ثورة المتناقضين

ثريا عاصي

بدأت تظهر في بعض الأشرطة المصورة الدعائية، مشاهد يبدو فيها عسكر «داعش» ليس على شكل رجال يسترون وجوههم بخمار أسود ويلبسون القمصان الباكستانية وينتعلون الصنادل، ولكن رجال يرتدون بزات جنود في جيش دولة غربية وغنية ! قلنا في مقال سابق أن الولايات المتحدة الأميركية أوكلت لوكالات أمنية كمثل بلاك ووتر، مهمات عسكرية أثناء إحتلال العراق، وان هذه الأخيرة إستخدمت للقيام بها جيشا من المرتزقة الأصليين ومن العرب وغير العرب، بلغ عديده مائة وأربعين ألفا. بناء عليه، من المحتمل أن يكون لدى «داعش»، جيش نظامي من المرتزقة، السوريين والعراقيين والأتراك والمغاربة والخليجيين، يقوده خبراء عسكريون أميركيون وأوروبيون!
لا جدال في إعتقادي حول الأهداف التي تسعى الولايات المتحدة الأميركية وأذنابها الأوروبيون إلى بلوغها في منطقتنا. من البديهي القول أن المرتزقة لا يبغون إلا خدمة مشغليهم . تقودنا هذه المسلمات إلى التساؤل عن الأسباب والمبرارت التي تبيح للبعض أن يلتقوا مع الولايات المتحدة الأميركية حول المشترك نفسه . العمل على تصفية القضية الفلسطينية، أي قبول الصلح معالمستعمرين الإسرائيليين . يتجاهل ويـُغفل هؤلاء المفكرون طبيعة القضية الفلسطينية بما هي قضية تحرر وطني من إستعمار إستيطاني.
ليس مستبعدا من وجهة نظري أن الإنحرافات والبدع والخرافات والغرائب والعجائب التي خالطت الموقف من المستعمرين الإسرائيليين، مردها جميعا إلى الدعوات لغض النظر عن أن الإسرائيليين هم مستعمرون وليسوا يهودا . بمعنى آخر، أن أصل المشكلة بيننا وبينهم هو إستعمارهم لبلادنا وانتهاكهم لحقوقنا الوطنية والإنــسانية. وبالتـالي إن الزعم بان الصراع من أجل فلســـطين هو ذو طابـع ديني أو مذهبي، هو دلالة على الوقوع في مصيدة المستعمرين، أو هو خدمة لهم أو بالأحرى إعانة لهم .
في الواقع، إستخدم حكام العرب الدين، كثيرا لإخراج نظمهم من أزماتها وهزائمها. ليس من حاجة للبسط والتوسع في هذا الموضوع. لعل أكذوبة «داعش»، وبروز الخلافة والدولة الإسلامية، في ظروف يمكننا أن ننعتها بالخطورة والضبابية، أي بالقطع غير ملائمة، يمثلان أبلغ دليل على الإتجار بالدين. ذلك بموازة الجعجعة والخلط في الكلام عن «الثورة» من أجل الديموقراطيةوالإصلاح. الأبجدية والديموقراطية ! أي دين هذا الذي تبـشر به «داعش»؟
تجدر الملاحظة في هذا السياق أن العداوة ضد حزب الله في لبنان تتغطى بالمذهبية. إذ من المعروف أن هذا الحزب لم يتخط حدود المذاهب الأخرى، فهو شيعي في الوسط الشيعي فقط. فضلا عن أنه يتوجب علينا أيا كانت ميولنا ومذاهبنا، أن نعترف له بجميل المقاومة التي واجه بها المستعمرين الإسرائيليين الذين إحتلوا جنوب لبنان. من المرجح أن هذه المقاومة أنقذت لبنان من الذوبان، وأبقت عليه عليلا كما كان . هل يستطيع حزب الله أن يوصل لبنان إلى بر الأمان؟ إن الذين يقاتلون حزب الله، ليسوا ضد الشيعة، ولكنهم ضد المقاومة كمثل الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل . باسم ثورة المتناقضين، الزعران ثوار والجهلة قادة وأصحاب السوابق برزوا في ثياب الواعظين!.

:::::

“الديار”

 


[1] حصل الكيان منذ تصنيعه وحتى بدايات القرن الواحد والعشرين على 134 مليار دولار بين مساعدات امريكية وتعويضات عن المحرقة النازية.

[2] A Dictionary of Marist Thoughtm ed by Tom Bottomore and others,p.p. 162-63, Blackwell, 1983

[3] بالميرو تولياتي، محاضرات في الفاشية ، دار الفارابي  1979 ص 38

[4] تولياتي، نفس المصدر ص 207.

 [5] Nicos Poulntzas: Political  Power & Social Chasses, Verso, 1968

 

[6] لتوسع في الأساس الريعي لدول الخليج العربي عادل سمارة، ثورة مضادة، إرهاصات أم ثورةن منشورات دار فضاءات  عمان 2013  والطبعة الثانية منشورات بيسان ، رام الله.

 

 

[7] عُقد مؤتمر إسلامي في لندن عام 1985، لاحظوا في لندن، حضره من كل البلدان المسلمة، تمكنت من الدخول بأن استعرت الدعوة الموجهة للسيد أحمد الهوني رئيس تحرير جريدة العرب اللندنية، وكنت محررها الاقتصادي اثناء دراستي. فوجئت ان جميع المتحدثين هاجموا القومية العربية من دون غيرها. كان هذا سؤالي الوحيد ولم اسمع إجابة. كنت اشعر برائحة أفكار  برنارد لويس هناك وتاريخ بريطانيا في استهداف الأمة العربية.