استغاثة المضطهَد

طارق مطر

فلسطين المحتلة

تسارعت الاحداث بشكل بوتيرة سريعة بعد دهس الطفلة الفلسطينية ايناس ومن ثم الرد الذي كان بمنتصف القدس من خلال عملية مماثلة لفلسطيني محرر من سجون الكيان الصهيوني، ثم تصاعد الاحداث بدخول المتدنين اليهود الى الاقصى والصدمات المستمرة بين الفلسطينين والصهاينة الى ان جاءت محاولة اغتيال الحاخام الصهيوني “يهودا غليك” ومن ثم تصفية الأسير المحرر الآخر معتز حجازي.

هذه الاحداث ولدت ردود أفعال مختلفة عنها والتي  شاهدتها كغيري على الفيسبوك وبالشارع وبالكلام المتداول بين الناس والتي بأعتقادي تحمل بطياتها تعابير ومضامين من المهم الأشارة إليها، وهنا سأشير إلى نقطتين في هذا الصدد.

أولاً: النداء الى الضفة الغربية من أجل الانتفاض للقدس له دلالتين، الأولى عدم ادراك المعادلة التي رسمت على مدار سنوات امتداداً من بعد اوسلوا وتركزت بعد عام 2006، حيث عملت الأجهزة الأمنية الأسرائيلية والفلسطينية على ضرب البنية التحتية للمقاومة وتفكيك بناها التنظيمية من خلال تصفية الناشطين خلال الانتفاضة أو زجهم بالسجون او التدييق المستمر على أي عمل من شأنه أن يخلق تراكم تنظيمي داخل الضفة وتركيز هذه الخطة بعد عام 2006 يأتي ضمن سياق قراءة الكيان الصهيوني لحالة غزة والذي تم الانسحاب منها عام 2005 بعد أن أصبح أحتلالها المباشر يسبب تكاليف باهظة للجيش بسبب الأجرائات الأمنية.

هذه الصورة جعلت العقل الأمني الصهيوني يدرك خطورة أنتقال الحالة نفسها الى الضفة رغم أختلاف الظروف الجغرافية بطبيعة الحدود أولاً والبنية الطبيعية للضفة المختلفة تماماً عن غزة ثانياً، عدا عن المراقبة الشديدة على الضفة بحكم التداخل الكبير بين مدن الضفة الغربية ومستوطنات الضفة وقربها على المدن المحلتة عام 1948.

اما الدلالة الثانية وهي الأشد خطورة تركيز النداء اتجاه الضفة بدلاً من توجيهه أيضاً نحو العمق العربي، وهذا يعني استدخال خطاب يدعو بمضمونه غير المعلن عنه عدم ادارك المسؤلية العربية اتجاه القضية الفلسطينية وكأن مشكلة القدس هي مشكلة أهل الضفة وغزة –لكن بحكم جراح غزة فلا نداء اتجاهها بالوقت الحالي- وأن القضية الفلسطينية هي قضية شعب فلسطين وليست هي بالأساس قضية عربيةفلسطينية- صهيونية، أو قد يكون استدخاله مقصود وهو الخطاب الذي بدأ من شعار القرار الوطني المستقل.

ثانياً: أنتشرت عبارات على الفيسبوك تحمل طابعين الأول هي التحقير من المدن التي يقطنها كل فرد لأنها لا تنتفض لأجل القدس مقابل تمجيد حالة القدس، والثاني الشتم المبطن للذات والاعلان المستمر عن عجزها من خلال كلمات او اشعار تدلل على بطولة البطل مقابل عجز الجميع.

لنبدأ بتحليل هذه الظاهرة بشكل اعمق قليلاً والتي تحمل بباطنها غضب اتجاه الواقع المعاش وهنا وبالعودة للأدبيات السيكولوجية ونرتكز هنا تحديدا على مؤلفات مصطفى حجازي – فريري العرب- أن المرحلة الأولى التي يمر فيها الأنسان المقهور والمضطهَد هي مرحلة القهر والرضوخ للواقع والتي ينكفئ تحت هذه المرحلة مشاعر الدونية والتبخيس والخجل اتجاه الذات والهرب من المواجهة المفترضة مع المضطهِد في هذه المرحلة تحديداً يبدأ شتم الذات وشتم المدن التي يقطن فيها كل انسان مضطهَد والشعور بالعار والنقص لعدم القدرة على مواجهة كيان بهذه القوة وبهذا التكنولوجيا وهذه المرحلة نلاحظ انتشارها بشكل كبير.

