فاشية أنظمة وقوى الدين السياسي…

الراسمالية في المركز والريعية في المحيط

(الجزء الثاني)

 

د. عادل سمارة

الفاشية : راسمالية مأزومة

ربط هلفريدنج الفاشية بالراسمالية الاحتكارية التي هدفها تنظيم المجتمع ككل بشكل شمولي. وربما هذه بداية تحديد ملامح الفاشية وخاصة في علاقتها بمنبتها الرأسمالي. لكن علينا الانتباه أن الفاشية تتخذ اشكالا مختلفة طبقا لنمط الإنتاج والتشكيلة الاجتماعية الاقتصادية التي يهمين فيها بمعنى أن الفاشية لا ينحصر نموها في الرأسمالية الاحتكارية، كما أن التيارات الفاشية ليس شرطاً أن تبدأ أو أن تتحول دولانية.

ففي الحالة العربية سواء الراسماليات المحيطية او الريعية تتخذ الفاشية اشكالا تتوائم مع نمط الإنتاج المسيطر وبالتالي أو بناء عليه طبيعة السلطة الطبقية والتكوينات الطبقية الموجودة في المجتمع ومن ضمنها المؤسسة الدينية. بينما الكيان الصهيوني هو عملية دمج بين الراسمالية الاحتكارية والاعتماد الريعي على المتروبول الإمبريالي[1] والدين السياسي مما جعلها طبعة فاشية حاصة.

في تحليله للفاشية رأى أوتو  باور بأن الحرب العالمية الأولى جردت كثير من البرجوازيين من إمكاناتهم المادية فاصبحوا في حالة من الضياع الطبقي، بلا وضع طبقي. فشكلوا ميليشيات قومية ولا ديمقراطية. ومادتها بالطبع من الطبقة العاملة. باور وإدلر ركزا على البطالة وكيف ان ال (اس ايهSA )كتائب العاصفة القومية الاشتراكية جندت 300000 شخصا من الطبقة العاملة[2]. وهذا يعني ان الشباب والعمال هم المادة البشرية الأساسية للفاشية إذا ما تدهور الوعي لديهم. ولعل هذا ما يفسر استهداف الفاشية للطبقة العاملة بما هي مخزون شبابي من جهة ومصدر قوة للقوى الشيوعية من جهة ثانية.   لكنهما، أي باور وإدلر  لم يدفعا التحليل الى حاضنته الأوسع أي الراسمالية الاحتكارية.

كما استفادت الفاشية من مخزون اجتماعي ممثلاً في أن التطورات التي أعقبت هذه الحرب قد جردت الشرائح الدنيا من الطبقة  الوسطى والفلاحين من املاكهم فانتموا للفاشية.

وحتى الطبقة البرجوازية التي  سقطت في ازمة بينما هدفها هو الربح الأقصى أو اللامحدود، وهو ما ترتب عليه كسر شوكة الطبقة العاملة لتحقيق ذلك، وهو ما حصل حيث تجاوزت على الديمقراطية البرجوازية المألوفة. وفي هذا غامرت بأن اعتمدت القمع بدل المرونة تجاه الإضرابات ففي كلتي الحالتين يتم الإبقاء على عجلة الإنتاج ومن ثم الهدف الأساس أي الربح.

بدورها رأت مدرسة فرانكفورت، ان الراسمالية الاحتكارية لا تحقق ارباحها بدون دولة توتاليتارية تختصر حقوق العمال إلى الحد الأدنى لصالح رأس المال،  وترى أن هذه من سمات الاشتراكية القومية”(نيومان). وهذا صحيح فيما يخص النازية في ألمانيا تحديداً،  ولكن ماذا عن الولايات المتحدة؟ فالنظام الاقتصادي الاجتماعي هناك ليس بحال من مدرسة الاشتراكية القومية، لكنه يخضع للراسمالية الاحتكارية حيث تسيطر إيديولوجيا السوق بما هي فراخة الفاشية. لماذا لم تدفع فرانكفورت تحليلها إلى الولايات المتحدة تحت حكم المحافظية الجديدة وتواصُل ذلك كنهج دون إعلان في إدارة الديمقراطيين؟

ويرى بولك أن  الدولة التدخلية فاشية ايضا، وهي نمط من راسمالية الدولة. ولكن ما يحسم في هذا المستوى هو حدود تجريد الطبقة العاملة من حقوقها.

