فلسطين لا تختزل بالأقصى

رشاد أبو شاور                       

الضغط في (كل) فلسطين ولّد الانفجار منذ زمن بعيد، بدأ في مطلع القرن العشرين، وتوالت الانفجارات: ثورات، انتفاضات، إضرابات، وكان هذا قبل احتلال70% من أرض فلسطين عام  1948بتآمر بريطاني _ غربي، لتسود فترة الذهول، والتيه، والتشرّد، والعيش في مخيمات، أو تحت احتلال الكيان الصهيوني.

تفجّرت الثورة الفلسطينية المعاصرة في اليوم الأول من عام 1965، بعد إعلان قيام منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1964، وعاد حضور شعب فلسطين المُغيّب، وارتفع علم فلسطين الذي وري عن العيون، في سياق مؤامرة إنهاء حضور شعب فلسطين، ولكن الرهان فشل، وبزغ فجر الزمن الفدائي، والغناء للسلاح الذي أطل من الجرح، ولروح المقاومة التي نهضت بعد أن هُيّأ للواهمين أنها ماتت، وأن شعب فلسطين قد اندثر.

بعد إخراج الثورة الفلسطينية من بيروت، ومذبحة صبرا وشاتيلا، فرك المتآمرون أيديهم بسعادة، فقد ارتاحوا، أخيرا، من هذا الشعب المشاكس، الذي لا يموت، والذي وصفه شاعره توفيق زياد بأنه شعب بسبعة أرواح .

امتد الصمت بعد إخراج الثورة الفلسطينية من بيروت قرابة 5 أعوام، وفي الأيام الأخيرة، من الشهر الأخير، في العام 1987 تفجرت انتفاضة فلسطين الكبرى.

الضغط يولّد الانفجار، والضغط على روح شعب فلسطين ازداد كثيرا: غربة، مذابح، مطاردات لعقوله، وقادته، وكتابه ومفكريه ومبدعيه _ هل ننسى الكبير غسان كنفاني، والمثقف الرائع وائل زعيتر الذي اغتيل في روما، والشاعر كمال ناصر الذي اغتيل في بيروت،وغيرهم ؟_ وليل ثقيل الظلمة يجثم على حاضره ومستقبله، ولا يد تمتد، ولا صوت صادق فاعل يرتفع في الهيئات الدولية ينصفه، ويفرض على المحتل أن يعيد الحق لأصحابه!.

في الانتفاضة الكبرى شاع المصطلح عالميا ودخل كل اللغات الحيّة: الانتفاضة..كما هو بالعربية!

ابتدع الفلسطينيون في انتفاضتهم الكبرى: التعليم المنزلي، بعد أن أغلقت المدارس والجامعات، وقدموا قيمة جديدة لمفهوم التضامن الاجتماعي وهم يقتسمون رغيف الخبز وجرعة الماء، وخففوا المعاناة على بعضهم فباتوا عائلة واحدة، وتحملوا اعتقال الأبناء والبنات، وملأوا الشوارع بالمسيرات، والاعتصامات، والإضرابات. تقدم الأطفال المسيرات، وحولهم آباء وأمهات يحمونهم، وانتشرت حكايات البطولة عن انتفاضة سلاح شعبها الحجارة، في منازلة مع جيش وصف بأنه ( لا يقهر)، ليستيقظ العالم على أن شعب فلسطين هو الذي لا تُقهر إرادته.

كتب الشعراء قصائدهم عن الذين أبهروا الدنيا وما في أيديهم غير الحجارة ( يرحم الله نزار قباني)، وانتعش حضور فلسطين القضية والشعب عالميا، وبدأت خسارات الكيان العنصري المعتدي، مكسّر عظام الفلسطينيين، وهادم بيوتهم، والعاجز أمام إرادتهم وصلابتهم.

كتبت شخصيا حكايات من وحي الانتفاضة تدور أحداثها في المخيمات والمدن التي عشت فيها، في أريحا، وبيت لحم، والخليل، بلغة قريبة من المحكية الشعبية، وكلها حكايات عن الناس الذين عرفتهم عن قرب، فكانت مجموعتي القصصية ( حكايات الناس والحجارة) التي صدرت عن دار العودة في بيروت، والتي ترجمت إلى الفارسية ووزعت بألوف النسخ، ونشرت بعض حكاياتها في مجلة ( العربي الصغير).

