الديمقراطية الأميركية للبيع بعد الانتخابات النصفية الأغلى في التاريخ

واشنطن-سعيد عريقات-5/11/2014

الانتخابات النصفية الأميركية لعام 2014 انتهت. انعقدت يوم 4 تشرين الثاني من العام الجاري، الثلاثاء الأول بعد الاثنين ألأول من شهر نوفمبر من العام الانتخابي كما ينص عليه الدستور الأميركي الذي أكل الدهر عليه وشرب، انتهت بضربة مدمرة لحزب الرئيس الديمقراطي الحاكم الذي خسر أغلبيته في مجلس الشيوخ لصالح الحزب الجمهوري (45 ديمقراطي وثلاث مستقلين يصوتون إلى جانب الديمقراطيين، مقابل 52 عضو من أصل 100 عضو الذي يشكلون الشيوخ).

في مجلس النواب، 243 للجمهوريين مقابل 192 من الديمقراطيين. في الولايات، خمسون ولاية استأثر الجمهوريون ب31 موقع حاكم.

وهكذا أفاق أول رئيس أميركي من أصول أفريقية (اوباما) الأربعاء 4 تشرين الأول، وأفاق الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه، كما أفاق الذين يترنحون على شفا الحد بين الفقر والطبقة المتوسطة والفقراء والأقليات والمسحوقين، أفاقوا على طنين فوز الجمهوريين الرنان الذين هرولوا للانتصار بأموال الأثرياء من المحيط إلى المحيط دون خجل أو رصانة: 4 مليارات من الدولارات أنفقت في هذه الانتخابات النصفية- بروفا الانتخابات الرئاسية لعام 2016- معظمها آت من ذوي الثراء الفاحش من أمثال “الأخوة كووك-ديفيد و تشارلز كووك” الذين يمتلكون مائة مليار دولار والذين بعد أن قررت المحكمة الأميركية العليا في عام 2009 “أن الشركات كالأفراد وأن لا سقف على كمية التبرعات، ودون كشف أو محاسبة” باتوا يشترون ويبيعون السياسيين الأميركيين في سوق النخاسة السياسي: يسوقون لأجندة محافظة، لا تأبه بالفقير والمسكين والمحتاج والطالب والمهاجر فهم من جزء من الواحد بالمائة ((1% الذي بات يسيطر على مصير البلاد؛ أجندة تريد تجريم الإجهاض، وعدم رفع راتب الحد الأدنى وينكر على الفقراء حقهم في التعليم أو الرعاية الصحية، ويطلق العنان لملوثي البيئة وصناعة السلاح ومشتقات النفط، وتصحر الغابات وإدخال الدين بالدولة من جديد كما كانت عليه أوضاع القرن السابع عشر.

من يشتري الديمقراطية الأميركية؟ كما ذكرنا الأخوة كووك وشيلدون آدلسون الليكودي الشرس الذي يمول المستوطنين في الضفة الغربية من أمثال الحاخام حاييم غليك ويحميهم قانونياً بأمواله الطائلة، و”وول ستريت”، البورصة، بشركاتها الاستثمارية التي تجبي الأرباح الجنونية دون رقابة؛ دون إنتاجات صناعية ملموسة  وكثير ما تفلت من ضرائبها عبر شبكة شائكة من “الملاجئ الضريبية” مثل التبرع لإسرائيل ولكافة القضايا اليمينية الفاشية الذين يحتفظون بأكثر تركيز للثروة في التاريخ البشري تعود جذورها إلى الرئيس الأميركي الأربعين (40) رونالد ريجان ونظرية “التنقيط إلى أسفل” في الاقتصاد، كلما زاد غنى الأثرياء، كلما تساقطت بعض من أموالهم للعامة؛ تعود إلى قرار المحكمة العليا (وهم 9 قضاة ) ينقسمون إلى 5 محافظين و4 وسطي ليبرالي، نصبوا الرئيس الأميركي الثالث والأربعين (43) جورج دبليو بوش عنوة عام 2000 كونه يمثل الأغنياء والمجمع الصناعي العسكري.

هذا لا يعني أن الديمقراطيين، أو الرئيس الأميركي بارك أوباما نفسه لا يتحملون مسؤولية فشلهم المربك، فإنهم مذنبون . هذا الرئيس الذي واجه العراقيل عقبة تلو الأخرى، لا لسبب إلا لكونه من أصول أفريقية وكونه يحمل أفكاراً ليبرالية تكره الحرب ولا تتعاطف مع “المركب الصناعي العسكري” وحاولوا (الجمهوريون وأحياناً بمؤازرة الديمقراطيين) قطع الطريق لتجميد مشاريعه.

