الفلسطينيون الجدد

عبداللطيف مهنا

في مقالنا السابق ذهبنا إلى الجزم بأن ما تحتدم من مواجهات سمتها التصاعد بين المقدسيين المرابطين في قدسهم والمحتلين الصهاينة هى في سبيلها الموضوعي لأن تغدو مقاومة شعبية فدائية شاملة ، رجَّحنا اتساعها إلى حيث كافة مواقع وتجمُّعات الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال في كافة فلسطينه التاريخية المحتلة. وإذ عددنا الأسباب، قلنا في حينه إن الحالة المقدسية قد تعدت الجدل حول كونها “انتفاضة مصغَّرة”، كما يصفها الصهاينة، أو المحاصرة، بالإشارة الى استماتتهم للحد من انتشارها في باقي الضفة، متعاونين في ذلك مع سلطة اوسلو، عبر التنسيق الأمني القائم مع اجهزتها الذي تنقل الصحف الصهيونية اخبار لقاءاته وتطنب في الثناء على مردوده. أو أنها موضوعياً في سبيلها لأن تغدو انتفاضة كبرى، بالنظر إلى استحالة محاصرتها، أو ما تنبئنا به اصداؤها المنعكسة تجلياتها المتصاعدة في كامل فلسطين المحتلة، حيث يغلي المرجل الفلسطيني ولم يدع له المحتلون خياراً سوى محتوم الانفجار.

كنا حينها نعقِّب على تواتر عمليات الدهس والطعن ضد المحتلين، أو مستجد هذه العمليات الفدائية المتلاحقة التي ابتكر ابطالها اشكالا كفاحية جديدة غير مسبوقة، تتوائم وتتكيف في وسائلها مع ما تسمح به ظروف شعب مناضل، لكنه محاصر واعزل ومستفرد به، ويواجه عدواً باطشاً مالت لصالحه كافة موازين القوة ومئة في المئة. كما لاحظنا أن هذه العمليات، وقد اتسمت بالجرأة الفريدة في مواجهة الطغيان الاحتلالي الغاشم، قد تحدت ايضاً تسلُّط الاجهزة الأمنية الدايتونية الأوسلوية المنسِّقة مع المحتلين، وأن فدائييها المنفذين لها لاانتماء تنظيمي لأغلبهم، أو لم يستأذنوا فصيلا في الساحة عندما اقدموا على تنفيذها، وبذا استحقت منا أن نطلق عليها بلا تردد ما اطلقناه عليها ، أي مقاومة شعبية فدائية…

على الصفحة الأولى لإحدى الصحف العربية لفت انتباهي صورة لتظاهرة تضامنية غزِّية مع القدس يرفع فيها المتظاهرون، إلى جانب صورتي شهيدي العملية الفدائية الأخيرة ابني العم عدي وغسان أبو جمل، بوستراً لقبة الصخرة المشرَّفة كتب تحتها: “هل من مجيب؟”… هذه الهل من مجيب؟!! هى تماما ما يعكس، ليس راهن واقع حال الأقصى المستباح والقدس المستغيثة وحدهما، بل وطن بكامله يغتصب وشعب كله يقهر ويترك وظهره للحائط، بعد أن تناساه الراهن العربي، وحيث لا من مراهنة له على ما تدعى “العدالة الدولية”. وإذ هو ابتلي بسلطة ليست موضوعياً أكثر من شاهد زور واداة أمنية في خدمة محتليه، وفصائل اغلبها إما العاجز أو من هو في حال الأقرب الى المتقاعد نضالياً، لم تني عذاباته النضالية في انتاج جيل مختلف من فلسطينييه الجدد، وأن تبادر اصالته الكفاحية التليدة لاتخاذ منحى نضالياً مستجداً دشنته في هذه المرة عاصمته القدس، متجلياً في هذه الانتفاضة الفدائية، وأخذاً انموذجه ومعناه ورمزيته زماناً ومكاناً بامتياز من هذه العملية الأخيرة التي شهدها غربهاً. إذ نفَّذها ابنان من حي جبل المكبر المحاط بالكتل التهويدية التي تضيِّق الخناق عليه، وكان مسرحها حي “هارنوف” التهويدي الاستعماري المقام على انقاض قرية دير ياسين المنتكبة بمذبحتها الإبادية الشهيرة التي ارتكبها الصهاينة، حين استهدف الشهيدان في هذا الحي مدرسة تلمودية يديرها حاخام اشتهر بدعوته لهدم الأقصى وبناء الهيكل المزعوم مكانه. هذا مكانياً أما زمانياً، فجائت العملية رداً سريعاً ومباشراً على شنق قطعان المستعمرين للشهيد المقدسي يوسف الرموني بعد تعذيبه.

قبل العملية، بلغ الفجور الصهيوني مداه قمعاً وتهويداً واذلالاً للمقدسيين والفلسطينيين عموماً، وأكملوها بالشروع في قوننة سرقة الأرض الفلسطينية والتخلص من انسانها وابادة هويتها وتزوير تاريخها بعد السطو على جغرافيتها، عبر ما اسموه “قانون القومية”، أي قوننة ما تدعى “يهودية الدولة”، أوالخطوة الممهدة لقادم المرحلة الترانسفيرية المبيَّتة لإنجاز الهدف النهائي في قائمة الأهداف الاستراتيجية الصهيونية لتصفية القضية الفلسطينية، والتي لم تتبدل أوتتغير منذ أن وضعت قبل أكثر من قرن. أما بعد العملية، التي كان من شأنها، مع ما سبقها من عمليات مشابهة، الحاق كل هذا الذعر هذا في الكيان الغاصب، أو هذا الاهتزاز في احساس مستعمرية بالأمن، والذي هو اصلاً، الى جانب الدور الوظيفي في المشروع الغربي المعادي في بلادنا، والأساطير التلمودية الدينية ، يعد ثالث مرتكزات وجود هذا الكيان الهش والمفتعل، فقد تمت المسارعة لإعلان حالة الطوارىء على الفلسطينيين والمبادرة لما اسموه تسهيل تسليح المستعمرين، بمعنى قوننة مواصلة الانتقام من الفلسطينيين بترخيص قتلهم على الشبهة، أو وفق المزاج…على أية حال هاتان الخطوتان ليس فيهما من جديد، فمنذ نكبة فلسطين وقيام كيانهم الاستعماري الغازي على ارضها مارسوا فعلياً “يهودية” كيانهم هذه وفرضوا على الفلسطينيين طوارئهم، ومن حينها أيضاً رخَّصوا قتلهم وقتل العرب عموماً، حقداً وانتقاماً، و بسبب وبلا سبب، أوبشبهة ومن دونها…من عجائب الأوسلويين الفلسطينيين مشاركتهم الموضوعية للصهاينة في مثل هذا الترخيص، ذلك عبر حرصهم المعهود على ذات المسارعة لترديد ذات اللازمة الشاجبة والمدينة لكل عملية مقاومة تنفَّذ ضد المحتلين…ومع هذا، وبالمقابل، من غرائب الصهاينة، ونتنياهو في مقدمتهم وبينيت من على يمينه وحولهما كثيرون، المسارعة لتحميل مسؤلية هذه العمليات ظلماً وبهتاناً للسلطة الأوسلوية، أو لرئيسها بالذات، والإصرار على اتهامه بتسببها، حتى ولو اتته التبرئة جامعةً مانعةً في شهادة لرئيس الشاباك نفسه، يورام كوهين، وأمام الكنيست!!!