أما ادورنو وهوركهايمر فدفعا الأمر باتجاه صهيوني إلى حد كبير، فقد ركزا على الشخصية السلطوية وعلى اللاسامية؟ بينما لم يناقشا طبيعة السلطة الاستيطانية الصهيونية في فلسطين لا من حيث مجرد وجودها الاستيطاني ولا من حيث سياساتها تجاه الفلسطينيين المتبقين في وطنهم ولا من حيث كون الدين اليهودي هو الأكثر مطواعية لخدمة الفاشية  عبر النصوص التلمودية على الأقل. هذا إلى جانب الصفقات السياسية والاقتصادية بين القيادة الصهيونية والنازية. أما اليوم فليس خافياً تحالف السلطة الصهيونية مع المافظين الجدد في الولايات المتحدة الذين يشكلون فاشية على صعيد معولم. وكيف سهَّل على السلطة الراسمالية الصهونية استخدام الدين لبلورة كيان جوهره رأسمالي وثقافته عنصرية ووجوده عدواني وممارساته ضد اكثرية الساميين. وهذا يكشف إلى حد كبير تأثر مدرسة فرانكفورت بمنشئها الذي في كثير من شخوصه “يهودي” ولكنها تغلف نفسها بكثير من المساهمات الثقافوية.

ورغم أن للعوامل النفسية دورها في تعزيز الفاشية، ولكن هذا يمكن سحبه على الأفراد وليس على الطبقات والأمم. يمكن سحبه على المجتمعات الاستيطانية التي ينتهي بها عدوانها على أراضي وشعب المستوطنات، ينتهي بها إلى سيكولوجيا شمولية لصالحها تجاه الشعب الأصلاني.

يوسع البعض ، بولنتزاس مثلاً، مفهوم الفاشية ليدرج تحتها البونابرتية. وهذا ما رفضه تولياتي بقوله: ” لأن معنى ذلك انها ليست البرجوازية التي تحكم بل موسوليني؟ او الجنرالات الذين  سينزعون السلطة من البرجوازية نفسها[3].

وجادل بولنتزاس عن الفاشية كدولة راسمالية استثنائية وادرج من ضمنها البونابرتية واشكال من الديكتاتورية العسكرية. وهنا يضيِّع بولنتزاس المستوى الطبقي بمعنى حكم الطبقة البرجوازية لصالح الحكم الشكلي للديكتاتور.  ويحاول خلط الديكتاتورية العسكرية بالمسألة القومية لدى الدول التي  حكمها ديكتاتورات وهو تعميم موسع بمعنى ليس شرطا ان تكون الديكتاتورية العسكرية نظاماً فاشياً. ويتقارب مع بولنتزاس  آخرون يدرجون الشعبوية في نطاق الفاشية (وهذا يبين تداخل المصطلحات والسياسات) وخاصة لأنها تبرز دور الدولة الذي يُلخَّص في دور القائد الفرد الزعيم حامي الجماهير ومن لا قوة لهم وهو المناخ الذي يحول دون التركيز على الصراع الطبقي وهو ما سمح للنازية بنقل العمال من طبقة الى امة. وهو نفسه ما سمح للنقابية بتمكين الصهيونية بضم رئيس الوزراء والعامل معاً في الهستدروت؟

وتوصل آخرون إلى ان الأزمة الاقتصادية قد تقود للجريمة ولكن كذلك  لنمو سريع لحركات يمينية  سياسية وبهذا تقاطعوا مع الدوافع أو المسببات الأساسية للفاشية, التي تغذت إلى جانب البطالة على وجود المضيعين طبقيا والبروليتاريا الرثة.

لقد حققت الفاشية في إيطاليا وألمانيا العمالة الكاملة من خلال التجنيد للحرب  وذلك بالانفاق التسليحي  تحضيرا للحرب  وبذا تكون مراكز التجميع أداة تخفيض للبطالة  كطريقة لإطفاء مطالب العمال كما رأى تولياتي[4]. وهنا نلاحظ بأن الفاشية التي تغذت على جنود الجيوش الخاسرة للحرب  والمتحولين لخدمة الفاشية قد أعادت الدور التحصيري للحرب كي تخسرها مجدداً.

تحوي الدولة في ظل التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الرأسمالية بذور تحولها إلى سلطة فاشية في لحظة الأزمة.

