التطبيع…محاولة لتعريف استدخال الهزيمة

عادل سمارة

التطبيع هو علاقة بين عدوين ينخُّ أحدهما للآخر أو بكلام ثقافي” يستدخل أحدهما الهزيمة”. وعلاقة العداء هي حرب والتطبيع هو إذن استدخال الهزيمة. هكذا بلا مواربة. ومعنى الحرب والهزيمة أنها وضعيات بين الأمم تشمل بل تكتنف مختلف مستويات الحياة تبدأ من القومي السياسي  عبر الاقتصادي  والثقافي والنفسي والفكري والاجتماعي وتنتهي بالقانوني.

والقانوني أخيراً، لأنه قد يحوي ما يخرق مختلف المستويات الأخرى. ولأنه شكلي نصَّي يمكن إعلان التمسك به وممارسة العكس.

تأخر الفلسطينيون في الانتباه لخطورة ومن ثم مناهضة التطبيع إلى ما بعد اتفاق أوسلو (أوسلو-ستان) الذي هو تطبيع شامل واعتراف بالعدو على ارض الشعب الفلسطيني وبالتالي نقل سقف التحرير إلى سقف تقاسم الوطن مع العدو تقاسماً وعد الفلسطينيين بالفتات ولم يحصلوا عليها بعد.

طبعا لا معنى للقول بأن أوسلو هو سلام الشجعان بل هو سلام رأس المال. لذا فراس المال الذي استفاد ولم يتوقف من التطبيع لم يأسف على اغتيال الكيان للسيد ياسر عرفات الذي قاد الاعتراف بالكيان وحقق سلام راس المال! فهل اوقف راس المال التطبيع؟

وبما أن التطبيع نتاج حرب بين طرفين، فإن مناهضة التطبيع لا تتجزأ. فلا يمكن ان يتبنى طرف او مؤسسة أو فرد فلسطيني مناهضة التطبيع في المستوى الاقتصادي بينما يروج لثقافة العدو أو يتعلم في جامعاته او يطبع معه سياسيا او اجتماعيا…الخ.

لا يمكن ان ينقسم الفلسطينيون إلى :

فريق يرفض التطبيع الاقتصادي

وفريق يرفض التطبيع السياسي

وفريق يرفض التطبيع الأمني

وفريق يرفض التطبيع الثقافي

وفريق يرفض التطبيع النفسي

وبالتالي يمارس كل فريق التطبيع في مجال فريق اوالفرق الأخرى.

في حالة انحصار كل فريق في مجال وتفريطه في المجالات الأخرى، يكون العدو في طمأنينة هائلة حيث نقدم له فرقا تعتمد تقسيم عمل في خدمته.

إذا كان هذا التعريف الأولي مقبولا، فهو يضع مختلف القوى والمنظمات والمؤسسات الفلسطينية في دائرة مراجعة ديباجاتها ومواقفها. فلا يمكن لمن هوضد التطبيع ان يمارس التطبيع الأكاديمي  أو السياسي ويقول بأنه “اللجنة الوطنية العليا لمناهضة التطبيع”؟

ولا يمكن لأكاديمي ان يزعم بأنه مناهض للتطبيع ويتعلم في جامعات الاحتلال؟ أو لسياسي ان يقول بأنه ضد التطبيع ولكنه يحوز على رخصة تسويق منتجات صهيونية…الخ

من بدأ مناهضة التطبيع؟

لعلها مفارقة محرجة ان العدو هو الذي بدأ مناهضة التطبيع منذ بدأ استيطانه الأولي في فلسطين، وذلك بتبني سياسة “العمل العبري”. ومقاطعة وإتلاف المنتجات الفلسطينية.

بعد اتفاق كامب ديفيد، تبنت الحركة الوطنية/القومية في مصر مناهضة التطبيع. اي ان الفلسطينيين تأخروا عن مصر مع أن الأجدر أن تكون البداية من فلسطين.

