الاستقواء بالخارج وحقوق الإنسان

 د.محمد أشرف البيومي

نائب رئيس جمعية أنصار حقوق الإنسان بالإسكندرية

 أستاذ الكيمياء الفيزيائية بجامعتي الإسكندرية وولاية ميشجان (سابقا)

منظمات حقوقية  مصرية تشكو مصر للأمم المتحدة

     هالني ما قرأت في المصري اليوم الجمعة 31 أكتوبر تحت عنوان “…19 منظمة حقوقية تشكو مصر للأمم المتحدة” والذي ذكر أن “ملتقي منظمات حقوق الانسان المصرية المستقلة، في تقرير مجمع، قدمه إلي مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، أن سجل حقوق الإنسان بمصر يشهد تدهورا هائلا طوال السنوات الأربع الماضية.”وذكر التقرير أن القاسم المشترك الأساسي علي مدار تلك الفترة كان المطالبة الشعبية بأوضاع أفضل لحقوق الانسان … فإن غياب الإرادة السياسية لتحسين حالة حقوق الانسان يظل العائق الأساسي لتدهور حالة الحقوق والحريات.” كان أبرز المشاركين في التقرير كما جاء في الصحيفة مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان، والائتلاف المصري لحقوق الطفل، والجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة الاجتماعية.

موقف وطني  للأستاذ محمد فائق

وفي هذا الشأن “حذر الأستاذ محمد فائق ، رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، من استقواء عدد من المنظمات غير الحكومية بالخارج أثناء المناقشة العلنية لملف مصر أمام المجلس الدولي لحقوق الانسان التابع للأمم المتحدة بجنيف” كما “أوضح فائق أن حركة حقوق الإنسان في مصر يجب أن تظل حركة وطنية في المقام الأول” كما جاء في أهرام الأحد 2 نوفمبر الحالي.

جاء هذا الموقف المبدئي متناسقا مع الالتزام بالسيادة الوطنية ومنهج النظرة الشاملة وليس النظرة الضيقة التي تهمل القضايا الوطنية بحجة الدفاع عن حقوق الإنسان والتي لا يصح أن يكون هناك أي تناقض بينهما. إن التمسك بالدفاع عن حقوق الانسان بأبعادها المختلفة ومحاسبة السلطة علي أي انتهاكات لها بعيدا عن أي منظمات دولية أو حكومات أجنبية واجب أساسي من واجباتنا الوطنية لا يمكن أن نحيد عنه. لا بد أن نشير أن ظروف محاربة الإرهاب تفرض إجراءات استثنائية يجب أن تلتزم بالقانون فلا يصح مثلا أن يمتد حبس أي مواطن دون تقديمه لمحاكمة فورية أمام قاضيه الطبيعي حتي لا يضار أي بريء. علينا ألا نكرر ما حدث في أمريكا رافعة شعارات الحرية والديمقراطية دوليا بينما تصدر العديد من القوانين المقيدة للحريات المسماة بالقانون الوطني واحد واثنين (Patriot Act 1&2ٌ). لابد من تحقيق توازن حقيقي بين ضمان الحريات ومحاربة الإرهاب.

هجوم النيويورك تايمز علي د. فايزة أبوالنجا

بينما تتعاطف الإدارة الأمريكية وإعلامها التابع مع شخصيات ومنظمات حقوقية ممولة من مؤسسات أمريكية، انتقدت بشدة صحيفة النيويورك تايمز يوم الخميس 6 نوفمبر الحالي تعيين د.فايزة أبوالنجا مستشارة للأمن القومي المصري واعتبر باحث مصري أمريكي في مؤسسة القرن Century Foundation)) هذا التعيين “بمثابة صفعة علي وجه الولايات المتحدة”. وذلك لأنها تجرأت واتهمت “منظمات مصرية حصولها علي تمويل من الخارج دون تصريح رسمي” ولاتهامها هذه المنظمات “مساهمتها في مخطط للحكومة الأمريكية تحريك الفوضي في الشارع” (المصري) . كما جاء قول د. أبو النجا في الصحيفة “إن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تستطع خلق والابقاء علي حالة من الفوضي فلجأت للتمويل، خصوصا الأمريكي كوسيلة لتحقيق هذه الأهداف”.

يبدوا أن الرئيس السيسي  نسي ضرورة أخذ المشورة وربما الإذن من الإدارة الأمريكية قبل تعيين مستشارة مصر للأمن القومي!!