عندما جاء هذا الرئيس (أوباما) إلى البيت الأبيض يوم 20 كانون الثاني 2009 كانت نسبة البطالة تلامس 9% وكانت البلاد على وشك الانهيار الاقتصادي وكانت الولايات المتحدة غارقة في وحل حروب لا نهائية في العراق وأفغانستان والحرب ضد الإرهاب التي اختلقها الجمهوريون -والتي لا تزال تثقل أميركا-وكان أكثر من 45 مليون أميركي يواجهون خطر المرض دون ضمان صحي وعشرات الملايين من الكبار في السن يواجهون احتمال فقدان ضمانهم الاجتماعي؛ واليوم تمكن من أن يخفض نسبة البطالة إلى 5.5% وتمكن من إضافة وظائف لفترة 63 شهراً متتالية، ومكن عبر مبادرته للضمان الصحي “أوباماكير” يضع عشرات الملايين من الأميركيين تحت مظلة وحماية الضمان الصحي. ولكن كل ذلك لم يقنع الديمقراطيين بأن رجلهم في البيت الأبيض كفؤ بالتأييد أو الاقتراب منه فابتعدوا عنه ابتعاد البشر عن الوباء ولم يستدعوه إلى حملاتهم الانتخابية خشية التلوث وكأنه غير موجود.

وهو أيضاً لم يستطع أن يبلغ روايته “الناجحة” بالمعايير الأميركية وكأنه يترنح على أبواب “الاعتذار ” بسبب هذا النجاح.

الأثرياء الذي يؤيدون الحزب الجمهوري جعلوا هذه الانتخابات استفتاء على أوباما، والديمقراطيون (وهم في الكونجرس من الأثرياء أيضاً) حاولوا التنصل منه مما أدى لحدوث “العاصفة المثالية” وفق الوصف الأميركي.

في السياسة الخارجية، أنصار الحروب وإسرائيل وبنيامين نتنياهو والليكود انتصروا الثلاثاء 4 تشرين الثاني؛ فهم لا يريدون التوصل إلى صفقة بالنسبة للملف النووي الإيراني ولا يريدون أن تنسحب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967 ويعتبرون الضفة الغربية المحتلة “يهودا والسامرة التي أعطاها الله لبني إسرائيل” ويضعون “حماس وداعش وإيران وحزب الله، وكل الفلسطينيين” في سلة واحدة.

يلام الديمقراطيون لأنهم لم يتمكنوا من حشد القاعدة الديمقراطية من العمال والفقراء الذي فضلوا البقاء في بيوتهم على المشاركة وتجنبوا عناء الإدلاء بأصواتهم؛ 35% فقط من الناخبين المسجلين في أميركا شاركوا (أدلوا بأصواتهم) في الانتخابات النصفية. لو حدث هذا في أي من الدول الديمقراطية الغربية لكان بمثابة الفضيحة. الذين يضطرون للعمل في وظائف لا توفر لهم العيش الكريم، لا يستطيعون عدم الذهاب إلى أعمالهم، والذهاب إلى صناديق الاقتراع رغم “التظاهر” بحق التصويت المبكر كونهم يواجهون نفس المشكلة في أي من أيام الأسبوع السبع.

وأخيرا العامل العنصري: في الولاية التي يقطن بها محبر هذه السطور، ولاية ميريلاند المحاذية للعاصمة الأميركية واشنطن، وهي الولاية الديمقراطية تقليدياً، فاز بها كحاكم رجل أعمال جمهوري ثري مدعوم من “الأخوة كووك” أسمه لاري هوجان في مواجهة الديمقراطي آنثوني براون الذي كان نائباً لحاكم الولاية ومحام فذ من جامعة هارفارد وكان جندياً في حروب أميركا في العراق وأفغانستان نال الميداليات من وراء قيادته العسكرية خسر السباق بنسبة ضئيلة، على الأرجح لكونه مثله مثل الرئيس أوباماء ينحدر من أصول أفريقية سوداء.

وسنرى ماذا سيحدث في انتخابات عام 2016 الرئاسية.

:::::

“القدس”، رام الله المحتلة