مُقاومون وشيعة

ثريا عاصي

توصلك مداورة الأزمة اللبنانية في الذهن، بما هي صورة مصغرة لما يعتمل في بلاد العرب من تحولات، إلى خلاصات مفادها أن ما يجري لا يقرّب من نهاية النفق، بل يكاد أن يكون مراوحة في المكان أو استمرارا للدوران في الدائرة المقفلة ذاتها.. منذ فتح بلاد الشام ! لنسلم بأن حزب الله لم يخرج من البيئة الجنوبية التي كانت ترزح تحت الإحتلال الإسرائيلي ، ماذا كان حدث للناس وللأرض ؟ هل كان الجنوب تحرر دون قيد أو شرط ؟ يا للعجب من قول قائل أنه صفق لحزب الله عندما كان الأخير يقاوم المستعمرين الإسرائيليين في جنوب لبنان، ولكن تصدي هذا الحزب لـ «الثوار» في سوريا جعله يبدل موقفه ويشهر العداء ضده. أما إذا سألته عن السبب جاءت الإجابة صادمة. إن مقاتلي حزب الله يقتلون «السنة «، إذن هم «شيعة» و«الثورة» في سوريا «سنة» ! تطلب منه أن يتمهّل. لماذا هو لم يدعم المقاومين في الجنوب بأكثر من التصفيق. لماذا لم تنشأ في لبنان جبهة وطنية للتحرير. لماذا لم تحذو السلطات اللبنانية حذو الجنرال ديغول عندما إحتل الألمان بلاده. فضلت هذه السلطات إتباع سياسة معاونة المستعمر والتطبيع معه كتلك التي انتهجها الماريشال الفرنسي بيتان. لا غرابة إذا كان اللبنانيون يناصرون ديغول وبيتان في آن واحد. «الفرنجي برنجي» المطلوب سيدا فرنسيا !. في فرنسا نفسها اختلط في هذه الأيام الحابل بالنابل أيضا! لماذا تمكن حزب الله من أن يستنهض الناس لينتزعوا حريتهم في العيش على أرضهم، ولم تستطع السلطات الحكومية اللبنانية والأحزاب والحركات السياسية الوطنية، فعل ذلك؟ هذا سؤال محوري في رأيي، لا يجوز لأحد القفز من فوقه. تحديدا من جانب الذين ينكرون سيادة الدولة السورية وفي الوقت نفسه يبدون حرصا شديدا على سيادة الدولة اللبنانية. لماذا استجاب الناس لحزب الله؟ هذه أسئلة من جملة الأسئلة التي كان يـُفترض أن تلقى إجابات وافية. قبل الإنجرار مع تيار الثورة المزيفة التي ألبست مكرا وكيدا بالديمقراطية والنزاهة والمثل العليا. هذا التيار الذي إنطلق من نقطة مجهولة ومن المحتمل أن يوصل إلى نقطة أخرى مجهولة هي أيضا، وقد يتلاشى أو يجف في العراء. صارت الثورة حربا بين الولايات المتحدة الاميركية من جهة وداعش من جهة ثانية ، على ارضنا. قلنا في مقال سابق، ان النظام المذهبي في لبنان هو نظام لا وطني لا تشاركي لا وحدوي. من المعلوم أن الأخير أدار ظهره لسكان الجنوب الذين يتعارض وجودهم أصلا، مع المشروع الإستعماري الإستيطاني الإسرائيلي.مرد ذلك إلى كون النظام اللبناني توليفة وكلاء محليين ووسطاء وأدلاء.لا ننسى أن أبناء الجنوب طرقوا أبواب الأحزاب والحركات العلمانية. فهم لم يتمذهبوا قبل أن تسقط الأقنعة عن الوجوه الكالحة. إن تمذهبهم إدانة للنظام المذهبي وللتواطؤ والتطبيع مع المستعمر. العجب العجاب هو أن يصب أدعياء الدفاع عن العدالة والحرية والتقدم والإيمان جامهم على المقاومين بحجة أن الأخيرين تمذهبوا وأن يبرر هؤلاء الأدعياء أنفسهم تمذهب العملاء والقتلة والجزارين والهدامين، إلى حد غض الطرف عن حفلات داعش !..