خروج «الشيعة من البئر» !

ثريا عاصي 

من المسلمات أن القبلية المترسخة في دنيا العرب تزينت بالمذهبية الدينية . هذه الأخيرة تنتج المذاهب وتهيّج حـُمّاها عندما تتطلب ذلك مصالح الزعماء المحليين ومشغليهم الأجانب. خذ إليك مثل لبنان الذي يقوم نظامه السياسي على المحاصصة المذهبية. فأعضاء مجلس النواب، هم ممثلون للمذاهب التي ينتمون إليها . هذا من حيث الشكل. أما في الواقع فهم يقدمون مصالحهم الشخصية على ما عداها. ليس من الصعب على المراقب أن يبرهن على أن مواقف النواب في لبنان تندرج في كثير من الأحيان في إطار المساومة على تحسين شروط القسمة ! ينبني عليه أن النظام المذهبي في لبنان لا يستوي مع مشروع الوطن، بل هو نقيض هذا المشروع وسبب إخفاقه.
أكثر من ذلك، إن المذهبية التي يتأسس عليها نظام الحكم في لبنان هي غشاوة على العقل، إسكات للرأي، طاردة للمفكرين وقاتلة لهم . من البديهي أن متزعمي المذاهب والمحرضين على الإصطفاف المذهبي، الذين يؤججون العصبية المذهبية يختلفون عن الجمهور الذي يتبع دعوتهم. مهما يكن إن إيفاء هذه المسألة شرحا، يحتاج إلى تفاصيل لا يتسع لها هذا الموضع.
ما أود قوله في سياق الأزمة التي تأخذ بخناق اللبنانيين منذ أربعين سنة ونيف، هو أن تمذهب المسلمين الشيعة في لبنان عائد إلى عدة عوامل . يقتضي التوضيح هنا بأن هذا الموضوع يهمني إلى أبعد الحدود. ما يهمني في الحقيقة هو كل ما يعترض مشروع المستعمرين الإسرائيليين وحلفائهم في الغرب وأعوانهم في بلاد العرب.
بكلام أكثر صراحة، إن مرد تمذهب المسلمين الشيعة في لبنان، هو إلى تمذهب الآخرين ضدهم. لقد شهد جنوب لبنان، أي المنطقة التي يشكل المسلمون الشيعة أكثرية سكانها، في الثمانينات، أحداثا كانت تثير الريبة. من هذه الأحداث على سبيل المثال، مطاردة الوطنيين التقدميين. كان بيّنا للملأ أن للسلطات في لبنان يدا في تحجيم وتصفية الأحزاب والحركات السياسية العلمانية في جنوب لبنان.
قلما تجد اليوم مقاوما في صفوف حزب الله لم يكن والده أو شقيقه الاكبر أو قريب من أقربائه شيوعيا. كيف نفسر هذه الإستدارة ؟ سقط الوطن عندما تخلى نظام الحكم المذهبي عن جنوب لبنان، أثناء الغزو الإسرائيلي سنة 1982، عندما توقفت الدبابات الإٍسرائيلية أمام البرلمان اللبناني. عندما أبرمت السلطات إتفاقية 17 أيار 1983. سقط الوطن في مخيم أنصار- المعتقل ! لو لم يتمذهب نظام الحكم، لما تمذهبت طائفة من المسلمين الشيعة ضد هذا النظام وضد إحتلال الإسرائيليين لأرضهم. نعم أن المقاومة التي يقودها حزب الله هي في جوهرها إدانة للعصبية المذهبية وإدانة للنظام المذهبي في آن. المفارقة هي في أن المتمذهبين في لبنان يتهمون حزب الله بأنه دعا الأنصار إلى الإنضواء تحت رايته المذهبية. ما لا يقوله هولاء المتمذهبون هو أن حزب الله خلق وضعا جديدا، لا يلائم النظام الطائفي والمذهبي الذي كان قائما قبل الغزو الإسرائيلي سنة 1982. يكون الوطن كما يريده المواطنون المتساوون في الحقوق والواجبات دون تمييز على أساس الطائفة والمذهب والحسب والنسب أو لا يكون.