فالفاشية هي شكل من الراسمالية مطابق للراسمالية في درجة تفاقمها الاحتكارية كما  جادل كثيرون من هلفريدنج إلى بولنتزاس[5] الذي يقتطف من حنا إرندت.

تظهر الدولة الشمولية في مجتمع عام  حيث  لا تعمل العضوية الطبقية  ويكون الفرد مستسلما  للسلطة السياسية.  لكنه يقول أخذا بالاعتبار مختلف التفاوتات، فإن بوسعنا مقارنة  هذا المفهوم بنقد دوركهايم  للسلطوية الطغيانية  التي يرى انها تتأسس على غياب المنظمات “الوسيطة”  بين الأفراد وبين الدولة.

لكن لا بولنتزاس ولا إرندت طبقا مقولتها عن تذويب العضوية الطبقية وبالتالي استسلام الفرد للسلطة السياسية على حالة الكيان الصهيوني حيث الزعم بأن الدولة للجميع في جهد جهيد لإخفاء المبنى الطبقي لهذه الدولة، وهو الأمر الذي أفلت من عقاله وخاصة منذ عام 1977 بانتقال السلطة إلى الليكود ممثل الطبقة الراسمالية ذات المصالح الأكثر تمفصلا مع  الراسمال العالمي.

وفيما يخص المنظمات الوسيطة التي قد تبرِّد أو تشعل  الصراع بين السلطة والمجتمع او الصراع الطبقي بين هيمنة السلطة ومقاومتها بهيمنة الطبقات الشعبية، فإن منظمات المجتمع المدني هي التي تلعب هذا الدور. وإلى جانبها بالطبع تلعب المؤسسة الدينية دور الوسيط الذي يلطِّف عسف السلطة ويخصي عنف الجماهير.

لعل من الفوارق الهامة بين الدولة الفاشية في الغرب الراسمالي وبين الدولة الفاشية في الخليج العربي خاصة، أن الحزب ومنظمات المجتمع المدني موجودة هناك وغائبة هنا، وبأن الفاشية هناك متعصبة قوميا، بينما هنا مضادة للمسألة العروبية بالمطلق.كما أن المؤسسة الدينية هناك جرى تطويعها برسملة الدين، بينما في الدولة الريعية لم تتم رسملة قاعدية صناعية إنتاجية، وبالتالي جرت عملية تحالف بين السلطة السياسية وسلطة المؤسسة الدينية على قاعدة التمتع بالريع. وبالطبع، توجد في الغرب ثقافة وحضور المبنى الطبقي، بينما في دول الريع النفطي يتم الشغل على إنكار وجود وإعاقة التبلور الطبقي في محاولة نقابية غير تلك التي في الغرب الراسمالي[6].

لو سحبنا هذا على السعودية، لراينا الصورة على النحو التالي، كان تصور ابن عبدالوهاب للدولة يقوم على تقاسم طرفين لإدارة الحكم، الشيخ والأمير، فيقوم الشيخ بإدارة الشأن الديني، والأميربإدارة الشأن السياسي، من دون أن ينفي ذلك وجود تداخل بين الشأنين، لكن ضمن تفاهم يحدد مساحة الشيخ بما يتوافق مع سيطرة الأمير. هنا تتحالف السلطتان الروحية والزمنية، فتمنح الأولىالثانية الشرعية الدينية، وتمنح الثانية الأولى القدرة على بسط النفوذ ونشر الأفكار الخاصة بها في المجال العام، من دون منافس. وبهذا لا يتم اختصار النخب الأخرى لصالح هاتين التخبتين بل يتم اختصار كامل المجتمع، سيان كان ببنى طبقية واضحة ومتمايزة ومختلفة أم لا.  إذن تم في السعودية خاصة خلق منظمة وسيطة بين الدولة والفرد هي جهاز لتطويع الفرد أكثر.

وهو يرى، اي دوركهايم، في هذا جوابا ايديولوجيا للمشكلة الحقيقية  التي تخفي:” ما هو حقيقي وهو ان اداء الدولة الرأسمالية يُلتقط على انه “شموليا” هو ذي علاقة ليس بنوع من الافتقار الى مصالح طبقية معارضة،  او الى مؤسسات وسيطة،  بين “الفرد”هو/هي”  والدولة، ولكن بالأحرى  الافتقار الى تعبير مباشر  عن الصراع الطبقي  في مؤسسات السلطة السياسية. ان ما لم يكن ممكنا حينما تكون الطبقات او الطوائف ضمن منظمة منظومة مؤسساتية يصبح ممكنا  في دولة تعمل كدولة طبقة  بمعنى ان الصراع الطبقي السياسي غائب عن مؤسساته  وطالما  يقدم نفسه على انه  وحدة الشعب-الأمة.

