نـَزَقُ الخـَلفِ ودروس العملاء

ثريا عاصي 

لو كان جميع سكان سوريا سوريين حقاً لما توكل أمراء النفط الخليجيين و«السلطان» أردوغان المصاب بداء العظمة، بقيادة ثورة «عظيمة» في الشام، لصالح الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في أوروبا. المعروف أن تعبير» الثورة العظيمة « هو لازمة في صلب خطاب إعلامي ودعائي صاخب إضطلع بتسويقه عبر القنوات والصحف الخليجية فريق من الكتاب واليساريين السوريين واللبنانيين القدامى، الذين صاروا يأكلون في جميع المعالف التي يصلون إليها.
لو كان لبنان وطنا وسكانه مواطنين متساويين في الحقوق والواجبات لتبدلت سردية الحروب والمنازعات التي شهدتها هذه البلاد خلال العقود الأربعة الماضية. المفارقة في هذا السياق أن الذين يتقاسمون السلطة إنما هم مدينون لتلك الحروب سواء في البقاء حيث كانوا قبل اندلاعها أو في التواجد مواقع النفوذ التي يحتلونها. بكلام آخر لم تسفر المبارزات في لبنان، بالسلاح وبالكلام عن إنتصار فريق على آخر. إن أرباب الحل والربط الحاليين هم شِبْهُ أسلافهم إلى حد كبير. فلا يتميز الخلف من السلف إلاّ بالوقاحة وسوء التربية.
أربع سنوات مضت وآلة الدعاية تدور دون توقف. يقولون ثورة وديمقراطية. هلّ ربيع العرب. ولكن النظام جعل من العيد فاجعة. ما حمل الثوار المسالمين إلى البحث ليس عن السلاح فقط وإنما عن الحلفاء أيضا، من خارج البلاد. لبت نداء «الثورة» الإدارة الأميركية والحكومة الفرنسية الإشتراكية وحذت حذوها حكومة المحافظين البريطانية. ثم ما لبث أن اندفع أتباعهم في مجلس التعاون الخليجي وفي تركيا والعراق ولبنان. هل بعد هذا شك في أن مسألة الثورة والديمقراطية وكفاح الفساد هي نوع من الخداع ؟ الإجابة أن الكتّاب واليساريين القدامى بالإضافة إلى الصحف التي أجّرت صفحات الرأي فيها لأمراء النفط الخليجيين ما يزالون يعدون الناس بـأن الربيع آت، رغم أن الموت أثكل الأخيرين والدمار شردهم وجوعهم، إلى حد أن وجودهم صار في خطر، بما هم شعب في وطن وفي ظل دولة تسير أمورهم. ينكر هؤلاء الكتاب واليساريون، في وسائل الإعلام المأجورة أن أموال النفط هي السم الذي قتل أو شوّه الحركات الوطنية في بلاد العرب.
كثر الكلام عن الثورة وتخصص الذين يزعمون أنها سيرورة إنطلقت بإرادة شعبية وطنية، بكيل الشتائم وبترويج الأكاذيب. ولكن لم يصدر كتيب واحد يتضمن تصور الثورة للدولة المأمولة. لم تكشف هذه الثورة لتاريخه، عن سر علاقتها في سوريا على سبيل المثال، بالحكومة التركية التي تسلك نهجا ينذر برغبة في استعادة أمجاد السلطنة العثمانية الغابرة. من التساؤلات التي تثيرها أوهام الثورة أيضا، ما يتعلق بالدور المدهش إلى حد الذهول الذي تؤديه بعض دول مجلس التعاون الخليجي في إيقاد النار المسماة ثورة، التي تلتهم هشيم بلاد العرب. يحق لنا أن ننتظر المبررات التي تجيز التحالف ضد نظم الحكم المحلية مع الولايات المتحدة الأميركية. إذ لا فرق بالمفهوم الوطني التقدمي بين هذه الأخيرة وبين المستعمرين الإسرائيليين. في الختام لو كان لبنان وطنا وسكانه مواطنين لما خرج الذين كانوا أعوانا للغزاة الإسرائيليين والذين انصاعوا لإرادة المحتلين، ليلقنوا المقاومين دروسا في الوطنية وفي ضرورة قطع الأواصر بيننا وبين السوريين.

:::::

“الديار”