و هنا لا بد من الإشارة إلي أن القانون الأمريكي يلزم المواطن الأمريكي الذي يتلقي تمويلا أجنبيا أن يسجل نفسه ومنظمته كوكيل أجنبي  (Foreign Agent)  ، وأن تكون أوجه الصرف معلنة.

الاستقواء بالخارج استهانة بالسيادة الوطنية

إن شكوي الدولة المصرية لمنظمات “دولية” أو منظمات أجنبية من قبل أفراد بشأن أمور داخلية يشكل عبث خطير بالاستقلال الوطني.  ينبثق هذا السلوك من النهج النيوليبرالي (الليبرالية الجديدة) الذي  تغذيه وتشجعه  قوي الهيمنة. هذا الفكر الذي يتميز بالتهميش الواضح للقضايا الوطنية والقومية.  يعكس هذا الاسلوب غض النظر عن الدور الأمريكي، ودول حلف الناتو في السعي للهيمنة الكاملة علي العالم العربي لصالح الكيان الصهيوني، “الحليف الاستراتيجي”.

 وقبل ان يقفز البعض ويعتبر ذلك تخوينا من قبلنا نقول أننا نعتبره تصرف ضار بالوطن مهما كانت دوافعه. أما الخيانة فهي القيام بافشاء أسرار الدولة خصوصا العسكرية والتي قد تؤدي إلي هزيمة أو مصائب كبري تصيب الوطن مثل الترحيب بالاحتلال الأجنبي أو استدعاء قوات أجنبية للتخلص من دكتاتور مهما كان استبداده أو التوقيع علي معاهدة مع العدو تسلب الوطن نتائج انتصاراته العسكرية وتضحياته البشرية والمادية وتوقع الوطن في براثن التبعية لعقود عديدة.

تأتي الشكوي في الوقت الذي تعلن فيه قوي الإمبريالية عن أهدافها بوضوح كامل من أجل تخطيطها للهيمنة عبر مشاريع متعددة كمبادرة الإصلاح العربي ومشاريع شرق أوسطية، وتستخدم شعارات الديمقراطية والتدخل الانساني لتحقيق أهدافها العدوانية ، تماما كما كان الاستعمار القديم يستخدم شعارات “حماية الأقليات” و”نشر المدنية بين الشعوب المتخلفة”. نندهش لمساهمة افراد مصريين في تسهيل تحقيق مثل هذه الأهداف عبر الاعتداء علي سيادة الدولة المصرية  تحت رداء الدفاع عن حقوق الإنسان. ألم يتعظ هؤلاء الأفراد بنتائج المناداة بالتدخل الأجنبي لحماية المدنيين من دكتاتوريات عربية والجرائم الهائلة والتدمير الواسع الذي حدث في ليبيا والعراق، والتآمر الجاري الآن منذ أكثر من ثلاثة أعوام علي الدولة السورية؟

 إن تبرير منهج اللجوء للحماية الدولية سواء عسكريا او سياسيا والاستقواء بالأجنبي لتغيير حكومات غير شعبية ينبثق من العجز الداخلي لحماية حقوق الانسان وعدم القدرة علي تغيير الحكومات؛ هذا إذا افترضنا حسن النيات. لا يخفي علي أحد النتائج الكارثية لاستحضار الأجنبي العدواني والتي تصل إلي حدود ضياع الدولة وحرية الوطن ناهيك عن حريات المواطنين.

الحفاظ علي السيادة الوطنية لا يتناقض مع حماية حقوق الإنسان

ليس المقصود هنا مطلقا إهمال قضايا حقوق الانسان والحريات بل علي العكس تماما فلا بد من النضال لتحقيق تحسينات مطردة في هذا المضمار. وليس من الغريب ان نري ان الكثير من الذين يستقوون بالخارج هم في الغالب الممولون من مصادر أجنبية التي تسعي للهيمنة ولفرض ارادتها علي الشعوب. لطالما نبهنا إلي مخاطر التمويل الاجنبي واصدرنا كتيب منذ اكثر من عشرة أعوام وبه حصيلة دراسات حول الموضوع عرضت في ندوة بنقابة الصحافيين عام 2004. شاركت في هذه الندوة جمعية انصار حقوق الانسان بالإسكندرية التي لا تقبل اي تمويل اجنبي منذ نشأتها عام   1979 والذي كان أحد مؤسسيها المناضل الوطني إبراهيم طلعت المحامي. هذه الجمعية التي تعرض أعضاء مجلس إداراتها بالسجن أوالنقل من الجامعة لوظائف وهمية خارجها إبان حكم السادات كما قاست من التضييق الشديد عليها في عصر مبارك لتصديها لانتهاكات حقوق الانسان وطنيا وقوميا. هؤلاء الافراد الذين ينشدون التأييد الأجنبي لا يمثلون إلا انفسهم والقلة القليلة من المواطنين؛ فمنظماتهم ليست منظمات اهلية تحظي بمشاركة شعبية واسعة. إن خطورتهم تكمن ليس في ثقلهم العددي وإنما في الظهير الأجنبي الذي يمولهم ويوظفهم سواء هم واعين لذلك أم لا. فهذه المنظمات تابعة بشكل أو آخر لمصادر تمويلها . والسؤال هنا من فوضهم؟ وعلي أي تأييد شعبي يستندون؟