واهم من ذلك، يصبح الأمر اكثر اهميةحينما ننظر الى تأثير عزل العلاقات الافتصادية-السياسية  للتشكيلات الراسمالية  في المستويات الأخرى للصراع  الطبقي.

هنا يجب الاهتمام بان الدين السياسي يفصل السياسة عن الأرض ويربطها بالسماء كي لا يكون هناك متسعاً للتفكير في مظالم الأرض.

الدين السياسي لدى العرب كمحيط

ربما يقوم السؤال الأول والمبدئي على المرتكز التالي: هل الفاشية صناعة سماوية أم أرضية؟ هل هي لعنة إلهية أم سقوط بشري  لا سيما في عصر راس المال حيث تأخذ الفاشية اشكالا متعددة تبدأ من راس المال الاحتكاري ولا تنتهي عند زعيم تنظيم إرهابي يمتطي بالدين السياسي كل من الدين والناس فيًدعى باسمه في المنابر واليوم في الفضائيات؟

وهل نسمح لرأس المال بنقل جريمتة الفاشية إلى السماء كي يهرب من عقاب جريمته في الأرض؟ كأننا هنا ننقل الصراع من التراب إلى الغيب. ونكشف بأن المؤسسة الدينية نقيضاً بل  أداة سلطة/طبقة تنسب نفسها إلى الله كي تنفي صراع الطبقات او نضال وتحرر الطبقات التي تنهبها، بل حتى في حالتنا العربية تنفي المواطنة ، وتفرِّط الدولة القطرية في وطنها وتزعم التمسك بالدين كبديل للوطن! لذا لا تبالي باحتلال البلد بالقواعد الأمريكية ولا احتلال  الوطن العربي بمختلف انواع وأشكال الاستعمار!! في وطنها. بمعنى أن من سمات الدولة القطرية  فقدان الأرض، وصار واضحا ان استعادة اي شبر رهن بالدولة العلمانية الموحدة.

لعلها أسئلة فيها قدر من الشدة والضغط حتى النفسي. لكن هذه الشدة، بل بسبب هذه الشدة علينا أن نقرأ الأرضي اي الاجتماعي الطبقي، المصالح المادية جيداً، وأن نرى تلك الشبكة الواسعة والمعقدة من البشر الذين يديرون الفاشية المجسدة في انظمة وقوى الدين السياسي ويكمنون ورائها وهم الأخطر جداً من أدواتهم المفعمة بالعمى الإيديولوجي والمال والسلاح  مما يعزز القول بأن الخطورة في صانع الأداة وليست في الأداة نفسها. هذه الأدوات التي نفهم عمق تخلفها وحرمانها ومخزونها الممرور حياتياً، ولكن، رغم ذلك التفهُّم، لا يمكن التصالح معها ولا رحمتها لأنها اتتنا بمعادلة مطلقة الوضوح/ أن تقتل او تموت.

دعونا نرجع إلى الوراء قليلاُ، بضعة عقود، وهي قليلة جداً إذا جلَّسنا السنوات والعقود كأجزاء من الزمن في مضمونه التاريخي. وهي عقود نقصد بها جزءاً من زمن الراسمالية بما هي نمط إنتاج أخضع الإنتاج لأجل المال ووسع الإنتاج وطوره باستمرار لأجل المستوى المالي في النهاية وليس لأجل سعادة البشرية التي تأتي عادة كتحصيل حاصل أو تفرض نفسها فهي لم تكن هدفاً، ولذا تبقى عرضة للنفي ومن ثم التحول إلى جحيم.

ربما كانت حقبة الإمبريالية حيث الحرب المفتوحة من المركز على المحيط وبين دول المركز نفسها وخاصة فترة الحربين العالميتين ووسطها ازمة 1929 الكبرى هي نقطة التحول الرئيسية في فكر الراسماليين بمعان عدة ربما أهمها أن حياة راس المال مستحيلة إن لم يحقق شرطين:

الأول: أن لا مجال قط للتصالح مع اي نمط اقتصادي غير نمط الإنتاج الراسمالي في  اوروبا والمستوطنات البيضاء. بل لا بد من رسملة محسوبة ومحتجزة في المحيط رسملة على شاكلة مصالح رأسمالية المركز وليست على شاكلة رسملة المركز نفسها (لا أوروبا بعد اوروبا) وهذا ما يمكن رؤيته في تخليد مركز/محيط.

