«زمان القائلُ فيه بالحق قليلُ .. واللاّزِمُ للحق ذليلُ»

ثريا عاصي


لحــسن الحـظ أنه خـرج في أوروبا وأميــركا أشخـاص محسوبون إعتــباطا أو إفتراضا، على أتباع الديانة اليهودية ليعلنوا أن المستعمرين الإسرائيليين «إخترعوا» يهودية صهيونية تلائم مشروعهم الإستيطاني والتوسعي في فلسطين وفي محيطها السوري. وأن هذه اليهـودية الصـهيونية تخـالف الديانة اليهودية الأصلية، بل هي على قياس المشروع الإستعماري . إن الإنتماء إلى اليهودية بشــكل أو بآخر، يمنح المنتمي إليها نوعا من المناعة إلى حد ما، ضد التهمة الجاهزة في بلاد الغرب بالعداء للسامية، بالهتلرية والنازية ضد الذين ينتقدون سياسة التمييز العنصري التي يمارسها المستعمرون الإسرائيليون ضد الشــعب الفلسطـيني . قلما يجرؤ كاتب أو ناشط سياسي لا يحظى على تغطية «يهوديــة» على التعبير عن تضـــامنه مع الشعب الفلسطــيني من دون أن يوصم بتهمة كراهية الــيهود . تكاد أن تكون إدانة الإستـعمار الإسرائيلي محظورة!
هذه توطئة، لأقول ان الكثيرين من مؤيـّدي حزب الله ومناصريه لا ينظرون إلى هذا الأخير بما هو حزب شيعي وإنما كحزب قاوم المستعمرين الإسرائيليين عندما كانوا يحتلون أجزاء من لبنان وتصدى لهم في كل مرة عـاودوا العدوان . ما يبعث على الإستمرار في تأييده ونصرته أيضا، هو الإعتماد عليه فضلا عن الأمل المعقود على مناضليه في تعطيل آلة حرب العدو الإسرائيلي وفي منع اعوان الأخير في لبنان وسوريا والعراق من توريط الناس في الإستسلام والإنحناء أمام المستعمرين وفي مذلة الإرتزاق من العمل في خدمتهم.
أما في ما يتعلق بعلاقة حزب الله بالشيعة، فمن نافل القول أن هذا الحزب ولد في بيئة شيعية . هذا لا يعني أن الشيعة جميعا يتبنون حزب الله. ينبني عليه أن الذين يزعمون أن هذه البيئة هي عليلة العصبية المذهبية إنما يظهرون سطحية فاجعة في إدراك وفهم التحولات التي طرأت على المجتمع نتيجة للمؤثرات التي إعتملت فيه في العقود الأخيرة وتحديدا تعاظم نفوذ أمراء النفط بموازاة تنامي مداخليهم المالية .
ولحسن الحظ أيضا، أن هناك مثقفين من أصول شـيعية مفترضة وفعلية، إمتهنوا انتـقاد حزب الله. أكـاد اقول إمتهنوا تشويه صورته. بعضهم يدعي الحرص على الشيعة وبعـضهم يزعم الحفاظ على الوطن. هؤلاء المثقــفون هـم رأس حربة الإعلام والدعاية ضد حزب الـله. من البديـهي أن الإعتراض على نهـج الأخـير لا يعد خطيئة. ولكـن ما يثير الريبة هو أن المعترضين يـُغفلون الدور الذي إضطلع به حزب الله في تحرير البلاد من الإحتلال الإسرائيلي، هذا من ناحية، أما ناحية ثانية فإنهم يتناسون جرائم الذين مهدوا للاحتلال قبل وقوعه، ثم شرعوا البلاد أمام القوات الغازية ثم وقعوا على إتفاقية 17 أيار 1983 مع الغزاة!
من عجـائب بلاد الأرز أيـضا، أن الحركات والتـكتلات المذهبية الأخرى، القوات اللبنانية، المسـتقبل، تأخذ جميـعها على حـزب الـله تمـذهبه الشيعي . وحده هذا الأخير لا يعيب على خصـومه تمذهبـهم وعلاقاتـهم المشبـوهة مع الولايات المتـحدة الاميركية وأمراء النفطـ الخليجيين. فيكاد خطابه يقتصر على تمجــيد الشهـداء وعلى حـث رفاقـهم على مواصلة كفاح المستعـمرين الإسرائيـليين وأصـدقائهــم في الغرب وفـي بلاد العرب وعلى تشجيع جمهوره على أن يحـذو حـذو الحـسين إبن علي.

«ومنـهم تاركٌ لإنكار المنكر بلسانه وقلبه ويده فذلك ميّتُ الأحياءِ» (الإمام علي بن أبي طالب).