوات “السخية” من مذابح “ثوار الدين السياسي في سوريا والعراق وليبيا؟ بالطبع نعم.