والثاني: فإن مركزاً  يقاوم أو يدير أزماته يستدعي الهيمنة عبر رشى للطبقات الشعبية بالاستعمار ورشى قيادتها بالاحتواء واستدعاء الدين استدعاء سياسيا طبقيا كأداة للهيمنة الثقافية إلى جانب أو في حالة عدم نجاعة الاستدعاءات الأخرى، وهذا ما نراه اليوم  في توظيف الأديان السماوية الثلاثة بغض النظر عن حدود قابليتها وكونها حمَّالة أوجه، حسب قول الإمام علي.

وهذا إن لم يتضح سابقاً واضح اليوم بالفاشية المعولمة.  فوراء حروب تقاسم العالم كان التقدم الصناعي والبحث عن الأسواق. لذا كان الصراع بين فاشية الراسمالية الاحتكارية (امريكا وبريطانيا) مغطاة بالديمقراطية  وفاشية الراسمالية المأزومة المغطاة بالعرق اليابان وألمانيا وايطاليا بدرجة أقل. أما فاشية الدين السياسي الثلاثية (انظمة وقوى الدين السياسي الإسلامي واليهودي الصهيوني والمحافظية الجديدة المسيحية)  فتتحدى البشرية بفاشية معولمة مأزومة تبشر بالبربرية إن لم تُوقف.

ناقشنا فيما سبق الخلفيات الفكرية والطبقية والاقتصادية لفاشية المركز بما هو تشكيلات اجتماعية اقتصادية متقدمة من جهة، المركز الذي حقق إلى جانب ذلك رسملة الدين حيث احتوى المؤسسة الدينية لتصبح الكنيسة جزءا من مجتمع مدني في خدمة السلطة، ورجالاتها مثقفين عضويين لراس المال. وقد لا يكون أدل على هذا من تحول البابا بولس السادس عشر إلى مروج لنقابة بلاده الأم “تضامن” ضد الاتحاد السوفييتي دافعاً باتجاه فاشية معولمة لراس المال الاحتكاري.

لعل درجة وتعدد واستمرار استهداف الوطن العربي هي من القضايا التي تستحق دراسات معمقة لأسباب عدة منها أن التيارات المضادة للعروبة ترتكز على تقطعات التاريخ السياسي الرسمي الدولاني العربي وكأنها تقطعات بدأت بفعل قوى محلية عربية وليست خارجية. وهي تقطعات حصلت على يد الاستعمار العثماني بدمج معظم الوطن العربي الذي احتله العثمانيون دمجا في تلك الإمبراطورية على شكل سناجق وولايات وهو ما ورثه الاستعمار الأوروبي حيث  قسم هذا الوطن إلى دول قطرية قامت على اكتساح ومن ثم سحق الحيز الجغرافي طبقا لتقسيمات المستعمِر الأوروبي. وبالطبع اقترن كل هذا بتنصيب انظمة تابعة وتكريس التخلف واحتجاز التطور ليصبحا عوامل تغذية راجعة للتجزئة بحيث تبدو وكأنها، اي التجزئة من صنع عربي. ما هدف إليه الأوروبي الغربي من سحق متواصل للحيز الجغرافي العربي تأكيد وتكريس نفي العروبة.

لعل اقتطاع فلسطين وقيام الكيان الصهيوني بسحق متواصل للحيز الفلسطيني بهدف إنهائه هو النموذج الأوضح  والأكثر شراسة لسحق الحيز على مستوى قطر عربي تم اقتطاعه عبر سحق الحيز القومي.

ولكن السحق الجديد من قوى الدين السياسي ممثلا بداية بالقاعدة ولاحقا ب داعش هو النموذج الأكثر عنفاً في سحق الحيز القطري العربي متخذا تجاوز حدود “الأمة” القطرية”   المصطنعة لصالح تجميع الحيز شكلانيا باسم أمة الإسلام الوهمية. أما عملياً، فهي ظاهرة تكمل الاستهداف الغربي الإمبريالي للوطن العربي والعروبة عملياً.

