حركة النهضة خطر في الحكم وفي المعارضة

وائل بنجدو

بعيدا عن ضجيج التقولات الجوفاء حول نجاح “الإنتقال الديمقراطي” في تونس بمجرد إنجاز الإنتخابات التشريعية فإن للناس معاييرها الخاصة للنجاح و الفشل و المحك الرئيسي لنجاح الثورات و الإنتفاضات بالنسبة لها هو تحقيق مطالبها في التشغييل و العدالة الإجتماعية و التنمية الجهوية التي كانت الأسباب الرئيسية لاندلاع إنتفاضة 17 ديسمبر . و للوصول إلى هذه الأهداف هناك طريقان:

الأول يتمثل في وصول أحزاب سياسية تتبنى برنامجا إقتصاديا وطنيا مستقلا يقطع مع التبعية للإمبريالية و مؤسساتها ( صندوق النقد الدولي ، البنك العالمي…) . هذا الطريق أصبح مسدودا في هذه المرحلة بعد فوز اليمين الليبيرالي ممثلا في حركة نداء تونس في الإنتخابات التشريعية بتاريخ 2014/10/26 الذي سيمكنها من تشكيل حكومة لن تختلف في توجهاتها الإقتصادية و الإجتماعية عن ما سبقها من حكومات حتى و إن تمَّ تشريك بعض الأحزاب الديمقراطية الإشتراكية لأن تأثيرها سيكون محدودا .

أما الطريق الثاني الإصلاحي فهو الضغط على الحكومة القادمة لانتزاع هذه المطالب و تحسين الظروف المعاشية للطبقات الشعبية من خلال نضال برلماني و ميداني . و هو التكتيك الذي يجب المراهنة عليه في هذه المرحلة لتحقيق مكاسب ملموسة للجماهير التي تبحث عن بقعة ضوء في هذا النفق المظلم و لتقريب ساعة بناء النظام الوطني الديمقراطي على أنقاض هذا النظام .

و بالنظر للمشهد السياسي الجديد الذي شكلته الإنتخابات التشريعية فإن أمام هذا الطريق صعوبات عديدة أهمها أن اليمين الديني ممثلا في حركة النهضة إذا تم إستبعادها من تشكيلة حكومة( و هو التوجه المسيطر داخل ” نداء تونس ” المعني بتشكيل الحكومة) ستكون القوة السياسية المعارضة الأكبر داخل قبة البرلمان و الأكثر تنظيما و تجانسا . تكمن خطورة هذه الوضعية في كون القوى السياسية الوطنية و الطبقات الشعبية التي تسعى لتغيير النمط الإقتصادي السائد في تونس ستجد نفسها معارضة للحكومة حالها حال حركة النهضة الإسلامية ، بمعنى أنها ستقف جنبا إلى جنب مع هذه الحركة ضد الحكومة المرتقبة . و إذا ما أخذنا بعين الإعتبار وزن الكتلة النيابية لحركة النهضة (67 مقعدا من أصل 217 ) و إمتدادها داخل المجتمع (الذي لا يجب إنكاره ) و تنسيقها مع الحركات السلفية و ما يعرف عن قواعدها من إنضباط و إلتزام فإنها ستكون الأقرب و الأقدر على قيادة هذه المعارضة و إستغلال الحركات الإحتجاجية المتوقع إندلاعها نظرا للأزمة الإقتصادية الخانقة التي تعانها كافة شرائح المجتمع . ستنحرف حركة النهضة بالمطالب الإقتصادية و الإجتماعية عن وجهتها الحقيقية و تعود لإثارة المعارك الوهمية التي يحترفها الإسلام السياسي عامة و المتجاوزة للصراعات الإجتماعية الحقيقية و للتناقض مع الإستعمار و منها قضية الهوية و صراع الأديان و الحضارات و هي في ذلك تتكامل مع إيديولوجيا و تنظيرات الرأسمال العالمي المهيمن و تقدم له خدمة جليلة في تأبيد النظام الإجتماعي و السياسي السائد . و ستسعى أو بتعبير أدق قد بدأت عبر وسائل إعلام رخيصة في إثارة النزعات الجهوية التي تساهم في  تخريب الوعي الطبقي للمضطهدين .

و في ظل هذا الواقع السياسي الموسوم بسيطرة الأحزاب اليمينية على مؤسسة الحكم المباشرة ( أي الحكومة من قبل نداء تونس) و المعارضة ( أي مجلس النواب من قبل حركة النهضة) فإن ذلك يضع الأحزاب و المنظمات المعنية بالتغيير الثوري للمجتمع و تغيير التشكيلة الإقتصادية و الإجتماعية الحاكمة إيلاء النضال من خارج المؤسسات الرسمية للنظام بالغ الأهمية . و يتمّ هذا عبر بناء حركة جماهيرية واسعة على شاكلة حركة فبراير20 في المغرب تتبنى برنامجا وطنيا و لا تُهمل التنسيق مع بعض النواب داخل مجلس الشعب و تتجاوز ميكانيزمات و آلايات العمل السياسي التقليدي التي فرضها النظام سابقا ، و ذلك بهدف إفتكاك زمام المبادرة من حركة النهضة وأن لا تُتاح لها فرصة قيادة الحركات الإحتجاجية من ناحية و الضغط على حكومة نداء تونس من ناحية أخرى لتحصيل مكاسب ملموسة للجماهير .

يعلِّمنا التاريخ أن الشعب التونسي مهما بدا لامباليا فإنه يُحسن جيدا تخزين غضبه وإذا إنفجر مجدَّدا ضد سياسية الإفقار المتواصلة منذ عقود فيجب أن لا يُترك لقمة سائغة بيد الإسلام السياسي لاستغلال نضلاته و تحريفها عن وجهتها و يجب الإستعداد لذلك منذ الآن فحركة النهضة خطر في الحكم وفي المعارضة .