في المرحلة الثانية وهي المرحلة الأضطهادية والتي تتميز بالشعور بالأضطهاد بشكل كبير وعدم الدقرة على تحمل أسقاط مشاعر تبخيس الذات- الدونية- اتجاه الذات فيبدأ بالبحث عن آخر ليسقط عليه الأضطهاد الواقع عليه من سلطة أعلى فيصبح توجيهه إما اتجاه بشر يعيشون معه بنفس المجتمع او اتجاه العدو ولكن بطريقة أكثر كلامية وسباب وشتائم لأنه لم يصل لمرحلة التمرد بعد، وهذه نستطيع ملاحظتها بمجرد مرورنا بالشارع يومياً لنرى طبيعة العنف الاجتماعي على السطح او داخل البيوت.

اما المرحلة الثالة وهي مرحلة التمرد والمواجهة والتي تكون بتحويل العنف والقمع الموجه من أعلى باتجاهها برده الى نفس المسبب وهنا يكون الانسان المضطهد أدرك انه لا مناص من المواجهة ولا يمكن البقاء بنفس الاساليب والطرق القديمة المذلة باستمرار، هذه الحالة تحديداً تجعل شباب وشابات من قرى ومدن ومخيمات فلسطينية يقومون بأي أعمال صدامية ضد الكيان الصهيوني.

الحالات التي نشاهدها ونسمعها بالشارع وفي وسائل الاتصال الافتراضية بغالبيتها تندرج تحت المرحلتين الاولى والثانية، بينما الثالثة لا نراها لأنها ببساطة مشغولة بالفعل لا بالقول، لكن ما ينقص هذه الحالة هي التنظيم بشكل أكبر لتصبح أشد فاعلية.

بجانب آخر من ذات السياق قد يجد القارئ بالتعليقات الدارجة والتي تمثل المرحلة الاولى تحديداً او الثانية حالة من النزوع لطهورة أي لإلقاء اللوم على عامل خارجي ” الشعب اهبل جاهل غبي مذلول… الخ” او شتم الفصائل الفلسطينية والقيادة الفلسطينية بشكل عام- طبعاً غالبا ما يكون الشتم يكون اتجاه الفصائل نتيجة عدم ادراك حالتها التنظيمية التي أشرت لها بالنقطة الاولى من المقال” وبهذا الحال يحاول الفرد إخراج ذاته من المسؤلية الوطنية الملقاة على عاتقه كأنه ليس من واجبي أنا كذات عربي فلسطيني أن أستنهض نفسي وأناضل دفاعاً عن قضيتي بل واجب الآخرين” فصائل شعب ..وغيرها” أي حالة من النزوع لأسقاط اللوم على الآخرين من اجل تخفيف حدة التوتر الداخلي للأنسان كوسيلة دفاعية عن الأنا المتضررة نتيجة تأنيب الضمير.

كيف نبدأ بالخروج:

اول النقاط التي من المهم أن ندركها كفئة شابة أو كأي وطنيين شرفاء تقع على عاتقنا مسؤليات جمة بهذا المجتمع أولها الحفاظ على وجوده. هو إدراك نقطة سارتر الأخلاقية “عندما تقوم بشيء اعتقد أنك قدوة العالم” فإدراك هذه النقظة يجعلنا نفكر دائماً أنه بحالة رضوخنا وجلوسنا بالذل يبجب أن نقبل فيه وأن لا نفتح أفواهنا استنكاراً او اسقاطاً لما يحدث علينا على الاخرين، وإما البدء من الذات بأستنهاضها وبتحمل المسؤليات الوطنية الملقاة على عاتقها اتجاه قضيتنا.

هذا يدعو للتفكير كيف نستنهض ذواتنا وكيف نستنهض فصائلنا غير الملوثة والقابلة للحياة من جديد وكيف نستنهض مشروعنا القومي التقدمي وكيف نستعيد مقاومتنا وما دورنا بكل هذا المشروع! هذا سؤال الماضي والحاضر والمستقبل وأجابة كل فرد لها دور بدفع عجلة استنهاضه للأمام لو كان التقدم خطوة صغيرة ولكنها ستكون للأمام.