هنا نلمس ونرى عيانا بأن المركز الإمبريالي ارتكازاً على مصالح المذاهب الفاشية المحلية والإثنيات يعيد تجزئة الوطن العربي جغرافيا وديمغرافيا بحيث يكون الكيان هو الأوسع جغرافيا والأكثر عددياً ناهيك عن الأقوى تطورا تكنولوجيا وعسكرياً. وتكون الجامعة الشكلانية لهذه الدول/الأمم الأميبية مظلة وهمية هي أمة الإسلام. هنا تتكرس تماماً عقيدة انظمة وقوى الدين السياسي اللاوطنية بجوهرها الأساس وهو بلوغ السلطة لا حماية الوطن.

لقد تم تخريب الحضارة العربية مراراً بالغزوات البدوية من الخارج وحتى من الداخل. وربما كانت من مساهمات ابن خلدون الهامة تركيزه على دور البدو في تخريب الحضارة، وهو تخريب نال الوطن العربي الكثير منه.

 خضع الوطن العربي لسلسلة تدمير بدوي كان آخرها وأطولها في العهد العثماني حيث تقلصت الأرض الزاعية وسيطر الغزو على أطراف الريف وقامت العصبيات القبلية  وتسللت حتى المدن ليتمسك بها الناس بدل السلطة التي كانت غائبة. وكأننا كنا أمام تخريب منهجي للحواضر المدينية العربية وخاصة في مصر والعراق والشام. وكأن ما يحصل اليوم هو استعادة لنفس التخريب ولكن ببدو جرت صناعتهم على ايدي المركز الراسمالي المعوام. بدو في الحالتين.

الريع كلأ البدو العصري

 

يرغب البدوي عادة عن العمل،  ويفضل الاعتماد على موارد اخرى للحياة كالغزو حيث يضع يده على إنتاج الآخرين في وضعية تحقيق ريع بالحرب وليس بالشغل،  كما يعتمد على حلب الإبل  والانتقال من مرعى لمرعى وراء الكلأ.

في الحالتين، يتصاغر وطن البدوي إلى المكان الصغير ربما بيت الشَعَر وهذا ما تجلى في تدمير المدن بالنهب. ولعل أدل حادث على هذا حنين ميسون الكلبية زوج الخليفة معاوية بن ابي سفيان إلى بيت الشعر بدل القصر، في حنين إلى البادية بدل المدينة:

لبيت تخفق الأرياح فيه…أحب إلي من قصر منيف

ولبس عباءة وتقر عيني…أحب إليَّ من لبس الشفوفِ

كما يبخس البدوي المهن والأعمال المهنية،اي الإنتاج لأن البدو لم يعتادوا العمل الجسدي. وقد يكون فقر الصحارى لفرص الاستنبات الزراعي دوره في عدم الميل للعمل.

تعاني السعودية من نسبة بطالة عالية حتى بين الذكور، فما بالك بالإناث لأن كثيرين يربأون بأنفسهم عن العمل الجسدي وحتى الوظيفي معتمدين على فتات الريع الحكومي. بينما تستجلب ملايين العمالة الأجنبية ذات التفارق الطبقي الفاقع بين السادة البيض وبين العمال الآسوييين العبيد والعرب(مسلمين غالباً بالطبع). وبالطبع، فإن قوة عمل بلا عمل تعيش على الريع ولو هامشي، وتُغذى بالوهابية لا بد أن تتحول إلى أزمة للنظام في بحثها عن دور، والدور إما العمل الإنتاجي الصناعي والزراعي والخدماتي أو العمل الإرهابي.

وعليه، فالسعودية التي تستقبل عمالة فائضة آسيوية وعربية تصدر اليوم عمالة فائضة إرهابية إلى نفس الدول!

المجتمع البدوي على صغره مجتمع كلياني يخلق قائدا فرداً يُدفع إلى السيطرة دفعا بحكم سيكولوجيا التماسك دفاعا عن النفس أمام أعداء كثيرين طالما ان الغزو هو من مصادر العيش.

وهذا حال إذا نظرنا إليه من زاوية موسعة، يفتح على أن الدولة التجارية العربية الإسلامية هي حالة غزو موسع جوهرها الغزو وإطارها النظري نشر الدين. وإذا ما قرأنا هذا على ضوء أهمية القائد أو الحاكم، نجد بأن الحاكم قد تمكن من إخضاع الرعية باسم الدين وهو إخضاع انتهى بعد العصر العباسي إلى سيطرة السلطان المطلقة إلى الحد الذي سمح بإغلاق  باب الاجتهاد.