صفة “الدولية”

يقول البعض ان الشكوي مقدمة لمنظمات ” دولية “.  أليست هذه نفس المنظمات “الدولية” التي أضفت “شرعية دولية” لحصار العراق وقتلت المئات من الالوف نتيجة لذلك ؟ أليست هي المنظمات التي مهدت ووافقت علي احتلال العراق؟ أليست هي نفس المنظمات التي تمنع ادانة الكيان الصهيوني علي جرائمه المتكررة والبشعة؟ ساذج فقط او متواطء الذي يصدق صفة “الدولية” الخادعة وكأنها كيانات عادلة وإنسانية وليست كيانات تشمل العديد من الدول ولكن تحت تحكم الدول العظمي وعلي رأسها الولايات المتحدة الامريكية التي تحاول بشراسة الإبقاء علي نظام عالمي أحادي القطب بقيادتها وتواجه تحديات كبيرة لتحقيق ذلك من قبل دول البريكس وتحالفات أخري .

كيف لمن يدعي الاهتمام بحقوق الانسان أن يضع ثقته في المنظمات والمحاكم الدولية والتي هي في الواقع أدوات للإمبريالية  رغم تخفيها تحت رداء إنساني. إن اللجوء لمؤسسات “دولية”  تابعة لقوي الهيمنة، أو الاستقواء بمنظمات بحجة تمتعها “بمكانة دولية”،لا يمكن أن يؤدي إلي تغيير حقيقي يحقق مطالب شعبية متعلقة بالحريات وحقوق الانسان .

صفة “الاستقلال”

نتسائل كيف يمكن لمنظمات مصرية تصف نفسها “بالغير حكومية” أن تحصل علي تمويل حكومي أجنبي وتحديدا من الكونجرس الأمريكي عبر صندوق الوقف الديمقراطي  ال NED؟ وكيف بعد ذلك تصف نفسها بمنظمات “مستقلة لماذا لا تعلن هذه المنظمات مصادر تمويلها وكيفية التصرف فيها علي مواقعها الالكترونية ؟ أليست الشفافية أحد الشعارات التي تتبناها؟

كيف تغاضت منظمات حقوق الإنسان “الغير حكومية” و”المستقلة” عن ترسانة القوانين والإجراءات التي أصدرتها دولة التمويل الأمريكية منذ سبتمبر 2001 والتي قلصت بشكل ملحوظ الحريات وجعلت المكالمات الشخصية سواء التليفونية أوالإلكترونية تحت الرقابة بحجة محاربة الإرهاب؟ وبينما تغدق منظمات أمريكية وأوربية علي منظمات حقوقية في دول العالم الثالث نشاهد الجرائم المتكررة التي يرتكبها البوليس الأمريكي المعسكر (مدجج بالسلاح العسكري) في المدن الأمريكية بحق المواطنين من أصول أفريقية، والذي وصل إلي حد قتل الأبرياء في مدينة جيفرسون ميزوري وغيرها من المدن. هل مايجري من عنصرية فجة ضد أفارقة وعرب في العديد من الدول الأوروبية الممولة لمنظمات حقوقية في بلادنا غائب عن الذين يتلقون التمويل من مؤسساتهم ؟

وأخيرا

بكل تأكيد هناك ضرورة للعمل علي تحسين اوضاع حقوق الانسان وهذا يتطلب توسيع المشاركة الشعبية في إطار منظمات سياسية وحقوقية، وضرورة دعم أنشطتها من الضرائب المحلية. عندئذ يصبح “المجتمع المدني” عملا أهليا وبحق وليس مجرد ملاذ للذين يتشوقون لل”عالمية” عبر”عملية التدويل” وكأنها عصا سحرية تزيح العجز البنيوي المحلي المرتبط  إقليميا وعالميا.