انطوت حكايات الناس وبطولاتهم الانتفاضية بعد أوسلو، ولكن انتفاضة مباغتة انفجرت، لأن أكذوبة السلام افتضحت مع تواصل الزحف الاستيطاني في الضفة الفلسطينية، وحول القدس، وكانت انتفاضة الأقصى..الانتفاضة الثانية، التي تفجّرت في 28 أيلول عام 2000 إثر (زيارة) شارون الاستفزازية للمسجد الأقصى.

أُجهضت انتفاضة الأقصى، وتواصل الاستيطان ونهب الأرض، بالأحرى: ما تبقى من أرض للفلسطينيين، وضاقت القدس على أهلها، واستفحل خطر الحصار على قطاع غزة، واندلعت حروب: 2008 و2012 ، و2014 ..ثلاثة حروب على أهلنا في القطاع، في ست سنوات، على جزء من شعب يعيش على مساحة 365 كم مربع!

هل نسينا أهلنا في عمق وطننا المحتل عام 1948 ؟ أبدا، فهناك يخوض شعبنا الصامد معركة مستمرة منذ نكبة 48، والاستحواذ على أرضهم، وتهديم قراهم، وتهجيرهم من بيوتهم إلى أمكنة أخرى لتسهيل وضع اليد ممتلكاتهم.

هناك حرب لتحويل المدن والقرى إلى معازل، مع التضييق اليومي، والهدف: تهجير ما تبقى من أهلنا الذين ازداد عددهم من 150 ألفا إلى قرابة المليون ونصف عربي اجترحوا معجزة الصبر والصمود والبقاء وحماية الأرض، والتشبث بعروبتهم وفلسطينيتهم وكرامتهم.

تتفجر الانتفاضات في الضفة والقطاع والقدس فيتجاوب صداها في حيفا، ويافا، والرملة، واللد، والناصرة عاصمة الجليل، والطيبة عاصمة المثلث، لأن هذا الشعب شعب واحد، لا يمكن تقسيمه، ولأن هذه الأرض، فلسطين، أرض واحدة، ووطن واحد، ولأن الضغط: أي السياسة النهب، والقتل، وزج الألوف في المعتقلات، وتمزيق الأسر بجدار النهب  العنصري، وتغيير أسماء شوارع المدن الفلسطينية..كله لا يجدي، مع شعب بسبعة أرواح، ونبع إرادة لا ينضب.

والآن أدعوكم لفتح العيون على ما يبتدعه الفلسطينيون لأجل القدس، وهو ما تجلّى يوم الجمعة 14 الجاري: تسلق الفلسطينيون السلالم التي رفعوها فوق جدار العزل العنصري، جدار النهب، وكسروا الحصار، وأذهلوا جيش الاحتلال بما يفعلونه، وتقدموا وهم يغنون أغنية عربية ( بشرة خير) ترجموا كلماتها إلى العبرية، وبعضها يقول: نحن قادمون إليكم..سنهزم جيشكم كما هزمناه في غزة..وكما هزمنا جيش شارون..فهذه الأرض أرضنا، وليس لكم مكان عليها فارحلوا.

تقدم المقدسيون، والقافزون من فوق الجدار، واشتبكوا مع شرطة وجنود الاحتلال بالألعاب النارية التي حولوها إلى سلاح يحرقون به وجوه وأيدي جنود الاحتلال، ناهيك عن الحجارة، ورغم قطع الطرق اكتظت باحات الأقصى بأكثر من أربعين ألف مصل.

هذه الإبداعات هي مقدمات لإبداعات كبيرة قادمة، لشعب كلما تزايدت الضغوط عليه ازداد عنفوانا وقوة، وتأججت نيران غضبه التي لا تنطفئ!

يهرول المهرولون لمحاصرة انتفاضة القدس، وفي مقدمتهم وزير خارجية أمريكا، ويمارسون حيلهم لامتصاص غضب الفلسطينيين، وتطمينهم بأن الأقصى لن يمس، وكأن القضية الفلسطينية يمكن اختزالها بالمسجد الأقصى!!.

سبب الانفجار الفلسطيني الدائم أكبر بكثير: فلسطين محتلة، وشعبها مشرّد، ومحاصر، ومستفرد به في الداخل..وهذا ما لم يقبل به شعبنا على مدى عقود الصراع، وما لن يقبل به مهما تعددت أساليب الاحتلال، ومن يدعمه، ويتواطأ معه…