لا شك بأن الشرط التاريخي والسياسي الذي اقتضى ذلك الخضوع هو الاعتماد على الريع وليس على الإنتاج. لأن الانتاج حتى في ظروف الاستغلال الطبقي يخلق ثقافة الند ومن هنا الدور التاريخي للطبقة العاملة حينما تتمتع بوعي سياسي طبقي لمواجهة الطبقة الرأسمالية. لذا كانت من مصلحة السلطان توصيف نفسه كظل الله في الأرض نظراً لحاجته للخضوع المطلق من الرعية، وهو الأمر الذي حتم عليه فرز مؤسسة دينية تجيز له ذلك التسلط باعتباره منحة من الله اصطفاها على الناس.

 والسؤال هنا، لو لم يرتبط الفقيه بالسلطان، هل كان بوسعه إقفال باب الاجتهاد؟ وباب الاجتهاد ليس في الثقافة والدين بل كذاك الاجتهاد في السياسة والحريات…الخ.

هذا التحالف بين السلطان والفقيه هو الذي وجده الاستعمار الغربي أمامه في الجزيرة العربية خاصة.

وهذا يفتح على منحيَيْ التطور في الوطن العربي الحديث:

  • منحى التطور في الأقطار غير الصحراوية حيث المساحات القابلة للزراعة والتي وفرت فرص العيش وفائضا للاستثمار في الإنتاج التصنيعي (مصر وسوريا والعراق). لذا لا غرابة ان التيارات القومية تواجدت في هذه البلدان وتصدي هذه القطريات لمحاولات الوحدة ومقارعة الاستعمار وتحرير فلسطين، على الرغم من عدم التمكن من تحقيق هذه الأهداف واسباب ذلك.
  • ومنحى التطور في البلدان الصحراوية التي خلق حكامها وعينهم الاستعمار فبدأت تابعة ولم تزل، وها هي تشهد انحصارا أقل من قطري، ومعادية للقومية العربية والوحدة. وشهدت بالطبع حركات  الدين السياسي كالوهابية والسنوسية.

على أن التحول الهائل والصادم في الوطن العربي كان نتيجة لحلول الريع النفطي محل الكللأ من جهة وقيام علاقة بين الحالة البدوية وبين الراسمالية الاحتكارية المعولمة من جهة ثانية. هذا التحول الذي خلق  تحالفاً بين القيادات البدوية السياسية والنخب الدينية من جهة وبين القيادات السياسية وبين المركز السلطوي الإمبريالي من جهة ثانية. وهنا يمكننا الجزم بأن علاقة السلاطين والمشايخ والملوك في قطريات النفط هي أوضح الأمثلة على إصرار الراسمالية الغربية على عدم خلق نظيرها أي خلقه على شاكلتها مما يضرب استنتاج، وليس نظرية، ماركس في هذا المستوى.

يمكننا القول بأن الفترة ما بين خمسينات وسبعينات القرن العشرين كانت فترة تقدم المنحى الأول للتطور العربي والذي وقف المنحى الثاني معادٍ له سواء بالتآمر او الاستنكاف عن مشروع التحرر والتنمية والتحرير والوحدة العربية.

ولكن هزيمة 1967  شكلت نقطة تحول لصالح المنحى الثاني.

من اللافت أن هزيمة 1967 قد أُلقي اللوم كاملا فيها على بلدان المنحى الأول التي حاولت تحرير فلسطين وإنجاز التنمية وفشلت. ولكن هذا اللوم لم يوجه قط إلى بلدان المنحى الثاني وكأنها خالية الطرف أو  ليست معنية أو ليست عربية أو حتى ليست في الإقليم. ولا شك ان غض الطرف عن بلدان المنحى الثاني كان خبيثاً وخطيراُ إلى حد شيطنة كاملة للأنظمة قومية الاتجاه ونقيضة الاستعمار.

يمكننا القول بأن العقود التي تلت هزيمة 1967 كانت عقود الانتقام المزدوج ليس فقط ضد الأنظمة قومية وتنموية الاتجاه، بل حتى ضد المسالة العروبية نفسها. انتقام موجه ومن عدو ثلاثي هو الإمبريالية والصهيونية وكذلك انظمة الريع النفطي، وبالإجمال الثورة المضادة.

