المذهبية آفة الوطن والمقاومة

ثريا عاصي

ليس مرد إشكالات أزمة لبنان كوطن ودولة، إلى ظهور حزب الله كحراك شعبي مذهبي إسلامي شيعي. نهض ضد إحتلال المستعمرين الإسرائيليين لجنوب لبنان. الذين جاؤوا يملون شروطا تلائم تحقيق مشروعهم «بإنشاء مملكة تصل إلى حدود الفرات وتجمع ما بين «أور» في أرض الكلدان وأورشليم» (ميشال شيحا). إن مرد هذه الإشكالات عائد في الحقيقة إلى وجود ميليشيات مذهبية، إسلامية ومسيحية في آن، سبق الغزو الإسرائيلي في سنة 1982 وولادة حزب الله كنتيجة لظروف تضافرت في توفيرها عوامل محلية لبنانية وعربية وإقليمية. إذ من البديهي أن عملية عسكرية بحجم الحرب على لبنان سنة 1982، واجتياحه وإحتلال العاصمة بيروت، كانت أكثر من رد فعل على محاولة إغتيال موظف إسرائيلي في لندن، فاشلة.. من المحتمل جدا أنها لم تجر ِ أبدا.
ما أود قوله هنا أن إحتلال بيروت سنة 1982، ما كان ليقع قبل حرب تشرين 1973، وقبل أن يتحقق إخراج مصر من معادلة الصراع العربي ـ الإسرائيلي الذي تجسد بإتفاقية كمب دافيد. نجم عن ذلك وضع ملائم لإسقاط سوريا. لا سيما أن التحضيرات لدخول الغزاة إلى لبنان كانت قد وصلت إلى مرحلة متقدمة. بالإضافة إلى انشغال العراقيين آنذاك بقتال الإيرانيين، نيابة عن الولايات المتحدة الأميركية وبدعم من مشيخات النفط الخليجية. قادة العرب ذوو حس سياسي!
من البديهي أن السوريين والإيرانيين استشعروا خطورة تواجد المستعمرين الإسرائيليين في لبنان على أمنهم. فقرروا مواجهتهم ومنعهم من الاستقرار. تم ذلك بفضل حزب الله الذي استطاع بمساعدة وبالتعاون مع السوريين والإيرانيين، تنظيم مقاومة في المناطق التي احتلها المستعمرون الإسرائيليون، حتى إضطر الأخيرون إلى الإنسحاب دون تحقيق أهدافهم، إذا استثنينا المجازر التي يرتكبونها عادة، إرهابا في كل عدوان وعملية عسكرية يقومون بها.
هذه هي القصة الحقيقة لنشوء حزب الله. قبل أن يـُلبسها الأميركيون وأمراء الخليج زياً مذهبيا. فأوهموا الناس تارة، بأن الخطر الشيعي يتهددهم (الهلال الشيعي!!) وتارة أخرى بأن الفرس عائدون. حيّ على الجهاد! كسرى أنوشيروان مقابل السلطان أردوغان خليفة السلطان عثمان !
يحسن التذكير في هذا السياق أن الميليشيات المذهبية تشكلت من أجل إضعاف الحركة الوطنية اللبنانية وفصائل المقاومة الفلسطينية. فمهدت منازعاتها، عن وعي لدى بعضها وعن غير وعي لدى البعض الآخر، للغزو الإسرائيلي. ساعدها في ذلك سيل الأموال الذي تدفق «من علي» على جميع الفصائل، بقصد تشجيع الإنحراف والإستهتار واللهو. ليست المذهبية في لبنان إذن صناعة حزب الله. فلقد استخدمت قبل أن يوجد حزب الله، ضد المقاومة الفلسطينية إلى أن دخل الغزاة الإسرائيليون ووقعت الواقعة في بيروت، فرحل من رحل وذبح في صبرا وشاتيلا من ذبح !
هل يتم تعليف الميليشيات المذهبية في لبنان من جديد إستعدادا للإنقضاض على المقاومة، أو تمهيدا لغزوة إسرائيلية قادمة؟ هذا هو السؤال المطروح في الراهن ليس على حزب الله فقط وإنما على جميع اللبنانيين أيضا. مهما يكن فليـس من المنتـظر هذه المرة أن تأتي المراكب الفرنسية لتنقل على متنها مقاتلي حزب الله إلى المنفى. الأخيرون لن يختاروا المنفى !

:::::

“الديار”