لماذا تُستهدف الجيوش العربية؟

علي جرادات


الفوضى، سيان ما كانت أسبابها داخلية أو خارجية أو كليهما معاً، وصفة مضمونة لتفتيت دولة المواطنة الحديثة، وتمزيق نسيجها الوطني والمجتمعي، وتدمير جيشها الوطني، لمصلحة إحياء دويلات الطوائف والمذاهب والإثنيات والأعراق والمناطق، بوصفها مفرخة لحروب التطهير العرقي البربرية والوحشية في آن . ابتلاء الدول الحديثة، عموماً، بالفوضى أمر ممكن لأسباب داخلية، لكنه أصبح أمراً محتوماً بالنسبة إلى الدولة الوطنية العربية، ذلك منذ صار نشر “الفوضى الخلاقة” داخلها هدفاً معلناً لدولة عظمى بوزن الولايات المتحدة بإمكاناتها الهائلة متعددة المجالات والنفوذ والتأثير والحلفاء الدوليين والإقليميين، وفي مقدمتهم عدو العرب الأول، “إسرائيل”، التي تعمل في العلن، وفي السر أكثر، على تدمير الدول والجيوش الوطنية العربية لأن من شأن وجودها أن يُحدث حالة من التفوق، أو التوازن على الأقل، في ميزان قوى الصراع العربي – الصهيوني بالمعنى الاستراتيجي والشامل للكلمة .
لقد بدأ مسلسل نشر الفوضى داخل الدولة الوطنية العربية مباشرة بعد احتلال الولايات المتحدة للعراق في العام ،2003 بخطوة حل الجيش العراقي . في حينه حذر كثيرون، بمن فيهم بعض الأمريكيين، من مخاطر وتداعيات تلك الخطوة، لا على العراق الدولة، فحسب، إنما على سائر دول المنطقة، بل ودول العالم كافة، أيضاً . لكن ذاك التحذير ذهب أدراج الرياح، ذلك أن قرار حل الجيش العراقي، (ومثله قرار اجتثاث حزب البعث)، لم يكن بسبب سوء تقدير أو خطأ في الحسابات، إنما بسبب أن “المحافظين الجدد”، حكام الولايات المتحدة آنذاك، أرادوا تطبيق نظرية “الفوضى الخلاقة” لإحكام السيطرة على المنطقة والعالم، وتلبيةً لمطلب قادة “إسرائيل” المعنيين بتدمير الجيش العراقي، وإشعال نيران الفتن وحروب الطوائف والمذاهب والإثنيات والمناطق، لا داخل العراق، فقط، إنما داخل الدول الوطنية العربية كافة، أيضاً .
بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وحل جيشه الوطني، وتفكيك بنى دولته الوطنية، ونشر الفوضى في ربوعه، وتحويله إلى مرتعٍ ثانٍ بعد أفغانستان لانتشار التنظيمات التكفيرية الإرهابية القائمة، ولتعاظم قوتها، بل لنشوء جيل جديد أشد همجية منها، أطلق عدد من الشعوب العربية في نهاية العام 2010 حراكه السلمي بمطالبه المشروعة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، لكن السبيل لتحقيق هذه المطالب لم يكن سهلاً لأسباب عدة، أهمها سببان متداخلان، تمثل الأول في التدخلات الخارجية بأشكالها وجنسياتها بقيادة الولايات المتحدة التي رأت في هذا الحراك فرصة لتعميم تطبيقات نظرية “الفوضى الخلاقة” في العراق على أكثر من دولة عربية، وعلى مصر وسوريا بالذات، أما الثاني فداخلي، حيث تصدرت جماعة “الإخوان المسلمين”، مفرخة أو أصل معظم، إن لم يكن كل، التنظيمات التكفيرية الإرهابية، مشهد هذا الحراك الشعبي، واستحوذت بمناورات مكشوفة متعددة الأوجه على ثمار مرحلته الانتقالية، خاصة في مصر، حيث مالت إلى المغالبة عوض المشاركة، واتكأت على التقاطع والتنسيق، بل التحالف، مع القوى الخارجية بقيادة الولايات المتحدة لتكريس التبعية عوض الاتكاء على تنمية العامل الوطني الداخلي لاستعادة الاستقلال والسيادة الوطنييْن، ما أفضى إلى عزلها كجماعة شعبياً وسياسياً وصولاً إلى إطاحة سلطتها في مصر بعد عام واحد فقط، وإلى وضعها على لائحة التنظيمات الإرهابية في أكثر من دولة عربية .