لقد كانت هزيمة 1967 ومن ثم الطفرتين النفطيتين 1973 و 1982، مناخات هائلة للثورة المضادة كي تحطم المسألة القومية العربية إلى زمن طويل قادم وتُخرج الشارع العربي من البعد القومي لحصره في “الأمة/الدولة” القطرية، وها هو اليوم يتورط في دولة الطائفة والمذهب.

وارتباطاً بموضوعنا، فإن هزيمة 1967 حملت معها هزيمة بواكير العلمانية العربية مجسدة في هزيمة حركة التحرر الوطني العربية بشقيها القومي والشيوعي. والحقيقة ان هذه الهزيمة ما كانت لتكون خطيرة لو أنها لم تصبح نهجاً لدى كثيرين ولم تتعمق لتصبح استدخالاً للهزيمة.  لقد انسحبت الكثير من القوى والمثقفين والمناضلين من ساح الصراع الاجتماعي والقومي، بل وارتد الكثير منهم ليقف ضد ماضيه بل ليتحول إلى جزء من تيار مثقفي الطابور السادس الثقافي المضاد للعروبة والاشتراكية والتحرر، متجها إلى التخارج الثقافي ومديح اللبرالية والنيولبرالية والسوق وما بعد الحداثة.

إن الخراب الأشد إذن هو خلو الساحة العربية من هذه القوى والذي احدث فراغا هائللا في أوساط الجيل الشاب في الوطن العربي. ولكنه الفراغ الذي جرت تعبئته إو إشغاله باتجاهين:

  • تصدر ما تسمى الصحوة الإسلامية للساح الثقافي في الوطن العربي وهي “الصحوة التي تعتبر النتاج الطبيعي أو الإفراز الطبيعي ل لفيف من الأزمات في الوطن العربي بل الهزائم:

o      هزيمة المشروع القومي العربي الوحدوي

o      هزيمة الجهود التنموية

o      هزيمة تحرير فلسطين

o      هزيمة القوى القومية واليسارية

قدمت هذه الصحوة بل الاستدعاء  قاعدة لقوى الدين السياسي في الوطن العربي حتى وصل بها الأمر لطرح وجود أمة إسلامية بالمعنى العضوي وليس بالمعنى الثقافي والحضاري ووجوب تشكيل خلاقة إسلامية وبالطبع كل هذا في هجوم هائل ضد الأمة العربية وحدها من بين مختلف الأمم التي تدين بالإسلام[7].

ولم يقتصر دور أنظمة الدين السياسي في الخليج على الترويج لثقافة الدين السياسي بتياريها:

  • الوهابية
  • والإخوانية

بل قامت هذه الدول بتمويل هذا النشاط بسخاء منقطع النظير.

بهذا المعنى، نحن أمام:

  • مد ثقافي للدين السياسي لا يجد من يواجهه بل هناك من يمالئه ويموله ويرعاه وحتى يجتده ويدربه ويسلحه ويُنيط به مشروع تشغيل في القتل على أسس دينية وطائفية ومذهبية وداخل المذهب الواحد، اي قتلا لا ينتهي.
  • وضخ هائل من الأموال للإنفاق على فرق لا تُعد ولا تُحصى من رجال الدعوة والتنظيمات السياسية ومدارس تحفيظ القرآن، وطباعة الكتب والمواعظ…الخ

وكانت نتيجة ذلك تشكيل جيوش هائلة العدد ممن يعتقدون بأن كل علوم الأرض والتاريخ هي في ثقافة الدين السياسي وبأن كل واحد منهم وكيل حصري من الله على الإسلام، وبأن دوره هو إعادة “المجتمع العربي” الكافر إلى إسلامه هو الذي يراه الإسلام الصحيح وتطبيق ذلك بالقوة المجردة.

هذا النمط من الثقافة والتفكير لا بد أن يرى عدوه في الحواضر العربية الثلاثة مصر وسوريا والعراق وحتى الجزائر، بينما يرى الإسلام في المشيخات النفطية أو يمالئها ضمن تعاقد لا مكتوب بأن: ابتعدوا عن الجزيرة العربية وخذوا وافعلوا ما ترون. ولعل هذا ما خلق ذلك الزواج الكاثوليكي بين الولايات المتحدة وبين السعودية خاصة في توليد ابنتهما الإرهابية المعولمة القاعدة.