المستوى الجغرافي للتطبيع

يستغرق النضال ضد التطبيع ثلاثة مستويات:

المستوى الأول: هوالمستوى الوطني الفلسطيني حيث يجب ان يشمل كافة المستويات التي اشرنا إليها أعلاه.

المستوى الثاني: المستوى العربي: فلا يمكن للفلسطيني ولا للمواطن العربي أن يقبل التطبيع مع نظام عربي اوحزب عربي يعترف بالكيان ويقيم معه علاقات من أي نوع. مثلا، محاضر/ة من جامعة محلية يعمل/تعمل في جامعة في قطر بينما قطر مفتوحة للكيان الصهيوني امنيا واقتصاديا وثقافيا وسياسياً!

المستوى الثالث: المستوى الدولي: أي لا يمكن ان يمارس الفلسطيني والعربي التطبيع مع أية دولة تتبنى الكيان وتقف في صفه عسكريا واقتصاديا وسياسيا ضد الشعب الفلسطيني والأمة العربية.

هذا الحديث يثير إشكالات.فهل يمكن عدم التطبيع مع هذه الدول؟ بالطبع هذا في منتهى الصعوبة، وعليه، فإنه في المستويين الثاني والثالث، يجب ممارسة عدم التطبيع ما أمكن. مثلاً، رفض الحصول على تمويل اجنبي من الدول المعادية عبر الأنجزة،  أو رفض التعاطي مع المجلس الثقافي البريطاني او الفرنسي او الألماني…الخ. ومقاطعة منتجات هذه الدول…الخ. فالاستهلاك مسألة يمكننا التحكم بها اذا تمتعنا بالوعي بالاستهلاك او الاستهلاك الواعي.

أليس بوسعنا أكاديمياً أن نرفض الثقافة الفرانكفونية واللبرالية عموماً. وهذا يعني ان نقرأها جيدا وأن ننقدها بعمق.

هل من الصحيح أن يروج الفلسطيني لثقافة الدين السياسي الوهابية بينما السعودية هي سلطة حاكمة صهيونية الهوى والممارسات؟

الاستثناءات

 

مناهضة التطبيع،كما اشرت، آخرها القانوني. بمعنى ان هذه المسألة بمقدار ما هي وطنية عامة هي فردية. فكل شخص بوسعه رفض التطبيع بقناعة وقرار منه اي برقابته لذاته وليس لأنه يخشى قانونا ما يمكنه خرقه. فحين يشتري المرء بضاعة من حانوت من صنع صهيوني هو الذي يعرف انه يمارس التطبيع، بينما لا أحد يراه. وعليه فمناهضة التطبيع مثابة التزام ذاتي داخلي أخلاقي رقابي على الذات.

هناك حاجات لا ننتجها وبالتالي نضطر لاستخدام منتجات العدو. أي حاجات لا بدائل لها.

مناهضة التطبيع مشروع تنمية

مناهضة التطبيع هي مشروع تنموي بمعنى أن العزوف عن شراء منتجات العدو هوتحفيز لإنتاجها محليا، وبالتالي فمناهضة التطبيع إذا مورست بشكل حقيقي هي إنجاز النصر الاقتصادي.

مناهضة التطبيع حرب ممتدة

بناء على وصف العلاقة بالعدو على انها علاقة حرب، فإننا أمام حلقتين من الحرب مع العدو:

الحلقة الأولى: هي الحرب المشتدة، اي الصراع العسكري والمقاومة المسلحة وهذه لا تحصل بشكل يومي

والحلقة الثانية: وهي الحرب الممتدة، اي مقاطعة العدو/الأعداء في كل مجال ممكن وهذا يعني انخراط كل المجتمع الفلسطيني والعربي وبشكل يومي أو طبعا في الفترات الطويلة بين حرب عسكرية وحرب أخرى وبين عملية مقاومة وأخرى.

ملاحظة: يمكن الرجوع لكتابي : التطبيع يسري في دمك.