هنا، وعوض أن تتعظ الجماعة مما جنت على نفسها، أمعنت في سلوكها النابع من خيارها الأيديولوجي، ولم تسلِّم بالنتائج السياسية والشعبية التي ترتبت عليه، حيث شكلت ما يسمى “التحالف الوطني لاستعادة الشرعية”، وواصلت عمليات التظاهر والاعتداء على الممتلكات والمؤسسات العامة والخاصة، لتشكِّل بذلك غطاء سياسياً وإعلامياً واضحاً لا يحتاج إلى إثبات، وسنداً لوجستياً ومالياً وبشرياً محط تقصٍ أمني وتدقيق قضائي، لتنظيمات تكفيرية إرهابية معروفة، أبرزها جماعة “أنصار بيت المقدس”، التي نفذت عدداً من العمليات الإرهابية الكبيرة ضد الجيش الوطني المصري والقوى الأمنية المصرية في محافظات مصر، عموماً، وفي محافظات سيناء، خصوصاً، أوقعت مئات الشهداء والجرحى، وكان أبشع هذه العمليات تلك التي وقعت مؤخراً في شمالي سيناء وأسفرت عن استشهاد وجرح العشرات من أفراد القوات المسلحة المصرية .
إذاً، صار هدف المخطط الأمريكي، بأدواته التكفيرية الإرهابية المحلية، وحلفائه الدوليين والإقليميين، في مقدمتهم عدو العرب الأول، “إسرائيل”، وتركيا أردوغان “الإخواني” بتطلعاته العثمانية الجديدة، واضحاً . إنه هدف إدخال العرب، دولاً ونسيجاً وطنياً ومجتمعياً، في أتون تطبيقات نظرية “الفوضى الخلاقة”، اللهم إلا إذا كان بلا معنى تدمير الجيشين العراقي والليبي، واستمرار استنزاف الجيشين السوري واليمني، واشتداد الهجمة على الجيش المصري، عماد استقرار وحماية الدولة العربية المركزية التي قيل عنها بحق: “إن قامت قام العرب وإن نامت ناموا” . لقد تجلت فصول هذا المخطط فصولاً مرعبة وصولاً إلى فصل سيطرة تنظيم “داعش” على أجزاء واسعة من العراق، ثم سيطرته، وسواه من التنظيمات التكفيرية الإرهابية، على أجزاء واسعة من سوريا وليبيا، بل وتمددها، بتفاوت، إلى كل من لبنان واليمن ومصر وتونس، والحبل على الجرار بلا ريب أو شك . وكل ذلك من دون أن ننسى أن الهدف الأبعد لهذا المخطط هو تصفية “قضية العرب الأولى”، قضية فلسطين، وإسدال الستار عليها . اللهم إلا إذا كان بلا معنى تزامن إشعال الحريق الإرهابي التكفيري في الوطن العربي من أقصاه إلى أدناه، مع محاولات قادة العدو تمرير شروطهم الصهيونية عبر الحديث عن حل إقليمي لإنهاء الصراع على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة وحقوقه الوطنية والتاريخية المشروعة . ولا عجب . ألم يكن وعد بلفور، أساس إنشاء “إسرائيل” في العام ،1948 ثم تمددها على كامل مساحة فلسطين في العام ،1967 جزءاً لا يتجزء من خطة اتفاقية سايكس-بيكو الاستعمارية لتقسيم الوطن العربي؟ بإيجاز واختصار شديديْن هذه هي أهداف استهداف الجيوش العربية، وفي مقدمتها جيش مصر الوطني الذي وقف إلى جانب ثورة شعبه بموجتيها، يناير/ كانون ثاني ،2011 ويونيو/ حزيران 2013 .

:::::

“الخليج”