كتاب حوار روسيا الحديثة مع عالم متعدد الأقطاب

عماد الدين رائف

 

يرى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن الحوار بين الحضارات، اليوم، يقوم على «رؤية تركيبية، منطقية تهدف لمقاربة واسعة المجالات لمجمل القضايا الراهنة». فمسار تطوير العولمة وتصاعد التوجهات الجديدة، أدى إلى تغيير ملحوظ في المشهد الجيوسياسي، ما أستدعى النظر في استحداث رؤية جديدة للعديد من القضايا المفصلية في عالمنا. أما جوهر المرحلة الانتقالية، فيتمثل في « تشكل منظومات سياسية متعددة الأقطاب، حيث نشهد فيها تنامي عامل الهوية الحضارية».
كلام لافروف يخصّ به الباحثين الروسي يوري يكوفيتس واللبناني سهيل فرح، كمقدمة لكتابهما الجامعي المشترك «الحوار والشراكة بين الحضارات»، الصادر مؤخراً في موسكو، كبحث أكاديمي.
تكمن أهمية الكتاب في إدراجه ضمن المقررات الجامعية في كليات العلوم الإنسانية في روسيا الاتحادية، كركيزة لبناء مستقبلي مؤثر في جيل من الأكاديميين الروس. في المقدمة يطرح لافروف رؤية روسيا الاتحادية للعمل الحضاري المستقبلي، معتبراً أن المرحلة تقتضي الحذر «آخذين بعين الاعتبار التنوع الثقافي والحضاري لعالمنا المعاصر، وأن أي محاولة لإملاء قيم معينة من الخارج، أو إقحام وصفات معلبة لتغيير المسارات تفضي إلى أسوأ النتائج على مستوى الأمن المحلي وعلى العلاقات الدولية ككل». فمن الأهمية بمكان «احترام هوية وتراث الشعوب الأخرى، وحقها في اختيار طرقها الخاصة المحددة لمستقبلها». ويتطرق إلى أن لروسيا «تجربة غنية في التعايش بين قوميات ومذاهب مختلفة، وأن ديبلوماسيتنا الوطنية تسعى دائبة إلى دفع عجلة الحوار إلى الأمام بين الأديان والثقافات المتنوعة، وإلى توطيد مناخ الشراكة التامة على المستوى الدولي».
من جهته ككاتب، يطرح سهيل فرح، الحائز على جائزة بوشكين العام الماضي، وعميد الجامعة الروسية المفتوحة للحوار بين الحضارات، رؤيته العامة للبحث، قبيل إدخاله في المنهاج الأكاديمي في عدد من الجامعات الروسية. يقول فرح: «السمة المميزة الرئيسة للقرن الحالي، هي التحول من المواجهة والصراع بين الدول والحضارات إلى الحوار والشراكة كأساس للتغلب على مجموعة من الأزمات العالمية، كجزء من تشكيل المجتمعات».
يحاول الكتاب «فهم حقائق العالم الحديث، عبر الكشف عن الانتظام في ديناميات الحضارات وتفاعلها، على منعطفات مختلفة في دوامة التاريخ، والبحث في مجموعة من الأزمات العالمية، بين أواخر القرن الماضي وأوائل الحالي، والتي لا يمكن التغلب عليها إلا عبر تضافر جهود الإنسانية المبنية على الحوار والشراكة بين القوى الكبرى».
وقد وضع الكتاب، إلى جانب بحوث أكاديمية أخرى في صلب المناهج الجامعية في روسيا، متوجهاً «إلى قادة الجيل الجديد، الذين تقع على عاتقهم أعباء ومسؤوليات اعتماد وتنفيذ القرارات الإستراتيجية لاستجابة كافية في مواجهة تحديات القرن الحالي». ويركز في مئتي صفحة بالروسية، تقابلها مثلها عدداً بالإنكليزية، على اتجاهات محددة، وآليات إستراتيجية في الشراكة بين الحضارات، مقدماً نماذج في بيئية الطاقة، ومجالات الإنتاج والاستهلاك، والديناميات السكانية، وتشكيل أطر التطور التكنولوجي في مرحلة ما بعد الصناعة، ووحدة النظام الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وصولاً إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب يقوم على الحوار والشراكة.
ولعل أهم ما يستوقف الباحثين، بعد استعراض النظريات المتعددة وتطبيقاتها الأحادية الجانب من جهة، وإمكانيات الحوار والتفاعل بعد التصادم من جهة أخرى، هو الفصل الحادي عشر والأخير من الكتاب الذي يتعلق بالإستراتيجيات الإقليمية للتنمية المستدامة، وفق الرؤية الروسية، التي تنطلق من تجربة جغرافية إثنية على مساحة شاسعة من الأرض تتلاقى فيها الشعوب المختلفة التقاليد واللغات والتوجهات، ومن روسيا الاتحادية يمكن استقاء عدد من الخلاصات والمخرجات التي يمكن أن تؤسس لفهم مختلف في مسارات الحوار والشراكة في عالمنا العربي، المتعدد والمتنوع إثنياً ودينيا ومذهبياً. إلا أن الكتاب، وبرغم ترجمته إلى الإنكليزية كجزء من استهداف الناطقين بها في محاولة شرح فهم روسيا الاتحادية للحوار بين الحضارات، يظهر أنه يؤدي تلك المهمة بشكل نسبي، برغم غناه بالنماذج والأمثلة، ما يحفز الذهن على استثارة الأسئلة والبحث في المشكلات المطروحة أكثر من البحث في حلول تصلح لأزماتنا الإقليمية.

:::::

“السفير”