تونس في عين الإعصار

ثريا عاصي

كتبت في مقال سابق أن تونس رأس جسر العروبة في شمال أفريقيا، كان لها دور مميز في حرب التحرير الجزائرية. الصفحة الناصعة الوحيدة في تاريخ العرب المعاصر. تونس الدولة في خطر. لا أظن أن مجيء الناشط الفرنسي، النجم الدعائي، برنار هنري ليفي إلى تونس مساء يوم الجمعة في 31 تشرين أول، يبعث على الإطمئنان. أو أن رد فعل التونسيين الذين أجبروا حكومة بلادهم على إبلاغ هذا الشخص التافه بأنه غير مرغوب به، كاف.
من المعروف للقاصي والداني، ان السيد ليفي هو عنصر فاعل في إطار اللوبي المدافع عن مصالح المستعمرين الإسرائيليين في فرنسا، سواء في الأوساط الرسمية وفي الأوساط الشعبية . هذا لم يمنعه من استغلال الحرب على ليبيا من أجل الظهور إلى جانب زعماء التمرد، ومن الإدلاء بتصريحات أوحى من خلالها أنه ينقل رسائل من قادة المستعمرين الإسرائيليين إلى المجلس الوطني الليبي . أغلب الظن أن قرب هذا الرجل من دوائر القرار في فرنسا وغير فرنسا، سمح له بأن يعلم مسبقا، بما سيجري في ليبيا. هكذا استطاع أن يؤدي إستعراضا دعائيا، بدا فيه وكأنه هو الذي أمر حلف الأطلسي بالتدخل في ليبيا!
تجدر الملاحظة بالمناسبة ان هنري ليفي كذاب كبير فضلا عن أنه صاحب شهرة بالتزوير في الوسط الثقافي الفرنسي. سئل السيد برنار ليفي عن أسباب ذهابه إلى تونس في هذا الوقت بالذات. أي بعد الإنتخابات التشريعية في تونس وقبل الإنتخابات الرئاسية . فأجاب أنه كان على موعد مع أصدقاء له مسؤوليين حاليين في ليبيا، لمواصلة النقاش بينه وبينهم في موضوع الوفاق الوطني الليبي. وانه إختار تونس، كون التونسيين يتخذون موقفا محايدا في المسألة الليبية. على حد قول السيد ليفي، «معلم التزوير» كما يسميه أحد المثقفين الفرنسيين .
من البديهي أن برنار هنري ليفي حاول كعادته إستغلال فرصة ملائمة لجذب دائرة الضوء. دون أن يعني ذلك أنه قام بمغامرة مليئة بالمخاطر. ليس مستبعدا ان الغاية من دخوله إلى تونس هي إثارة البلبلة بين التونسيين . فهم بالتأكيد سيتساءلون عن الجهة التي وجهت له الدعوة. ليس بالضرورة أن هذه الأخيرة موجودة . لذا تراه سارع إلى تبرئة حركة النهضة من التهمة؟ ينبني عليه أن الدعوة جاءت من خارج حركة النهضة. اللبيب من الإشارة يفهم!
ومثلما ادعى أنه كان صاحب الفضل في إنجاح الثورة في ليبيا، فإنه يكرر المهزلة بقوله أنه تواعد في تونس مع مسؤولين ليبيين على اجتماع . يحق لنا ألا نصدّق برواية برنار هنري ليفي . لا شك في ان هذا الأخير، يعمل لنفسه في المقام الأول، ويعمل على تلميع صورة الإسرائيليين ثانيا . مستفيدا في سعيه من نوع من الغموض يحيط به شخصه . فهو فيلسوف دون فلسفة، صديق لرئيس الجمهورية الفرنسية السابق اليميني، وصديق للرئيس الحالي الإشتراكي. وصديق لقادة المستعمرين الإٍسرائيليين جميعا دون استثناء. إن هذا كله يفتح له مجالا واسعا للمناورة، في بلاد سبقه إليها عملاء الولايات المتحدة الأميركية من أجل إشعال ثورات الفوضى فيها . كيف ندهش من تغلغل عملاء المخابرات الأجنبية، ومن انضمام خبراء حرب التدمير والتخريب في بلادنا، بما أن الإستحصال على أوراق ثبوتية مـُصدّق عليها من سلطات شرعية ممكن وسهل ٌ. إن مصير جميع الذين لا يتصدون لمقاومة المعتدين عليهم هو الهزيمة والذل.

::::

“الديار”